الفلسطيني والبلغاريّات../ رشاد أبوشاور

أمّا الفلسطيني فهو الطبيب أشرف الحجوج، وأمّا البلغاريّات فهنّ الممرضات، والتهمة: حقن مئات الأطفال من مدينة بنغازي بفيروس الإيدز!

لماذا يحقن الطبيب الفلسطيني المولود في ليبيا ، المتعلّم في ليبيا، والممرضات البلغاريات، الأطفال الليبيين بفيروس الإيدز؟!
هل لحقد شخصي على أطفال ليبيا، أم تنفيذاً لمؤامرة ( أجنبيّة) تستهدف مستقبل ليبيا ممثّلاً بأطفالها؟
من هي الجهة التي يمكن أن تقترف هكذا فعل؟ أمريكا أم (إسرائيل)؟

الجماهيريّة الليبيّة وبعد التخلّي عن برنامجها النووي، وشحن الأجهزة والمعدّات إلى أمريكا، لم تعد في حالة اشتباك مع الإدارة الأمريكيّة، بل حظيت ببعض الثناء على سلوكها العقلاني الواقعي الحكيم.

لم توجّه تهمة للكيان الصهيوني بالوقوف وراء الجريمة، فهل لبلغاريا، أو للطبيب الفلسطيني أغراض خافية ، ولمصلحة من؟!

قضية الطبيب الفلسطيني، والممرضات البلغاريّات، استحوذت على اهتمامي منذ سمعت بها قبل حوالي ثماني سنوات، وأعترف أنني للوهلة الأولى لم أصدّق التهمة الموجهة للطبيب والممرضات بتعمّد زرق الأطفال بدم ملوّث بفيروس الإيدز، لا لأن الطبيب أشرف الحجوج فلسطيني، ولكن لأن التهمة ينطبق عليها المثل الشعبي القائل: كيف عرفت أنها كذبة؟ قال: من كبرها.. وهذه التهمة كبيرة، لأن الطبيب والممرضات لا مصلحة لهم في قتل أطفال ليبيين، فالحجوج ليبي الولادة والنشأة والتعليم، والممرضات البلغاريات تغرّبن عن بلدهن التماساً للمردود المّادي لقاء عملهن في المستشفيات الليبيّة.

أمّا السبب الجوهري لعدم تصديقي هذه الحكاية الملفقّة، فهو معرفتي بالفوضى التي تتسبب بها ( اللجان الشعبيّة ) في غياب المؤسسات، وتفشّي سياسة الارتجال التي تتيح لكّل جاهل، ومتلاعب فاسد، أن يتخطّى كل الأعراف والقوانين خدمة لمصلحته الأنانيّة، ووصوليته، وانتهازيته، وهذا يحدث في أي مكان في العالم إذا لم تتوفّر المؤسسات، والرقابة، وسيادة القانون، وحريّة الصحافة، وقدرة الشعب على المعرفة والتدخّل دون خوف لحماية نفسه، وحقوقه، وممتلكاته العّامة.

أوّد أن أسأل الجهات المعنيّة في ( الجماهيريّة) : لماذا يوجد في ( الأردن) البلد الفقير، الذي بلا ثروات، طّب متطوّر، ومستشفيات ربحيّة للقطاع الخاص، تتمتّع بسمعة عالية أساسها الأطبّاء الأكفاء المشهود لهم، والإدارة الجيّدة المعنيّة بتطوير عملها في مواجهة التنافس مع غيرها، مّما يشجّع عرب دول الخليج ، واليمن _ وهي خليجيّة_ ومناطق السلطة الفلسطينيّة، على الاطمئنان للعلاج في الأردن، وبما في ذلك المواطنون الليبيون.. ولا توجد مستشفيات، ولا مؤسسات طبيّة متطوّرة في ليبيا الثريّة ، رغم مضي أكثر من 37 سنة على ثورة الفاتح ؟!

