الصواريخ الأميركية البالستية والغضب الروسي../ كامل وزنة*

هاجم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العالم الأحادي الذي يزعزع العلاقات الدولية وخاصة في مسألة انتشار التسلح النووي. واعتبر أن الاستخدام المفرط للقوة سيؤدي بالعالم الى نزاعات دائمة، وقد جاء ذلك خلال مؤتمر ميونيخ.

تأتي تصريحات بوتين بعدما كشف الرئيس بوش عن انسحاب بلاده من معاهدة الحد من الصواريخ العابرة للقارات التي وقّعت عام 1972، ما سمح لها بتطوير صواريخ ونشرها للحماية من كل الهجمات المحتملة. وكانت الولايات المتحدة قد بررت عملها بالقول إنه يأتي رداً على التهديدات التي قد تواجهها من إيران وكوريا الشمالية، في وقت أجاز فيه الكونغرس الأميركي بناء المنظومة الوطنية الدفاعية الكبرى التي توفر الحماية لجميع الأراضي الأميركية، وخصص لها مبلغ 78 مليار دولار، على أن يتم إنجازها عام 2012.

ومن المتوقع أن تمتلك هذه المنظومة القدرة على التصدّي لكل أنواع الصواريخ المعادية. لهذه الغاية دخلت الولايات المتحدة الأميركية في مفاوضات لبناء منظومة قواعد دفاعية في بولندا وتشيكيا، على أن يبدأ وضع عشرة صواريخ معترضة تستطيع تدمير صواريخ عابرة للقارات قد توجّه الى أميركا أو الى أوروبا. في المقابل، طالبت الحكومة البولندية تضمين هذه المنظومة صواريخ بي آي سي ــ 3 (باتريوت) وأنواع أخرى من الصواريخ المتطورة، لكن أميركا لم توافق على هذا الطلب حتى الآن.

واعتبرت روسيا ان الهدف الحقيقي من بناء هذه المنظومة الدفاعية هو الرغبة الأميركية في احتواء صواريخها الهجومية والحد من قدرتها النووية الاستراتيجية في أي حرب محتملة بينها وبين الولايات المتحدة، فموسكو أرادت أن تعرف بالتحديد ما الهدف من إنشاء هذه المنظومة، وما هو التهديد الذي تخشاه أميركا حتى تنشئها في أوروبا الشرقية، وخاصة في الجزء الشمالي منها الذي يقع على الحدود مع روسيا.

وقد حاولت روسيا في السابق من خلال معاهدة التخفيف من انتشار الأسلحة النووية التي وقّعها الرئيسان بوش وبوتين عام 2002، أن تأخذ تعهّداً واضحاً من الولايات المتحدة مفاده أن هذه الأخيرة ستحدد برنامج صواريخها الدفاعية فلا تهدد قوة روسيا الرادعة، لكن مسؤولين في البنتاغون رفضوا أن يُحدّد عدد الصواريخ وأرادوا أن يكون للولايات المتحدة الحق في خفض أو زيادة عدد الأسلحة النووية الهجومية والدفاعية حسب التغيّرات في الشؤون الدولية.

وطالبت روسيا بتعهدات واضحة تظهر أن برنامج الصواريخ الدفاعية الأميركية لن يوجّه ضدها، ولن يضعف أسلحتها النووية الرادعة، لكن الولايات المتحدة رفضت أن تعطي أي تعهدات أو التزامات تحدّ من قدرة صواريخها البالستية الدفاعية. ويعتقد الروس أن من الكارثي أن تستطيع الولايات المتحدة تعطيل إمكانية القدرة الصاروخية النووية الروسية. هذا ما دفع مسؤولين روس الى التهديد بالانسحاب من معاهدة الصواريخ المتوسطة المدى التي وقّعت عام 1987.

وقد أظهرت تصريحات بوتين في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية الغضب والامتعاض الروسيين من التوغل الأميركي في مناطق نفوذهم السابق في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وعلى الحدود مع جورجيا وأوكرانيا وبيلاروسيا.

وجاء حديث وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أمام اللجنة العسكرية في الكونغرس ليؤكد الدعوة الى زيادة الموازنة العسكرية حتى تتمكن المؤسسة العسكرية من خوض حرب واسعة. وأعلن غيتس أنه يمكن إضافة روسيا والصين كعدوين محتملين على اللائحة التي تضم إيران وكوريا الشمالية.

