العنصرية الصهيونية هي وليد شرعي للشوفينية القومية الأوروبية../ ظافر الخطيب*

يغلب مذهب (المؤامرة) في العقل العربي في التعامل مع الحركة الصهيونية، وهو مذهب مغلف غالبا بالفكرة الدينية، ومنطقه في ذلك يميل إلى التعميم، وهو ما يفقده القدرة على تحليل الواقع التاريخي والاستناد له في صياغة استراتيجية علمية وعملية واعية، وحيث أن التعميم تعمية ، فإن المذهب يولد معه سلوكاً تبسيطيا، وعليه تصبح الحركة الصهيونية هي عبارة عن مؤامرة كبيرة بحجم العالم كله، وعميقة بحجم ايغالها في التاريخ العالمي. ويكفي لذلك أن تحشد الجيوش حتى تسحق عن بكرة أبيها وتنتصر (نحن)، الفلسطينية، العربية، الاسلامية في مواجهة (هم) الصليبة، الماسونية، اليهودية.

إن قراءة التاريخ، لا تكون عبر فلفشة أوراقه، بل من خلال التعمق في معطياته التي يطرحها، و بناءً عليه يمكن ممارسة نقده بطريقة علمية توجد العلاقات بينها، فنخرج باستنتاجات تفيد في فهم الواقع كما كان لا كما نريد ان يكون.

شهد التاريخ العالمي العديد من الحركات السياسية، التي نشأت تحت وطأة او نتيجة ظروف وأوضاع معينة، وتعتبر الحركة الصهيونية، واحدة من أنجح الحركات السياسية التي نشأت في القرن التاسع عشر.

إن تناول نشأة الحركة الصهيونية لا يمكن أن تتم بمعزل عن تناول المسألة اليهودية، ودون التعرض للمسألة القومية في أوروبا وقيام الدول القومية، فالمنطق التاريخي يشي بحقيقة واحدة، هي أن الحركة الصهيونية، والأيديولوجية الصهيونية بكل ما فيها من أقكار و طموحات، إنما ولدت في رحم الحركة القومية الأوروبية، لذلك جاءت على شاكلتها، ومن ذات الطرق والوسائل التي اتبعتها في صياغة أطرها وأنماط عملها و ترجماتها الفعلية على أرض الواقع.

لقد أحدثت الثورة الفرنسية بأفكارها واحلامها، بمفاهيمها و طروحاتها زلزالاً حقيقياً في المشهد الأوروبي، وكان لهذا الزلزال أن يشهد ارتدادات تطال كل انحاء اوروبا والعالم اجمع، وكان من ابرز تجلياتها صعود الفكرة القومية وتبلور الدولة القومية. لذلك فإن " إنبثاق القومية اعتبرت في المجتمع الأوروبي كواحدة من اعظم التحولات "(1) .

بدءًا من هذا التاريخ ستبدأ الخارطة الجيوسياسية في أوروبا بالتبلور، لكنها ستحدث معها تمايزات ثقافية اجتماعية، ستؤدي في نتائجها الى انتشار الفكرة القومية في كل أنحاء اوروبا، ومعها سيحتضن التاريخ التجارب القيصرية في عملية الوحدة والتوحد على قاعدة اللغة الواحدة، في ألمانيا سيكرس بيسمارك التجربة، لتولد معها ألمانيا كدولة قومية قوية، وفي إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية.

غير أن المجتمعات الأوروبية كانت محكومة بعامل التنوع الاثني المستند الى تعدد القوميات في المساحة الجغرافية الواحدة، وهو تنوع ينتشر على كل مساحة أوروبا، فإذا كانت الدولة القومية تقوم على أساس سيادة قومية واحدة وممارستها لكافة حقوقها، فإنه من الطبيعي أن نكون أمام اشتباك بين مفهوم السيادة ومفهوم الأقليات. لذلك "صارت كل قومية تسعى الى الحصول على استقلاليتها الذاتية"(2) .

فوق ذلك، فقد كان انتشار الفكر القومي يؤدي الى التطرف باتجاه الغاء الآخر انطلاقاً من فكرة التمايز القومي، وهو ما كان يؤدي بدوره الى تناقض حاد بين جماهير البؤس والحرمان من جهة و البرجوازية المسيطرة على كل وسائل الانتاج، وفي حالات كان يتم تشويه هذا الصراع من خلال اللعب على وتر المشاعر العاطفية القومية، "ساهمت الحركات القومية الأوروبية في تعميق هذه الخلافات بتأكيدها على قومياتها الخاصة و بتسليطها الضوء على المجموعات اليهودية في أوروبا"(3) .

