الشمس لا تشرق بقانون إسرائيلي../ هاشم حمدان

لم يكن من المفاجئ أن يرتفع الزعيق والصريخ والتهديد والوعيد في إسرائيل في أعقاب زيارة وفد القوى الوطنية إلى دمشق. وكان من اللافت في هذه المسألة أمران؛ الأول هو ما أوردته صحيفة "معاريف" بشأن تقديم الوفد للمحاكمة بعد عودته، بذريعة مخالفة القانون الذي وضع خصيصاً لمنع تكرار زيارات من هذا النوع. والأمر الثاني هو تعقيبات الشارع الإسرائيلي على النبأ، والتي تضمنت عدم السماح لأعضاء الوفد بالعودة إلى البلاد، وسحب المواطنة منهم، أو تقديمهم للمحاكمة بتهمة الخيانة وتقديم خدمات "للعدو"، أو العمل على إخراجهم من الكنيست وتنظيم مظاهرات لمنعهم من الدخول إلى الكنيست، أو منعهم من المشاركة في الإنتخابات..

اعتدنا القول أنه منذ أن قامت الدولة، وضعت السلطات الإسرائيلية نصب أعينها أسرلة الجماهير العربية، وعزلها عن الرواية الفلسطينية والسياق التاريخي العربي. ولكن للدقة فإن الأمور أسوأ من ذلك بكثير. وهناك ما لا يحصى من الحقائق الدامغة، لعل آخرها كتاب "العرب الجيدون" للمؤلف هيلل كوهين والذي يستند إلى أرشيف الشرطة، والتي تؤكد أن السلطات منذ قيام الدولة تعاملت مع العرب من خلال علاقات الجيش والشرطة والشاباك القذرة والمقززة، من أجل خلق انطباع أن جميع العرب يشتبهون ببعضهم البعض، وكلهم يخشى كلهم، وبعضهم يتعاون ضد البعض الآخر، وتفتيت العائلة الواحدة وجعل الأبناء يخونون آباءهم، في سياق عزل العرب عن الرواية التاريخية للشعب الفلسطيني وتفتيت هويتهم القومية الجامعة إلى مسلمين ومسيحيين ودروز وبدو، وصولاً إلى تدمير مجتمع بكل معنى الكلمة، عبر ضرب البنية المجتمعية وتحويلها إلى شراذم متصارعة أو فرق مرتزقة تحمل السلاح وتطلق النار على أبناء جلدتها، وتعيش حالة من الجاهلية والعدمية القومية..

في المقابل فإن الجماهير العربية لم تتخل عن هويتها القومية، ولم تبدل ملامحها الكنعانية، ولم تبدأ حياتها في إسرائيل كجمهور مشلول بسبب هول الهزيمة، ويكفي القليل من الوعي لاستيعاب الصورة التي كان مخططاً لها أن تنشأ، ولعل في أفضلها يكون فيها أقصى طموح الشاب العربي أن يقبل بواباً على مداخل الأبراج العالية، أو بستانياً أو عامل بناء أو ماسح أحذية، وربما تكون فيها العربيات خادمات في بيوت أسياد..

لا يجهل وفد القوى الوطنية القوانين الإسرائيلية، ولم يقم بمغامرة غير محسوبة. فعملية التواصل القومي والتضامن مع سورية، هي خطوة دفاعية عن الجماهير الفلسطينية في الداخل أساساً، والتي باتت حاجة ملحة لمواجهة العدمية القومية واستتباعاتها.. وهي خطوة طبيعية بسبب طبيعة انتماء الجماهير العربية، وهي خطوة إنسانية فشأن العرب في الداخل كشأن باقي شعوب وأمم الأرض وبالتالي فإن التواصل مع أمتهم هو حق إنساني، وهي خطوة أخلاقية لكونها وفاءاً للإنتماء القومي للجماهير العربية في الداخل، وهي خطوة ثقافية لكوننا ننتمي إلى الفضاء الثقافي العربي، وهي خطوة تضامنية لأن سورية هي التي تتعرض للعدوان، وإسرائيل هي الدولة المعتدية التي تحتل أراضيها..

يبدو أن الكثيرين في إسرائيل يعتقدون أنه لو سنت الكنيست قانوناً يقضي بمنع دوران الأرض حول الشمس، فإنه يتحتم ليّ عنق الحقائق الفيزيائية لتلائم القانون الجديد، وبالتالي على الأرض أن تتوقف عن الدوران.. أو لنقل أنه لو سنت الكنيست قانوناً يقضي بألا يعيش العربي أكثر من 50 عاماً، عندها يتوجب على العرب الانتحار قبل وصول السن الحرج لتجنب مخالفة القانون.. أو لنقل يعتقدون أنه لو سنت الكنيست قانوناً يقضي بشطب عروبة العربي، عندها يتوجب على العرب أن يبدلوا قوميتهم..


لا تشرق الشمس بقانون إسرائيلي ولا يسقط المطر بقانون يسن في الكنيست..
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018