أضاف «إننا لا نعلم ما الذي سيطرأ في أماكن كروسيا والصين. إن الولايات المتحدة بحاجة الى قوة عسكرية خاصة لمحاربة الإرهابيين وبحاجة أيضاً الى قوة برية تستطيع أن تحارب جيوشاً عادية كبيرة إذا استوجبت الحاجة ذلك». هذه التصريحات دفعت وزير الخارجية الروسي الى التساؤل عن سبب هذه التقويمات السلبية التي يبديها الأميركيون تجاه روسيا، وعن مدى انعكاس هذه السلبية على السياسة الأميركية المعتمدة تجاهها.

وقد طالب مسؤولون أميركيون سابقون، وهم هنري كسنجر ووليام باري وسام نون، قبل شهر، إدارة بوش بإبقاء السلاح النووي خارج المعادلة الدولية والمصادقة على معاهدة عدم القيام بالتجارب النووية. فهل تستطيع روسيا وتصريحات بوتين أن تعيد العالم الى مرحلة التوازن الإقليمي والدولي؟ وهل تمتلك موسكو القوة الاقتصادية والعسكرية والجغرافية لتشّكل تحدياً للنفوذ الأميركي؟

من المعلوم أن الاقتصاد الروسي بدأ بالتحسن، حيث بلغ النمو الاقتصادي خلال السنوات السبع الأخيرة 6،6%، وانخفضت نسبة التضخم الى 9%. وأصبح التداول التجاري يفوق 331 مليار دولار، وزادت نسبة الصادرات لتصل الى 222 مليار دولار، تشكل الصادرات النفطية والغاز الطبيعي الجزء الأكبر منها، وبلغ الاحتياط في البنك المركزي 303 مليار دولار.

وقد اعتبر بوتين أن «القوة العسكرية هي ضمانة لتخفيف الرغبة في الضغط علينا، إن حكومتنا ستعمل على تقوية القوة النووية الرادعة والقوة العسكرية من دون تكرار أخطاء الحرب الباردة التي أدت الى امتصاص قدرات الاتحاد السوفياتي»، وذلك بحسب ما ذكرته صحيفة «واشنطن بوست».

أضاف أن روسيا ستبني غواصتين نوويتين حاملتين للصواريخ العابرة للقارات، وهي تعتبر الأولى من نوعها منذ نهاية الاتحاد السوفياتي، وأن القوة البرية ستمتلك صواريخ استراتيجية توضع في الخدمة في حال الحاجة إليها، وهي صواريخ متحركة تعرف بـ«توبول إم واحد»، ستمكّن روسيا من الحفاظ على قوتها الاستراتيجية من دون التأثير في نموها الاقتصادي.

وكانت إدارة بوش قد طلبت موازنة عسكرية كبيرة جداً، مثّلت رقماً قياسياً بلغ 628 مليار دولار لعام 2008، وذلك حسب تسريبات وسائل الإعلام الأميركية. يذكر أن هذه الموازنة لا تتضمن أي إلغاء لنظام أسلحة متطورة. في المقابل، خصصت روسيا أقل من 30 مليار دولار للتسلح لعام 2007.

من الواضح أن روسيا تريد أن تستعيد دورها وأمجادها على الساحة الدولية وأن تعيد برمجة دخولها الى الملفات الساخنة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأميركا اللاتينية.

إن أميركا لم تتعلم كيف تقف عند حدودها بعدما رضخت روسيا لها أيام الحرب الباردة وتخلّت عن أوروبا الشرقية وجدار برلين وعن ملفات الشرق الأوسط، بالإضافة الى مناطق أخرى في العالم. لقد عرفت روسيا جيداً أن الأميركي ليست لديه أي حدود يتوقف عندها، لدرجة أن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني طالب بتغيير النظام داخل روسيا.

وقد أساء صانعو السياسة الأميركية تقدير قدرة الشعب الروسي على استعادة أمجاده وعلى اكتساب مواقع نفوذ في عالم اليوم الذي يتململ من سياسة الولايات المتحدة الأحادية. لقد قرر الروس الدخول الى الشرق الأوسط من جديد للمنافسة في عقر الدار الأميركي، وهذه المرة تدخل روسيا سليلةً للديانة الأورثوذوكسية لا حاملة لواء «الإلحاد الشيوعي» الذي جعل الاتحاد السوفياتي خارج عتبة الخليج العربي لسنوات طوال.

قد يكون الكلام على حرب باردة جديدة مبالغ فيه، إلا أن الكلام على روسيا جديدة تسعى للمنافسة والدفاع عن مواقع نفوذها بشراسة، هو كلام واقعي وملموس. وسوف تظهر الأيام المقبلة أن فلاديمير بوتين خلع رداء العميل السابق للـ«ك. ج. ب.» ليلبس رداء القيصر الروسي معيداً به أمجاد إمبراطورية مترامية وعظيمة.


"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018