العراق: بين مهمة بيكر ورسالة رامسفيلد والحل الفيتنامي/عبد اللطيف مهنا

يقول رجل مثل ريتشارد هاس، هذا الذي كان مديراً للتخطيط الاستراتيجي الأمريكي سابقاً، والذي ترأس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية: لقد "وصلت الحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط إلى نهايتها"...

مثل هذا الكلام يزداد مثيله ترداداً هذه الأيام في الولايات المتحدة... الارتباك الأمريكي الناجم عن الورطة العراقية المتفاقمة يزداد تمظهراً في الجدل الراهن للنخب الأمريكية المنقسمة حيال سبل الخروج منها. لعل أكثر ما يعكس ذلك هو التناقضات التي وقع فيها الرجل الذي تم اصطفاؤه منقذاً من هذه الورطة واختير حلالاً لتعقيداتها تعلق عليه الآمال دونما كثير من التفاؤل، ونعني وزير الخارجية السابق جيمس بيكر، الذي يترأس اليوم لجنة مستقلة مهمتها أن تقترح مخارجاً، أو البحث عن خيارات أو بدائل تقدمها كتوصيات لتعديل السياسات الأمريكية الخرقاء التي تسببت عنها هذه الورطة...

بيكر الذي لم تأخذ الإدارة البوشية بنصائحه العراقية سابقاً، والذي يقال على لسانه اليوم أن لجنتة قد استشارت ما لا يقل عن 150 خبيراً، حشر نفسه بين المنزلتين: الانسحاب من العراق، وتلمس السبل الممكنة للبقاء فيه، أو انجاح المشروع الأمريكي المتعثر هناك. بدا هذا التناقض جلياً في تعرضه للخيارات المتاحة، وفق ما تسرب، أو بالأحرى ما سرّب عن التقرير الذي تعده لجنته عن عمد ربما بغية دراسة ردود الفعل عليه...

يعتبر بيكر أن الانسحاب الأمريكي الآن من العراق يعني بالضرورة حرباً أهلية عراقية سوف تمتد للجوار الإقليمي، كما يؤكد في نفس الوقت معارضته لفكرة البقاء الأمريكي هناك. وهو إذ يرضي دعاة الفيدرالية من عراقيي الاحتلال بالكلام عن الفصل، أو ما يدعى بعراق الثلاثة أقاليم، والتي هي عملياً وصفة ناجعة للتقسيم، يرفض هذا التقسيم ويتحدث عن المناطق المختلطة، ووجوب إيجاد حكومة مركزية!

لجنة بيكر، أو ما يدعى "مجموعة دراسة العراق"، التي شكلها الكونغرس والمكونة من عشرة أعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري يوصفون بالشخصيات المرموقة، يقول أحد أعضائها لصحيفة "لوس أنجلس تايمز":
"إن النهج (الأمريكي) لن يستمر على ما هو عليه... الخلاصة هي أن السياسة الحالية غير ناضجة، ويجب أن تكون هناك طريقة أخرى"...
وربما عن هذه الطريقة الأخرى يقول رئيس اللجنة:
"إن تقريرنا سيتضمن على الأرجح بعض الأمور التي لن تعجب الإدارة"... لكن بيكر حلال المشاكل المنتدب يكشف عن حيرته عندما يعود ليقول: على بوش أن يحدّق في عيني ويقول لي: ماذا يريد في العراق؟!

في الإجابة على مثل هذا السؤال الحائر يكمن سر الورطة الأمريكية العراقية المتفاقمة. ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى تلميح أوردته صحيفة "نيويورك تايمز" على لسان كاتبها المعروف توماس فريدمان، حول اقتراب نهاية الورطة الأمريكية في العراق على الطريقة الفيتنامية. يرى فريدمان، الذي لا ينطق عادة عن هوى، بقدر ما توحي له بما يطرحه أو يسرّبه علاقته الخاصة بمراكز القرار الأمريكي، أن تطور وقائع الفعل المقاوم للاحتلال في العراق "هو المعادل الجهادي لهجوم تيت" في فيتنام... وإذا ما عدنا لما يريده بوش في العراق، لا بد من الإشارة أيضاً إلى تعقيبه على ما قاله فريدمان. قال الرئيس بوش معترفاً: "قد يكون (فريدمان) على حق"، لكنه، ومع ذلك، أي الرئيس الأمريكي، لا يتخيل انسحاباً من العراق قبل نهاية ولايته!