وتعتبر المسألة اليهودية واحدة من المسائل الحساسة التي خلقت جدالاً واسعا وما تزال، ويدخل في ذلك التناقض في المنطلق في معالجة هذه المسألة، ولما كانت فكرة مركزية الغرب في الثقافية العالمية، والنابعة من التفوق الغربي على مر عقود من الزمن، والقدرة على إنتاج العلوم والمعرفة، فإنها أصبح قاعدة في التحكم بالتعريفات الخاصة بالمفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها.

فاليهودية في التعريف الأصيل هي ديانة، وبالتالي فإن اليهودي هو المؤمن وفقاً للتعاليم الدينية اليهودية، أو أنه من عائلة يهودية، لكن التعريف الغربي هو غير ذلك، فهو يقدم الأقلية اليهودية في صورة شعب وديانة، وهو ما يتناقض مع أصل الفكرة القومية في أوروبا التي تستند الى الثقافة واللغة والعادات والتقاليد الواحدة التي تجمع جماعة من الناس. فكيف يمكن مثلا التصديق بمقولة أن اليهودي البولندي واليهودي الأثيوبي ينتميان الى شعب واحد هو (الشعب اليهودي).

ينطلق التعريف الغربي من ثلاث نقاط:

1. الأكثريات القومية حققت تمايزها في عملية تاريخية في إطار الدولة القومية في مقابل أقليات سعت لإثبات هويتها الذاتية كرد فعل على سلوك استبدادي قهري للاكثرية القومية، و طالما أن الأكثريات هي قومية ، فإن الأقليات هي كذلك.
2. الفكر اللاهوتي المسيحي الذي كان واحداً من أهم الأسس التي قامت عليها الثقافة الغربية، وهو فكر كان ينطلق من عدائية تاريخية بحكم الفكر الإلغائي الديني، وبناء عليه فإن الصراع ظل قائما بين الفكرين اللاهوتيين المسيحي و اليهودي.
3. سيطرة المثولوجيا الدينية القائمة على أساس الشتات اليهودي "الدياسبورا"، والتي تقدم تفسيراً مفاده أن اليهود المنتشرين في كل انحاء العالم إنما خرجوا منذ آلاف السنين من فلسطين وانتشروا في انحاء العالم ضمن تقدير إلهي.


وعلى ذلك فقد اتخذ الوجود اليهودي في أوروبا عدة مسارات تاريخية يتداخل فيها، اللاهوتي الديني، الاقتصادي، السياسي، الاجتماعي:
• اتسمت العلاقة المسيحية اليهودية منذ انتصار المسيحية و تبني الأمبراطور الروماني لها كدين رسمي للامبراطورية بالصراع القائم على اساس نفي كلاً منهما للاخر، وهو ما كان يأخذ طابعاً دمويا في العديد من الأحيان إلى أن استقر أثناء السيطرة الكنسية على التعامل مع اليهودي كمنبوذ. وهو ما كان يؤدي في صيروراته الى تواجد اليهود في مجتمعات خاصة بهم (الغيتو).

• تجلى البعد السياسي في تماهيه مع البعد اللاهوتي من حيث أن الأباطرة الرومان، وتالياً ملوك وإقطاعيي أوروبا كانوا في دائرة النفوذ اللاهوتي الكنسي، وعليه فقد عانى اليهود من حالة التهميش السياسي كفئة اجتماعية تعيش على هامش المجتمع. يمكن اعتبار خروج نخب مفكرة ومتعلمة من الوسط اليهودي و مساهمتها مساهمة بارزة في عصر الأنوار والثورة الفكرية والعملية كنوع من الرغبة في إثبات الذات والاعتراض على حالة التهميش.
• على الرغم من كل الاوضاع السابقة فقد استطاعت فئة من اليهود من مراكمة الثروات، فكان الكثير من اليهود يعملون كمرابين، بنكيين، سماسرة، تجار ذهب وفضة، ونتيجة الثورة الصناعية والحاجة لرساميل كبيرة فإنهم استطاعوا خلال فترة البروز كجزء من الطبقة الثرية صاحبة الرساميل الكبيرة.