ما تسمّى باللجان الشعبيّة تنتخب من بينها أشخاصاً يديرون المؤسسات، ومنها المستشفيات، وقد يتّم انتخاب ( فرّاش)، أو أي شخص متواضع التعليم والمعرفة ليكون مديراً مشرفاً مقرّراً.. ولكم أن تتصوّروا كيف ستسير الأمور بعدئذ!

لقد سمعت كثيراً عن استيراد أجهزة طبيّة متطورّة ، ولكنها تنسى أو تتناسى، عمداً، أولامبالاة، في المستودعات إلى أن تصدأ، وقد يتّم التعاقد على غيرها، وهكذا تبدّد الأموال، وتتحوّل المستشفيات إلى أبنية مهجورة ، بدون كفاءات طبيّة وإداريّة، وبدون تجهيزات، ومختبرات، وهذا ما يسهّل إرسال المرضى الليبيين للعلاج في ( مصر) و( الأردن)، فتأملّوا وتساءلوا عن المستفيدين من تعطيل تطوّر المؤسسة الطبيّة، وتعثّر نهوض القطاع الصحي!.

أشرف الحجوج والممرضات البلغاريات هم ضحايا الفساد، ومن تسببوا بإهمالهم في هذه الفاجعة، جعلوا من أشرف والممرضات كبش فداء، للتغطية على إهمالهم وفسادهم.
لو كان أشرف الحجوج والممرضات البلغاريّات أمريكيين ، أو إنكليزاً، أكانوا يبقون في السجن كّل هذه السنوات، يتعرّضون للتعذيب، والامتهان لكرامتهم وآدميتهم؟!

لقد وصلتني رسالة من المحامية دارين الحجوج، شقيقة أشرف، المقيمة في هولندا، والمولودة في ليبيا، والرسالة مفعمة بالأسى، والمعلومات المخيفة عن أساليب وصنوف التعذيب التي مورست على أشرف تحديداً كونه الطبيب، وأنا لا أستبعد أبداً أن يكون ما سردته دارين في رسالتها قد مورس مع أشرف، ففي بلاد العرب، دون استثناء، اعتدنا على تصديق كّل ما نسمعه عن تعذيب من يقع في أيدي الجلاوزة بحجّة (حماية النظام)!.

تكتب دارين أنهم ساوموا أشرف بأن يعترف بأنه تسبب والممرضات بإصابة أطفال بنغازي بالإيدز، حتى تتم تهدئة خواطر ذوي الأطفال والرأي العام في مدينة بنغازي، مع وعد بالإفراج عنه بعدئذ!.

الممرضات البلغاريات يدعمهنّ عدد من المحامين الذين وكّلتهم المجموعة الأوربيّة ، بينما محامو أشرف وهم ليبيّون انسحب منهم ثلاثة لعدم حصولهم على (أجورهم)، ولم يواصل الدفاع عن أشرف سوى المحامي السيّد التهامي التومي، وهو ليبي، وأسرة أشرف وقد نضبت ممتلكاتها عجزت عن دفع أتعاب المحامين، والمحامي السيّد التهامي لم يحصل سوى على 3000 دولار منذ بدأ المشاركة في الدفاع عن أشرف عام 1999، ومع ذلك فهو تحمّل الكثير من منطلق التعاطف مع هذا الطبيب الفلسطيني التعس الحّظ، والذي وقع في براثن ( جهات) لا تعرف الرحمة.

بلغاريا لم تعد بلداً تابعاً للاتحاد السوفييتي ، بلغاريا حاليّاً جزء من أوربة، وهي مستقوية بأوربة تملك القدرة على خلق متاعب لليبيا هي في غنى عنها.لقد بدأ تشكيل لجان شعبيّة للدفاع عن الممرضات البلغاريات، وثمّة توجّه لرفع دعاوى قضائيّة دوليّة ضد ليبيا بتهمة تعذيب الممرضات، والحبل على الجرّار...

