الفراغ في الرأس.. / رشاد أبو شاور

في الطفولة البعيدة، تحديداً عام 56، التقى على شاطئ البحر الميّت، من جهة ( أريحا)، ألوف الرجال - لم تكن هناك نساء - في الأوّل من مايو / أيّار، ومنذ الصباح تدفقت سيّارات قادمة من الضفتين: الضفّة الفلسطينيّة ( الغربيّة)، والضفّة الشرقيّة (الأردنيّة)...
ارتفعت الهتافات، والتعييشات بحياة الطبقة العاملة، وبعيد الأوّل من أيّار.

آنذاك ما كنت أعرف ما هي (الطبقة العاملة)، وما كنت أعرف سوى عيدين هما: عيد الإفطار( رمضان)، وعيد الأضحى، وحتى عيد الشجرة لم أكن قد سمعت به بعد، ناهيك عن عيد الأم...
انعقدت حلقات الدبكة، ورقص ( الرفاق) - ترددت كلمة ( الرفاق) كثيراً في ذلك اليوم - وهتفوا للاتحاد السوفييتي الصديق...

لم تكن هناك نساء ليزغردن في ( عرس) الطبقة العاملة هذا - غريب مع إنهم كانوا شيوعيين!.. فيما بعد عرفت بأنهم كانوا يحافظون على الأعراف والتقاليد، ويراعون مشاعر الناس، حتى لا يتّهموا بالإباحيّة التي كانت تهمة رائجة ضدهم ! - وهذا ما اضطّر بعض الرفاق أن يعوّضوا غياب ( الرفيقات) فيزغردوا، رغم شواربهم الستالينيّة، نيابةً عنهنّ بطريقة شيوعّية رصينة إلى حّد ما، وللحّق أنها كانت زغاريد مرحة...

هتف الرفاق، وترددت الهتافات مغطيةً صوت تدافع أمواج البحر الميّت - هي بحيرة وليس بحراً - متجاوبةً في الفضاء،بين جبال القدس وجبال موآب: الفراغ في رأس ( آيزنهاور)...
فيما بعد عرفت أن (آيزنهاور) هو رئيس أميركا، وأنه يبشّر بمبدأ( ملء الفراغ !)...

آيزنهاور رفع شعاره هذا، بعد أفول زمن الاستعمارين القديمين المهترئين: البريطاني، والفرنسي، وخشية من دخول السوفييت ونفوذهم ( الشيوعي)، ولأن البلاد - بلادنا العربيّة - ستفرغ ( برأيه)، بعد رحيلهما، وتحتاج لمن يملأ فراغها، ومن تحتاجهم لهذه المهمّة ليسوا أهلها، بل أميركا !...

من احتفلوا بعيد الطبقة العاملة، رفعوا أصواتهم متحدّين ( آيزنهاور): الفراغ في رأس آيزنهاور...
بعد عملية الوهم المتبدد، و..اختطاف عدد من أعضاء المجلس التشريعي، ووزراء الحكومة المنتخبة ديمقراطيّاً، خرج علينا عضو مجلس تشريعي - لن أفرحه بذكر اسمه - بتصريح ذكّرني بمبدأ آيزنهاور: هناك فراغ، ويجب أن يملأه الرئيس بممارسته لصلاحيّاته !

الفراغ حصل برأيه بعد اختطاف 22 من أعضاء المجلس التشريعي و8 وزراء..والملء كيف يكون؟! بأن يمارس الرئيس صلاحياته.. مستعينا طبعاًً بالوزراء السابقين، وزراء السلطة القدامى، الذين لن يختطفهم جيش الاحتلال لأنهم ليسوا متطرّفين، ومع الشرعية الدولية، ويعترفون بـ( إسرائيل)...

لم يخطر ببال عضو المجلس التشريعي أن الاختطاف يمكن أن يطاله، لماذا؟! ولم يخطر ببال عضو المجلس التشريعي أن الاختطاف، والقصف، والتوغّل في قطاع غزّة، والعدوان اليومي على نابلس، واقتحامات رام الله..تستدعي الرّد عليها.. بالمقاومة!

ليس هذا التصريح زلّة لسان بالصوت والصورة على فضائيّة ( الجزيرة)، إنه ( رغبة) جامحة رعناء مستعجلة ( لاستعادة) الإمساك بسلطة لم تملأ في سنيّها العجاف، سوى جيوب من تسيّدوا على شعبنا، ببركات ( أوسلو)!