و مع تصاعد المشاعر القومية واثارة الإحساس بالفخر القومي، بلغت القومية في أوروبا ذروتها، وهو ما كان يتعزز مع ازدياد حدة المخاطر و التهديدات القادمة من قوميات مجاورة والحروب التي كانت تحدث بين الدول القومية بحدودها الجديدة.

هذه المشاعر كان يعبر عنها من خلال ممارسات عنصرية شوفينية، تجاه الأقليات، ولأن القاعدة النيوتونية تشير الى أن لكل فعل رد فعل مواز، فقد جاء "الشعور القومي اليهودي، بحكم كونه متفرعا عن الاتجاه القومي العام في أوروبا "(4)، كنوع من رد الفعل التاريخي.

وقد بذلت محاولات في أوروبا للتعامل مع مسألة الاقليات، لذلك وجهت دعوة للأقليات واليهود منهم للاندماج والاستيعاب، للخروج من حالة الغيتو أولا، وقد أثارت الدعوة جدلاً النخب اليهودية، هذه النخب كانت تتكون أساسا من المفكرين والمثقفين، التجار وأصحاب رؤوس الأموال ورجال الدين من الحاخامات، وكان الرأي الغالب بينهم يتجه باتجاه القبول بفكرة الاستيعاب والاندماج في المجتمعات الاروربية، خاصة وأن القسم الأكبر منهم كان يعتبر ان الدمج قد تحقق.

بالمقابل كان هناك برز طرح آخر ينادي بإقامة دولة يهودية وكان هذا الطرح يستند الى:
• إن حالة العداء (اللاسامية) مستحكمة في المجتمات الأوروبية، وأن الشعب اليهودي (رد الفعل القومي)، قد عانى الكثير وأنه لا يمكن أن يستقر إلا في اطار دولة خاصة به.
• تبلور تيار أوروبي متطرف يتعامل مع الأقلية اليهودية بشكل شوفيني ويرى في الدولة المستقلة حلا للتخلص من اليهود.
• الرساميل اليهودية التي كانت ترى في توفر أرض ودولة فرصة لتحقيق طموحات الربح المالي.
• الفكر اللاهوتي على الجانبين المسيحي مع صعود البروتستانت واليهودي مع صعود المتطرفين من الحاخامات، ففي المستوى الأول كانت الفكرة تستند الى تفسير ديني للفكر المسيحي، يرى في إقامة دولة إسرائيل مقدمة لبعث المسيح، لذلك فإن السعي لإقامة "إسرائيل"، هو عمل أيماني من شأنه أن يعجل ببعث وعودة المسيح، وعلى الجهة الثانية، كان الحاخامات اليهودي ينظرون إليها من زاوية الوعد الالهي لليهود بانتهاء فترة الظلام والشتات و العودة الى أرض الميعاد.
• التقاء تيار التوسع والاستيطان الاوروبي والناشط بقوة في تلك المرحلة مع الفكرة انطلاقا من تحقيق مزيد من التوسع والاستيطان.

تصاعدت حدة التوتر بين القوميات السائدة والأقليات، وجد هذه التوتر تعبيره من خلال زيادة حدة الاستبداد والممارسات العنفية تجاه الأقليات وعلى وجه الخصوص تجاه الأقليات اليهودية. أسباب هذه التوتر تعود في جانب منها الى نمو عناصر الشوفينية القومية في المجتمعات الأوروبية، وهي فكرة كانت تقوم على التفوق العرقي، وتصاعد حدة الصراع الطبقي بين أكثريات فقيرة جائعة ومستعبدة، في مقابل أقليات غنية، وكان الأغنياء اليهود يشكلون جزءًا مهما من الرأسمال في أوروبا، وكان التعبير عن هذه الصراع في الحركات الفوضوية التي كانت توجه غضبها و سخطها باتجاه اليهود، وأخيراً مشاركة اليهود في الحركات الثورية الناقمة على النظام السائد كما كان الحال في روسيا و بولندا.

دخل هذه التوتر على خط النقاش و الجدل بين المؤيدين لفكرة الاستيعاب والاندماج وبين الرافضين له، وقامت بناءً عليه مجموعات يهودية عديدة ( أحباء صهيون)، التي نادت بتشجيع الهجرة الى فلسطين، باعتباره حلاً للمسالة اليهودية، وعملت على تنظيم وإرسال مهاجرين إليها.