هذا الكلام الرئاسي، كان الأوضح فيما قاله الناطق باسم البيت الأبيض سنو معقباً على ارتفاع حصيلة الخسائر الأمريكية اليومية في العراق مادياً وبشرياً وبشكل تصاعدي ملحوظ في الأيام الأخيرة جراء اشتداد وتعاظم المقاومة للاحتلال واتساع ساحتها: إن ارتفاع حصيلة القتلى الأمريكيين لن تغير من سياسة الرئيس بوش في العراق... وأضاف:
"كلا... إن استراتيجيتة تقضي بالفوز... يجب أن نفوز وهذا هو الثمن"!

إذن، الرئيس، الذي لا يوافق أغلب الأمريكان هذه الأيام على سياسته في العراق، والذي هو على أبواب انتخابات تشريعية نصفية تقلق توقعاتها حزبه، لاسيما في ظل الجدل المحتدم حول سبل الخروج من تداعيات هذه السياسة، ووجوب تغيير الاستراتيجية الأمريكية في العراق، وصولاً إلى ضرورة التفاوض مع المقاومة... هذا الرئيس لا زال مصراً على الفوز؟!
وهذا الإصرار يتبدى، أو تبدى حتى الآن، في هول المحرقة التي ترتكبها جيوشه الغازية في العراق وما يوازي ذلك من النتائج الكارثية الأخرى المترتبة على الاحتلال... يتبدى في الاحصائيات الأمريكية، أو ما عرف بفضيحة "لانس" التي تقول بأن هذه المحرقة كان لها من الضحايا العراقيين حتى الآن 655 ألف ضحية، أو ما يعادل 5،2% من تعداد الشعب العراقي، بلغة أخرى ما يعادل سكان بعض الممالك العربية... طبعاً هذا لا ينسينا جريمة تدمير الدولة العراقية وهدم أسسها، ونهب ثروات البلد، والدفع باتجاه تأبيده في حرب أهلية، أين منها حكاية حرب داحس والغبراء المديدة، وذلك عبر بذر نبتة الفتنة الطائفية الشيطانية ورعايتها دستورياً وموالاة صبّ الزيت على نارها، في عمليات تقتيل متبادلة غامضة المرتكب ومشبوهة الأزمنة والأمكنة... اصطياد ضباط الجيش العراقي السابقين استباقياً، ربما لتحاشي دور لهم محتمل... ظاهرة الجثث المجهولة، التي بلغت أكثر من مائة جثة يومياً قي بغداد وحدها... فالتهجير، حيث ما يزيد على التسعة آلاف يجبرون على مغادرة بيوتهم يومياً.

هنا يمكن طرح السؤال التالي: ترى مالفرق بين ما ارتكبه بوش في بغداد وما فعله سابقه هولاكو فيها؟!
وزيادة... ماذا يعني عدم استبعاده لتقسيم العراق؟!
ماذا يعني قول قائد أركان القوات الأمريكية الجنرال بيتر شوميكر:
"نعتزم الاحتفاظ بالمستوى الراهن لعديد القوات الغازية (141 ألفاً) حتى عام 2010"؟!

وإذا ما أضفنا هذه التساولات إلى تصريحات رئيس عراق ما بعد الاحتلال جلال طالباني حول ضرورة إنشاء القواعد الأمريكية الدائمة في العراق، والإشارة إلى ما يقوله أحد مستشاري لجنة بيكر الإنقاذية، من أن بوادر الحرب الأهلية في العراق قد "بدأت ولا نستطيع معرفة ما إذا كنا قد تأخرنا لتجربة مسار آخر مختلف جذرياً" لمنع تطورها إلى حرب شاملة، ندرك أن المطروح على العراقيين اليوم، أو ما يمكن وصفه بالخيارات الأمريكية للخروج من الورطة العراقية، هو ما لا يزيد عن: الفدرالية، أي التقسيم، أو الحرب الأهلية، أو البقاء الأمريكي الدائم لتفادي الاثنتين!!!

