الفلسطينيون وموسوعة غينيس للأرقام القياسية!../ ناصر السهلي*

في الطريق التي تصل بين مدينة رام الله وبيت لحم ثمة مسافة يمكن قطعها بأقل وقت ممكن.. لولا أن الحواجز الثابتة، ومنها حاجز "الكونتينر" الذي يعد مصيدة لفصل شمال الضفة عن جنوبها، وغير الثابتة قبل الوصول إلى المستوطنات التي تلتهم الجغرافية.. طريق يمتد إلى الخليل عبر وادي النار..

كذا الأمر عند الخروج من بيرزيت باتجاه نابلس حيث لابد من رؤية أبراج لا تختلف عن مثيلاتها في كل مكان فيه هيمنة احتلالية..
ذات صباح، وبتوجهي إلى عملي بجامعة بيرزيت خروجا من رام الله، وصلت لأستمع من الزملاء والطلاب بأنه وبعد مروري تماما تم نصب حاجز في سردا.. وللذي لا يعرف سردا ( أو صردا كما يطلق عليها البعض)، فهي تلك المنطقة التي لا يفصلها عن رام الله شيئا من شارع الإرسال باتجاه بيرزيت والشمال حيث كنا نشاهد، في انتفاضة الأقصى، عبر شاشات التلفزة كيف كان على الفلسطينيين من المتوجهين إلى جامعتهم وأعملهم وربما بيوتهم وبقية المدن أن ينزلوا من الحافلات ويسروا مسافة قبل أن يستقلوا أخرى.. سردا ليست بعيدة جدا عن البالوع حيث الوزارات والمحاكم ومنزل عباس..

بالقرب من سردا منعطف نحو اليمين يؤدي بك صعودا نحو مخيم الجلزون.. مقابله امتداد لمستعمرة "بيت إيل" التي تبدأ إلى الغرب من رام الله وتستمر بالتمدد مقابل هذا المخيم الفلسطيني..

لا يختلف الأمر عن قلندية، أبراج وحاجز تحول إلى ما يشبه المعبر الدولي في منطقة "المطار" مقابل المخيم.. لا يختلف كثيرا عن معبر بيت لحم إلا بشدة العنف والتحقير والإذلال على يد مجندات وشركات أمنية لا ترى رام الله لا "عاصمة" سياسية ولا ثقافية ولا أي نوع مما يروج له.. أبواب دوارة تشبه تلك التي تستخدم كممر إجباري لقطيع قبل وصله المذبح.. الجدار ليس حدودا.. ففي شارع "القدس" باتجاه البيرة يمكن لمخيم الأمعري أن يُقتحم لحظة ما يشاء جنود الاحتلال.. وكذا المسجد الملاصق لمبنى البلدية..

لست في وارد سرد تفصيلي لمعنى حواجز الذل التي تحول حياة الفلسطينيين العاديين إلى جحيم حقيقي.. ولا تفاصيل "الزيارات" لجيبات الاحتلال واعتقال يومي لخمسة أو عشرة من الفلسطينيين من أي مكان.. ولا عن الفرق الشاسع بين طبيعة الشوارع والإنارة باتجاه المستوطنات ومثيلاتها الفلسطينية على أرض الفلسطينيين..

كمقدمة أردت أن أسرد كم تستحق هذه التفاصيل أن تدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية، التي ينشغل الفلسطينيون هذه الأيام بتسجيل وتحطيم أرقامها..

آخر ما يحاول الفلسطينيون تحطيمه في موسوعة غينيس يتمثل بأكبر كوفية.. بعد أن حاكوا أكبر علم وهو أمر مشروع.. وبعد أكبر ثوب مطرز.. وأكبر طبق كنافة نابلسية وصحن تبوله... وعلى الطريق طبق مسخن.. وهكذا دواليك في الجهد نحو غينيس..

قد أفهم هذا اللوثة التي أصابت البعض في التنافس على الأرقام القياسية في مواجهة سرقة الاحتلال حتى للمأكولات الفلسطينية ونسبها إليه تماما مثل تشويه الكوفية.. لكن، في الوقت الذي لم تكن فيه الكوفية الفلسطينية بحاجة لموسوعة غينيس لإثبات فلسطينيتها ورمزيتها عند شباب المعمورة للدلالة على التمرد والحرية فإن البعض السياسي الفلسطيني يستحق أن يدخل تلك الموسوعة من باب تخليه عن رمزية هذه الكوفية بعد أن قرر أن أهل مكة أدرى بشعابها..