توج ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية بكتابه (الدولة اليهودية) حركة النقاش والجدال بين الاوساط اليهودية، والذي اعتبر فيه أن الخلاص الوحيد "للشعب اليهودي" يكمن في إقامة دولة خاصة به، وأن الشعب اليهودي يمتلك من الخصائص والمميزات ما تمنع عليه الاندماج في المجتمعات الأوروبية، و يمتلك من المؤهلات والإمكانيات ما تؤهله لإقامة دولة خاصة به.

فكرة ثيودور هرتزل جاءت متأثرة كما تقول المراجع بمحاكمة درايفوس، الضابط اليهودي الفرنسي الذي اتهم بالعمالة لالمانيا في أثناء الحرب معها، و بناءً عليه حكم عليه بالاعدام، و قد اعتبر هرتزل أن المحاكمة كانت شوفينية و ان الحكم على درايفوس بسبب يهوديته و ليس بفعل اثبات التهم عليه.

كانت فكرة هرتزل تقوم على إقامة دولة قومية لليهود وهو ما يدل على تماهيه مع ما كان يحدث في أوروبا في تلك المرحلة، غير أن هذه الفكرة لم تحدد أين هي الدولة المفترضة، كان ذلك محل حوار بينه وبين البارزين من اليهود كما بينه و بين أوساط الاشتراكية الديمقراطية الاوروبية، وقد ظل هذا الأمر محل نقاش حتى فترة طويلة من صدور كتاب (الدولة اليهودية)، وهو ما يشير بدوره الى أن فكرة الدولة هي التي كانت تحتل الأولوية لا فكرة فلسطين.

عمل ثيودور هرتزل ومن معه فيما بعد على الترويج لفكرة المؤتمر اليهودي، وبالفعل ففي آب 1897 عقد في بال في سويسرا مؤتمر شارك فيه ممثلين عن المجموعات اليهودية في أوروبا، وعدد من المفكرين والأثرياء اليهود، وخرج هذا المؤتمر بإعلان بال الذي ينادي بإقامة الدولة اليهودية ولتحقيق هذه الفكرة تشكلت الحركة الصهيونية.

لا يمكن القفز عن الظروف التي رافقت نشأة الحركة الصهيونية، لأن ذلك من شأنه أن يقدم هذه الحركة كحركة تحرر وطني، كما جرى عليه التعريف الأوروبي السائد، بحيث يجري التعامل بصورة ملتبسة و مشوهة في أحيان كثيرة عن المعطيات التي رافقت هذه النشأة.

إن طغيان التفسير الأيديولوجي أو الآيديولجي المغلف بغلاف لاهوتي أو إنساني إنما يعني التعامي عن الأوضاع التي سادت والتي ساهمت في توليد الحركة الصهيونية، فصعود القوميات الأوربية على أساس أكثريات عرقية ساهم في إيجاد نزعة تتجه نحو إثبات الذات و الحفاظ على الهوية.

كما أن استعار الروح الشوفينية القومية في أوروبا، ساهم أيضا في توليد الحركة الصهيونية كحركة صهيونية تسنتد الى ايديولوجية قومية تروج لتفوقها ارتباطا بتفسير يهودي يرى في اليهود شعب الله المختار، ويرى في أرض الميعاد وعداً إلهيا لشعب الله المختار، وهو هنا وعد مستحق، وما على المستحقين بالوعد الآلهي إلا القبض على استحقاقهم بأي شكل من الأشكال، حتى وإن كان بإلغاء وتصفية أي عقبات أو عراقيل.
-Robert Clifford, Gohn C. Rice:"The Europeans".Gulford Press, New york 2004,p203.1
2 - سلمان قعفراني: "أزمة الإنتماء اليهودي".منشورات دار المناهل،بيروت 2005،ص40.
3 - اسعد عبد الرحمن::المنظمة الصهيونية العالمية ".منشورات مركز الابحاث في منظمة التحرير الفلسطينية ، بيروت 1967،ص11
4 - اسعد عبد الرحمن::المنظمة الصهيونية العالمية ".منشورات مركز الابحاث في منظمة التحرير الفلسطينية ، بيروت 1967،ص11

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية