العالم مصاب بـ"مرض" المحافظين الجدد../ فيصل جلول

في العاشر من الشهر الجاري نشرت وسائل الإعلام الغربية تقريراً منسوباً للمفتشية العامة في وزارة الدفاع الأمريكية يقول إن مسؤولين في الوزارة لفقوا معلومات حول العراق تمهيدا لاحتلاله. قدم التقرير إلى لجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الأمريكي في التاسع من الشهر الجاري بناء على طلب السيناتور الديمقراطي كارل ليفين. يركز النص على دور دوغلاس فايث في تزويد وزارة الدفاع بتحليلات تؤكد وجود أسلحة دمار شامل في العراق استنادا إلى مصادر أحمد الجلبي وأعوانه، ناهيك عن إصرار فايث على وجود علاقة وثيقة بين الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وتنظيم القاعدة وذلك من أجل إقناع الرأي العام الأمريكي بأن العراق متحالف مع منفذي هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

الهيئة التي كانت تنشر هذا النوع من التقارير في وزارة الدفاع تم حلها في العام 2005 وتم الاستغناء عن خدمات فايث الذي يزاول اليوم مهنة التدريس في جامعة جورج تاون في واشنطن وكأنه لم يزور معلومات ولم يكتب تحليلات تحرض على اجتياح العراق.

قبل فايث كان العديد من زملائه في جماعة المحافظين الجدد يرددون أكاذيب مماثلة حول بلاد الرافدين وحول الشرق الأوسط وبعضهم استقال أو أقيل قبل فايث شأن ريتشارد بيرل أو المؤرخ الشهير برنارد لويس ناهيك عن بول وولفويتز الذي يحتل اليوم قمة البنك الدولي وأخيرا دونالد رامسفيلد العصا الغليظة للمحافظين الجدد.

اللافت في مصير هؤلاء أنهم تسببوا بكارثة للعراق ولبلادهم من دون أن يدفعوا ثمناً لأكاذيبهم التي كلفت وتكلف اليوم دماء عراقية غزيرة بل نجدهم يمضون أوقاتهم في وظائف ومناصب النخبة ولا يجدون حرجا في تبرير أفعالهم أمام الرأي العام في بلادهم. لكن من يسألهم ومن يحاسبهم طالما أن رب عملهم الرئيس بوش نفسه ما زال يعتقد بصواب جريمته العراقية وما زال يصر على “مواصلة المهمة” الكارثة، معتبراً أنها تمثل “المد الأكبر للحرية عبر التاريخ”، كما جاء في خطابه الوداعي لوزير دفاعه المستقيل.

في تعليق ساخر على خطاب المحافظين الجدد أكد رفيقهم السابق فرانسيس فوكوياما في مقابلة خاصة بجريدة “لوموند” الفرنسية في منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي أن هؤلاء “يعيشون في عالم آخر” وحذر من أنهم لا يكفون عن التفكير بشن حرب جديدة على إيران.

ويوافقه القول لوران زيشيني الصحافي الفرنسي المتخصص في المسائل الدفاعية إذ يخلص إلى أن مخاطر الحرب على إيران بنظر فريق بوش توازي مخاطر امتلاكها السلاح النووي، ما يعني وجوب شن حرب عليها. أما الأدلة فيمكن تدبرها بنفس الطريقة التي أدت إلى تدبير الأدلة العراقية، وآخر ما يتداوله فريق بوش في هذا الصدد أن طهران تزود المقاومة العراقية بالعتاد من جهة وتدير من جهة ثانية فرق الموت التي تطال جمهور المقاومة نفسها. بكلام آخر: تدعم إيران الحرب على الاحتلال وتدعم الحرب على المقاومة العراقية في الآن معا.

عندما ترتكب الدولة الأعظم في العالم جريمة بحجم الجريمة العراقية وعندما لا تعبأ هي نفسها بكشف الأكاذيب التي أدت إلى ارتكاب هذه الجريمة وعندما يعترف رئيس هذه الدولة من دون أن يرف له جفن بأن مشروعه العراقي فشل لكنه لا يريد استخلاص الدروس التي يمليها هذا الفشل وفي طليعتها الانسحاب من العراق، وعندما يفاخر ملفقو الأكاذيب بأن أكاذيبهم أدت إلى الحرب التي “أسقطت صدام حسين” فمن الطبيعي أن يخلفهم ملفقون جدد يلعبون دوراً في حرب جديدة وجريمة جديدة من دون حسيب أو رقيب.

لقد أصاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما حذر في خطابه الأخير في منتدى ميونيخ للأمن (11/2/2007) من خطر السياسة الخارجية الأمريكية على الأمن والسلام في العالم، مؤكدا أن أحدا لا يستطيع اليوم اللجوء إلى القانون الدولي لحماية نفسه بسبب التفرد الأمريكي السيئ في الشؤون الدولية.

عندما يصل الشعور بالخوف إلى دولة بحجم روسيا الاتحادية وعندما يعبر رئيس الدولة عن هذا الخوف في مؤتمر للأمن في دولة أوروبية أساسية من دون اعتراض يذكر من الحضور (باستثناء وزير خارجية تشيكيا) فمعنى ذلك أن بوتين يقول بصوت عال ما يفكر به معظم حلفاء واشنطن الأوروبيين بصوت منخفض وفي ذلك رسالة قوية إلى الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب في الولايات المتحدة لممارسة المزيد من الضغوط على البيت الأبيض حتى لا ينخرط في حماقة جديدة بداعي تجاوز حماقة سابقة.

في واحد من تعريفاتها العديدة تصنف الايديولوجيا كمسعى لطمس الواقع وتقديمه على غير حاله وعليه يصبح من السهل أن تقدم المأساة العراقية من طرف المحافظين الجدد ومن لف لفهم بوصفها انتصارا للديمقراطية والحرية والعدالة تماما كما كان البؤس في ألبانيا ايان الزعيم “المبجل” أنور خوجا يقدم بوصفه درة التقدم في مجتمع تسوده الإيديولوجيا الماركسية. هكذا قدم المحافظون الجدد ويقدم ما تبقى منهم الكارثة الأفظع في الألفية الثالثة بوصفها أثراً ديمقراطياً بارزاً في التاريخ من دون أن يكترثوا باعتراض العالم بأسره على خطابهم مثلهم في ذلك مثل أنور خوجا البائس مع فارق كبير أن ضرر هذا الأخير كان محصوراً ببلاده، في حين أن ضرر هؤلاء يطال العالم بأسره.

حقا أن العالم يعاني هذه الأيام من مرض إيديولوجي ينشره عن سابق تصور وتصميم محافظو أمريكا الجدد. لقد شخص الطبيب الروسي بوتين هذا المرض من دون أن يشخص العلاج. يبقى أن نكافحه نحن المعرضين للإصابة بالمزيد من المناعة والممانعة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018