هذه القضيّة لمصلحة ليبيا أن تنتهي، وربطها بقضيّة السجين الليبي ( المقراحي) المتّهم بتفجير طائرة لوكربي، أحسب أنه غير مجد...

مشكلة ليبيا _ وهي مشكلة عربيّة مزمنة_ وضع الشخص غير المناسب في الموقع غير المناسب له، لينجم عن هذه المعادلة وضع غير مناسب: فوضى وفساد، وسيادة النفاق والتزلّف والمراوغة والرشوة.

للبلغاريّات بلد يتابع قضيتهن، ورأي عام يتشكّل خلفهن ويتصاعد يوماً بعد يوم، وأهل سمح لهم أخيراً بزيارتهن، وليس لأشرف الحجوج الفلسطيني غير الله، فلا توجد جهة فلسطينيّة توكّل له المحامين، وتتابع قضيته، وتطمئن على معاملته كبشر، وتدعمه معنويّا وماديّاً وإعلاميّاً لتبقى قضيّته حيّة إلى أن يفرج عنهً.

الطبيب الفلسطيني، والممرضات البلغاريّات، هم ضحايا، رهائن مستضعفون، ولا يكفي أن يفرج عنهم، ولكن لا بدّ من الاعتذار لهم رسميّاً، والتعويض عليهم ماديّاً يما يكفيهم لدفع تكاليف العلاجات البدنيّة والنفسيّة، التي سيحتاجونها لسنوات، حتّى يتمكنوا من استعادة التوازن النفسي، والرغبة في الحياة، بعد سنوات معاناتهم الجحيميّة في سجون لا رقابة عليها، ولا قوانين تحكمها.

لم أشأ نقل فقرات من رسالة دارين الحجوج عن التعذيب، لأن ما ورد في الرسالة مروّع، فقط أشير بدون تفاصيل إلى ما روته عمّا تفعله الكلاب المدرّبة ، على فعل ما لا يخطر على بال بشر مع الطبيب الفلسطيني الشاب!..

لو شئت التشهير بالجماهيريّة لنشرت شهادات بعض الفلسطينيين الذين رمتهم اللجان الشعبيّة بعد اتفاق أوسلو على الحدود الليبيّة المصريّة، ليواجهوا البرد، والجوع، والأمراض، والوحوش، والأفاعي والعقارب، ولينتهي الأمر ببعضهم بأمراض نفسيّة، وبخّاصة من كانوا أطفالاً آنذاك، ومنهم من يتعالج نفسيّاً وعصبيّاً حتى يومنا هذا، ومنهم الشّاب( محمّد) الذي يعمل في مكتبة متواضعة في المنطقة التي أقيم فيها، براتب بالكاد يسّد نفقات علاجه!

ترى : ألا تضعنا قضيّة أشرف الحجوج أمام واجب وطني، يفترض أن يدفعنا لتشكيل لجنة، أو أكثر، يكون مقرّها بلد أوربي، للدفاع عن أي الفلسطيني فرداً أو جماعة، في حال التعرّض للظلم، بحيث لا يستفرد به، ويعتدى عليه، وتسلب حقوقه، ويبتّز.. على اعتبار أنه بلا ظهر، فلا ( السلطة) ولا التنظيمات الفلسطينيّة تدافع عنه، لأنها محكومة بحساباتها الفئويّة الضيّقة.

الطبيب والممرضات قدّموا استئنافاً قبل أيّام للحكم الصادر سابقاً والذي أدانهم...
هذه القضيّة يمكن أن تحّل عن طريق مؤسسة القذّافي الخيريّة بتخريجة إنسانيّة، بما يحفظ ماء الوجه للسلطات الليبيّة، خّاصةً وهي لا تكلّف شيئاً إذا ما قورنت بخسائر الجماهيريّة التي ابتزّت بها وبلغت مئات ملايين الدولارات لتسوية قضيّة (لوكربي) !...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018