العلاقة الإشكالية بين الديموقراطية والعلمانية../ كرم الحلو*

الخطاب السياسي العربي خطاب إشكالي سمته الرئيسة التباس الأسئلة والمفاهيم واستعادتها بصورة تكرارية تُبقيها ثقيلة ضاغطة على وعي النخب المثقفة العربية من جيل الى جيل. الا ان اشكالية الديموقراطية لا تزال الأكثر إرباكا على الساحة الثقافية العربية منذ الثمانينيات من القرن الماضي الى الآن، حتى ان جورج طرابيشي رأى في آخر مؤلفاته «هرطقات» 2006، ان إحدى أكثر الاشكاليات إلحاحا على الساحة الثقافية العربية اليوم، هي اشكالية الديموقراطية.

وفي رأينا ان الوجه الاشكالي للديموقراطية يتمثل في الأساس، في علاقتها بالعلمانية، وانتمائهما على السواء الى الفضاء الحداثي. لكن الخطاب السياسي العربي جهد في الغالب الى فك ارتباط بين الاثنين، طارحا الديموقراطية منزوعة من جذورها الفلسفية ومن مرتكزاتها التاريخية العلمانية الحداثية لتتحول الى آلية انتخابية عددية مفرغة من مضمونها الليبرالي الذي هو أصلها وجوهرها. إذ ان العلمانية كانت دائما موضع شبهة في الخطاب السياسي العربي الحديث والمعاصر جعلها ترادف التجديف والإلحاد والحكم بالردة الذي عقابه الموت أحيانا.

وقد دفع العديد من رجال الفكر العرب أثمانا باهظة لموقفهم العلماني منذ بدء النهضة العربية حتى اليوم. فأحمد فارس الشدياق نُبذ من طائفته وقضى حياته منفيا مشردا عن وطنه، وفرنسيس المراش تعرض للاتهام والتشهير من قبل الاكليروس بما هدده في حياته وسلامته، وجبرائيل دلال الحلبي سُجن وعذّب وقضى في السجن. وطه حسين وعباس محمود العقاد واسماعيل مظهر اضطروا للتراجع والانكفاء تحت التهديد او المحاكمة، وحسين مروة ومهدي عامل وفرج فوده اغتيلوا ومحمود محمد طه أُعدم شنقا.

هذا المأزق العلماني شكل أحد الملامح الناتئة للخطاب السياسي العربي في نهايات القرن الماضي، الملامح نفسها التي لا تزال تتردد بشكل مربك مطلع هذا القرن، فقد رأى محمد عماره في العلمانية «نتوءا شاذا نظرت إليه الأمة دائما باعتباره رمزا للخيانة الحضارية». واستغرب يوسف القرضاوي كبير فقهاء الإعلام العربي السائد اليوم، من كون حد «الردة» لم يطبق على العلمانيين. أما محمد عابد الجابري صاحب نظرية النقد الابستمولوجي للعقل العربي، فقد كرر في كتابه «في نقد الحاجة الى الاصلاح» ,2006 ما كان قد ذهب اليه في «الدين والدولة وتطبيق الشريعة»، ,1996 من ان الطرح العلماني طرح مزيف يجب استبعاده من الناموس التداولي للفكر العربي، كونه مرادفا للإلحاد، وتعويضه بشعاري الديموقراطية والعقلانية، لا سيما أن هذين الشعارين لا يستبعدان الدين الاسلامي.

وفي محاولة توفيقية تلفيقية رأى حسنين توفيق إبراهيم في «النظم السياسية العربية» 2005 ان قيم الحرية والمساواة والتسامح والقبول بالآخر، الأركان الاساسية للديموقراطية هي من صميم الاسلام، وتبعا لهذا يمكن تجزئة الديموقراطية، فتُقبل آلياتها التقنية الانتخابية، وإن «مستوردة من الغرب» وتُرفض مضامينها الفلسفية والايديولوجية المرتكزة في الأصل والجوهر على المواطنية والعلمانية وقدسية الفرد.