وقد لا أفهمها حين أفكر بها كاستعاضة عن حالة الخيبة التي أصابت الحالة الفلسطينية بأيدي ساسة يرون في الأمر تنفيسا وانجازا سلطويا ليس إلا.. فالأحرى أن تكون غينيس سجلت على الفلسطينيين ما لا يعترف به بعضهم:

الشعب الوحيد الذي ما يزال يعاني الاحتلال ورغم ذلك يملك حكومتين بوزراء ورئيسا وحرس شرف.. والمكان الوحيد الذي يجري فيه هضم الأرض وتدمير وسرقة البيوت.. والمكان الوحيد الذي بُدلت فيه أحرف الثورة لتصير ثروة.. المكان الوحيد الذي يملك مسميات لفصائل وأحزاب تفوق عددهم المنتشر حول العالم.. وهو المكان الأكثر اكتظاظا بأجهزة الأمن والشرطة، نصيب المواطن فيها يفوق نصيب الصيني.. وهو المكان الأكثر على وجه المعمورة الذي تعمل فيه منظمات غير حكومية دولية دون مساءلة عن الهدف.. وهو المكان الوحيد الذي يختلف فيه الناس على الانتخابات قبل أن ينتهي من الاحتلال.. المكان الأكثر حيث تخردق فيه السلطة السياسية والأمنية العمل النقابي.. وآخرها نقابة الصحفيين محاصصة وتقاسما، حتى لو لم يكن للعضو علاقة بالصحافة..

التجربة الوحيدة التي يعلن فيها "قائد ثورة" كرهه الشديد للثورة.. المكان الوحيد والأكثر اكتظاظا بالقيادات، فلا تجد نسبة إلى عدد السكان ما يضاهي هذا العدد.. الثورة الوحيدة التي ترى أنه لا يهم أن تدخل في مفاوضات لعشرين عاما دون نتيجة مع استبعاد كل معاني الثورة... والثورة الأسرع في قطع علاقاتها بمؤيديها حول العالم لمصلحة " الاعتدال" والتفاوض..

موسوعة غينيس يمكن أن تسجل الكثير عن أكبر عدد من شجر الزيتون المحروق والمقطوع من جذوره.. وعن أكبر نسبة شعب دخل زنازين الاحتلال على مدى 40 عاما... وعن بقاء القائد وزعيم التنظيم في منصبه حتى الموت.. ويمكن لغينيس أن يسجل دخلوهم الكتاب بعدد الشهداء، وعدد الأسرى، وعدد الأنبياء، وعدد الشعراء والكتاب والعلماء..

وموسوعة غينيس يمكنها أن تضيف أن السياسة الفلسطينية هي الأكثر ليونة في التعاطي مع نصائح "الأصدقاء"، فيتم التنازل عن أي شرط تضعه على نفسها لمعاودة التفاوض لمجرد التفاوض.. والسياسة الأكثر انشغالا بفتح قنوات مع اليابان والسويد وإغلاقها مع أكثر من 60% من شعب الشتات.. واعتبار فلسطينيي الداخل شأنا إسرائيليا .. والسياسة الوحيدة التي تقول أن الأقصى مسؤولية عربية وإسلامية وبذات الوقت تتهم أطرافها بـ"العمالة لأجندات خارجية" إذا تم نسج علاقات مع دول عربية وإسلامية..

المكان الذي فيه سلطة سياسية لا تكترث إلا لمن تحت ولايتها... والأكثر طردا لمفكريها وأدبائها.. والأكثر جذبا للانتهازيين.. والسياسة الأكثر تناقضا بين ما يطرحه مستودع فصائلها فكريا وما تمارسه واقعا.. الشعب الوحيد الذي لديه بحران لا يمكنه أن يقترب منهما بحرية.. أكثر شعب له سفارات ومقابر شهداء منتشرة حول المعمورة.. الأكثر ممن ساهموا في بناء وقيادة مجتمعات وفشلوا في تحقيق دولتهم.. والأكثر من بين لاجئي الدنيا ممن صبروا على قيادات خذلتهم.. والأكثر ممن يحفظون تضاريس قراهم المدمرة.. ومفاتيح بيوتهم محفوظة!