هنا لا بدّ من التذكير بدرس الجزائر. في الجزائر، اختطفت سلطات فرنسا ( طائرة) الحكومة الجزائرية المؤقتة: بن بيلاّ، بن خدّة، رابح بيطاط، محمّد خيضر، حسين آيت أحمد...يا للذاكرة !..ما زالوا في الذاكرة رغم بعد الزمن، هم، ومجد ثورة الجزائر الملهمة...
لكن السلطات الفرنسيّة انصاعت صاغرةً وفاوضت من اختطفتهم، وهم في أسرها، في مفاوضات ( إيفيان)، ليخرجوا من ( الأسر) والاختطاف.. قادة للجزائر الحرّة، وثورتها المنتصرة...

الشعب الجزائري، وثورته، وقفا خلف المخطوفين، وبصوت واحد قالوا لفرنسا: هؤلاء قادتنا، ولم يجرؤ صوت انتهازي أن يرتفع معلناً أن فراغاً قد حصل !...

شعبنا يقظ، وهو يعرف أن من يتحدّثون عن ( الفراغ) يضمرون سوءاً، فكأنهم كانوا بانتظار إفراغ المجلس التشريعي، والوزارة، بدبابات الاحتلال، بعد أن عجز الحصار، والعدوان المتواصل، ودوّيخة ( وثيقة الأسرى) عن ذلك!...

عملية الوهم المتبدد لها أفضال ما زالت تتوالى، ليس اقلّها انكشاف نوايا السلطويين القدامى، ومنها:

- تعيد ( حماس) حركة مقاومة بالكامل، بعد أن أدخلت قدمها في مباني السلطة، وتحررها من كّل الضغوطات، وتدخل أعداء وخصوم، والمتآمرين على الشعب الفلسطيني في ( ورطة) مفتوحة...

- أعادت قضيّة حريّة الأسرى لتوضع كبند أوّل للشعب الفلسطيني، بعد إشغال مفتعل بوثيقة الأسرى التي شقّت الشعب، ومزّقت وحدة الأسرى في معتقلاتهم.

- تحرّر وزراء الحكومة الفلسطينية من ارتداء البدلات وربطات العنق، والحقائب المليئة بملفات الفساد، ومطالب الحياة اليوميّة، والتي استهلكت وقتهم...

- أخرجت الوزراء وأعضاء المجلس التشريعي من بين الجدران، ونقلت بعضهم ليلتقوا بأخوتهم الأسرى في معتقلات العدو، ليواصلوا الحوار معهم هناك، مركّزين في وثيقتهم ( القادمة) على بنود: المقاومة، والوحدة الوطنيّة في الميدان...

- من لم يختطف عادوا إلى المخيمات، والحارات الشعبيّة، وزواريب المخيمات، رشيقي الحركات، بعد أن تخففوا من البدلات والقرافات التي اضطروا إلى لبسها كرمى لخاطر الشرعيّة الدولية، التي ألحّت على الانتخابات وصناديق الاقتراع، وبعد النتائج أرسلت لهم مباركاتها بقطع المال، والطعام، والدواء عقاباً للشعب الفلسطيني جميعه، وها هي تطّنّش على خطفهم..

- ولأن ( القوّة) حمقاء، فقد أهدت قوّات الاحتلال شعبنا، بالصورايخ حلاً، ووضعت الجميع أمام خيار وحيد: المقاومة...( أستثني) المتربصين، جماعة الفراغ...

- الآن لا يمكن للانتهازيين الذين استغلّوا وثيقة الأسرى أن يطالبوا حكومة المخطوفين، والمهددين بالقتل والاغتيال، والذين دمّر مبنى وزارتهم في غزّة ب(الرواتب)، وكأن الرواتب هي - على أهميتها - الهدف الاستراتيجي لنضالات شعبنا...

يقع في الخطأ القاتل من يظّن أن دبّابات، وصواريخ العدو، تمنحه ما حرمه منه صوت الشعب الفلسطيني في صناديق الاقتراع !...

الفراغ في رأس من يظّن بأن فراغاً حدث باختطاف بعض ممثلي شعب فلسطين، فشعبنا يملأ فراغ غياب وتغييب أمتنا بكاملها...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018