على ضوء الواقع العراقي الراهن أو المحتمل، هل هذه الخيارات ممكنة، أو هل لها حظاً من التطبيق ؟!
ولنبدأ بالفدرالية المعادل الموضوعي للتقسيم، يقول سنو نفسه:
"لقد فكرنا في التقسيم... لكن قررنا لعدة أسباب أن هذا ليس قراراً حكيماً من أجل استقرار العراق والمنطقة... لأنه يقوض الحكومة، وأيضاً بحقن الارهابيين"!
كلام سنو لا يعني التخلي عن هذا الخيار وإنما هو ضرب من الاعتراف بصعوبته، لماذا؟!

سبق وأن قلنا في مقال سابق، أن الأفغان والعراقيين أوقفوا غزو المنطقة، عندما أسهمت مقاومتهم للاحتلال في تعثر مشروع الغزاة فيها. دقوا أسفينا في نعش الشرق الأوسطية، كشفوا زيف شعارات الدمقرطة المرفوعة يافطتها على ظهر الدبابات، دفعوا دعاتها للتخلي عنها واستبدالها بكلام عن محوري البناة والهدامين أو معسكر المعتدلين والمتطرفين...

واليوم هاهو سنو يعترف مواربةً بأن المقاومة العراقية جعلت خيار التقسيم تحت مظلة الفدرالية غير مضمون النجاح، أما البقاء الاحتلالي على الطريقة أو وفق الرغبة الطالبانية فأكثر تعسراً، لا سيما ونحن نشهد مدناً عراقية بكاملها يتجول فيها المقاومون في عز الظهيرة، وتحت عدسات الفضائيات... أو نأخذ بالحسبان رؤية فريدمان لنهاية الورطة العراقية، المشابهة لسابقتها الفيتنامية!

إذن، وعود على بدء، ما الحل لورطة يقول عنها بيكر، أو هذا المصطفى من الكونغرس لاجتراع توصيات تضفي إلى حلول منشودة، إنه "لا يوجد حل سحري للوضع في العراق، إنه أمر صعب جداً جداً"؟!!

إنه من الصعب تصور حلول من وجهة النظر الأمريكية تخضع لمنطق الأمور، لاسيما في ظل حال عجائبية يتناهش المنطق المغدور فيها ارتباك يستشري مرده جموح إمبراطوري يتعثر كونياً لفريق استباقي حوّل البيت الأبيض إلى غرفة قيادة لحرب كونية لا سابق لها يتلقى جنرالاتها المهووسون ببسط الهيمنة على الأرض الوحي المزعوم من السماء ويترجمونه دماراً وخراباً ودماءً ونهباً في أي بقعة يشاؤنها من العالم...

ولنضرب مثلاً:
في تصريح جديد، قال قائد الجيوش الأمريكية الجنرال بيتر بايس، ممتدحاً وزير الحرب رونالد رامسفيلد، أو أكثر الشخصيات في الإدارة بعد نائب الرئيس ديك تشيني رمزية وأهمية في فريقها:
إنه "يتحرك بإيحاء من الله... ويدير الأمور بالطريقة التي يقول له الله أنها الأفضل لبلادنا"، وهو "رجل تتخطى وطنيته وطاقته وإدارته بشكل كبير وطنية وطاقة وإدارة جميع الذين عرفتهم... إنه يجهد أكثر من أي شخص آخر في البنتاغون"!!!

وإذا ما عرفنا أن هذا الذي يتحرك بإيحاء مزعوم من الله قد وافق على خطة غير معلنة لاستدعاء جنود احتياط من المارينز، وارسال الوحدات التي سبق وأن خدمت في العراق مجدداً إلى هناك بدءاً من العام 2008، سوف نحكم سلفاً على مهمة بيكر بالفشل، هذا إذا ما قبلت توصياته أصلاً من الإدارة المصرة على الفوز، الأمر الذي يدعو إلى ترجيح رؤية فريدمان الفيتنامية كنهاية منطقية يزكيها الواقع العراقي المقاوم للإحتلال... الإحتلال من قبل قوة غاشمة سادرة في غيّها تتمثل في دولة ملتاثة إمبراطورياً، يقول شاهد من أهلها، هو مجموعة "كونسوريوم فوربيس"، إنها حرمت أعداداً كبيرة من العراقيين من "الحق في الحياة"!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018