تمثل هذه المواقف نماذج للالتباس المفهومي في الخطاب السياسي العربي الراهن، إذ يعمل تصور ملتبس لمفهوم ما على إعادة تشكيل الشبكة المفهومية بالكامل تشكيلا ملتبسا تختلط فيه المعاني والتصورات وتضيع البوصلة الموجهة للرؤية الايديولوجية والفلسفية الكامنة في المفهوم ذاته، وما تنطوي عليه من مبادئ وأحكام واستنتاجات ملازمة. فهل صحيح ان الطرح العلماني طرح مزيف؟ وهل صحيح ان العلمانية مقرونة بالإلحاد ضرورة؟ وهل الديموقراطية متأصلة حقيقة في تاريخنا العربي والاسلامي ممثلة بالشورى؟

لا بد إزاء هذه التساؤلات ومن أجل فصل مقال في ما بين الديموقراطية والعلمانية من الاتصال، من الرجوع الى المفاهيم المؤسسة للديموقراطية، والتي تنتمي لزوما الى الفضاء الحداثي، اي مفاهيم الفرد، والعقد الاجتماعي، والمجتمع المدني وحقوق الانسان والمواطن، التي تكونت وتبلورت في الفكر العربي نتيجة تطورات جذرية وغير مسبوقة في التاريخ طاولت الإنسان وموقعه في الكون، والعقل الانساني وأوليته وحريته وحقه في النقد والرفض والمساءلة، والنظام السياسي وحدوده ومصدره، والسلطة وشرعيتها وعلاقتها بالفرد والمجتمع، اضافة الى التحولات الانقلابية في الأنماط الاقتصادية والتقنية والانتاجية والمعرفية، ما شكل عالما جديدا بكل أبعاده السياسية والاجتماعية والفكرية، عالما خرج معه الإنسان الغربي من ظلامية القرون الوسطى الى مجتمع الحداثة الذي يتناقض في مفهومه وجوهره مع مجتمع ما قبل الحداثة، مجتمع الرعاية والوصاية والطاعة والانقياد الى الغيب واللامعقول.

من هذا المجتمع الحديث بالذات خرجت الديموقراطية التي لا يمكن تحققها من دون العلمانية التي لا تعني بالضرورة الالحاد، وإنما الفصل بين الفضاءين الديني والسياسي، لكي يبقى لكل منهما خصوصيته ومجاله، ولأن الفضاء الديني مختلف أصلا وجوهرا وفلسفة وتوجها عن الفضاء السياسي بمعناه الحداثي. ففي الفضاء الديني مصدر الحكم والشرائع إلهي لا بشري، والفرد يتعين بانتمائه الديني لا الاجتماعي والمواطني، وحقوقه وواجباته لا تتحدد بعقد اجتماعي على أساس الحق الطبيعي، بل بنص منزل لا يقر بالمساواة التي تصر عليها الديموقراطية، ان بين الرجل والمرأة، او بين المؤمن وغير المؤمن، او حتى بين المؤمنين أنفسهم. من هنا ثمة تلازم لا يمكن قطعه البتة، بين الديموقراطية والعلمانية المؤسستين للدولة الحديثة التي لا يمكن قيامها من دونهما معا، إذ لا يمكن تصور دولة ديموقراطية مع التمييز بين المواطنين، أيا يكن شكله او سببه، فكيف في عالمنا العربي الممزق طائفيا ومذهبيا وإثنيا؟

من هذا المنظور بالذات تسقط كل الدعاوى والطروحات الانتقائية الاجتزائية التي تريد الأخذ بجانب من الحداثة دون الآخر، فتنزع من الديموقراطية نسغها الليبرالي، لتكيفها وفقا لتوجهاتها الايديولوجية ومن منطلق ذرائعي صرف.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018