القتل والتدمير الإسرائيلي إلى أين؟/ عبد الكريم الحشاش*

منذ مدّة طويلة وإسرائيل ممعنة في القتل والاغتيالات، سواء في قطاع غزّة أو في الضفة الغربيّة، وبعد توقّف إطلاق النار في جنوب لبنان، فالحكومة الإسرائيليّة باتت بحاجة ملحّة إلى سفك المزيد من دماء الفلسطينيين، خصوصاً إذا كان هذا السفك لا يكلّفهم خسائر بشريّة، لتعيد هذه الحكومة لنفسها التوازن والاعتبار من قبل شعبها، والهيبة من قبل جيرانها القريبين وأصدقائها البعيدين. وحجّتها اليوم قويّة في القتل والتدمير والحصار كي لا يتحوّل قطاع غزة إلى جنوب لبنان جديد، يمتلك مقاتلوه صواريخ الكاتيوشا والقذائف المضادّة للدروع، حيث يكون بإمكانهم تغطية مساحات أوسع في النقب ووسط فلسطين. مستغلّة في ذلك التعاطف القسري معها الذي حظيت به أثناء قتالها عبر الحدود الشمالية، بأوامر أمريكيّة، حتّى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، لم يثر في المشهد عواطفه الجيّاشة سوى الأسرى الإسرائيليين الثلاثة، فيزور عائلاتهم متضامناً متعاطفاً، ويطالب بإطلاق سراحهم فوراً، أما ما قتل من عرب فلسطين ولبنان وما اختطف أو أسر وما دمّر وما تقوم به إسرائيل من حصار على الفلسطينيين واللبنانيين، وما توقعه القنابل العنقوديّة والألغام والأشراك الخداعيّة التي نصبها الإسرائيليون في بيوت اللبنانيين الجنوبيين، وما تحدثه من خسائر بشريّة، فهذه الأشياء وسواها لا تثير أيّ انتباه أو تعاطف من قبل أحد لا من الغرب ولا من العُرب!.

وبالنسبة لاستعار القتل في الطرف الفلسطيني، وسقوط عشرات القتلى والجرحى يوميّاً، وتدمير المساكن فهذا لا يقابل بأيّ ردّ، فالحكومة الفلسطينيّة ومؤسسة الرئاسة عاجزتان تماماً عن الردّ، بلّ إنّنا نسمع من رئيس السلطة استنكاراً وشجباً لأي محاولة للردّ حتّى لو كانت ليست ذات قيمة، وحكومة حماس ترى أن تكظم الجراح لأنّها تطمح في أن تنظر لها الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربيّة بأنّها تشجب الإرهاب، لتحظى بالسكوت عنها على الأقلّ، وتنعم بالقبول الدولي، والغريب أنّنا نسمع الاسطوانة القديمة الجديدة من أعضاء السلطة الفلسطينيّة وكأنّهم يعيشون في عالم آخر، هذه الاسطوانة التي تقول إنّها تناضل من أجل دولة فلسطينية مستقلّة وعاصمتها القدس! وحبذا لو أنّهم يوضّحون لنا ما هي وسائلهم في النضال وما مدى جدواها في تحقيق ما يصبون إليه، وقمّة ما تسعى إليه مؤسّسة الرئاسة هو تشكيل حكومة وحدة وطنيّة، ولنفترض أنّ الشعب الفلسطيني بأسره دخل الحكومة الفلسطينيّة العتيدة، هل هذا سيوقف القتل والتدمير الذي تقوم به إسرائيل؟ أو يوقف اعتقال أعضاء المجلس التشريعي والوزراء؟

لقد كانت هناك حكومة ليس فيها حماس، بل كانت حكومة تحظى بالرضا الإسرائيلي والمباركة الأمريكيّة، ولم تغنِ شيئاً، وكان القتل والتدمير والاعتقال والجدار والمستعمرات، ولم تستطع الحكومة أن تحول دون أن تفعل إسرائيل فعلها، فالمشكلة ليست في الحكومة ولا في أفرادها ولا في صلاحيّاتها. وما معنى إثارة مقولة الفلتان الأمنيّ في هذه الأثناء سوى أنّ السلطة تسعى لتكبيل كلّ الأيادي ليسهل على إسرائيل الذبح! والفلتان الإسرائيلي ليس له من لاجم، فالمهمّ بالنسبة لإسرائيل الأمن الإسرائيلي، أمّا بالنسبة لغيرها من الأغيار: ففخّار يكسّر بعضه، وحركة المقاومة الفلسطينيّة في قطاع غزّة ليس بمقدورها أن تردّ على الاعتداءات الإسرائيليّة اليوميّة في الوقت الراهن على الأقلّ، حتّى الصواريخ المحليّة الصنع التي تطلق أحياناً على المستعمرات القريبة من قطاع غزّة فليس لها تأثير رادع، بل عدم وجودها أفضل، والأولى أن تفكّر المقاومة بوسيلة أنجع، ولا يمكن مقارنتها بصواريخ حزب الله في شمال فلسطين المحتلّة التي كان لها فعلها الرادع.

والغريب أنّ أشقّاءنا الفلسطينيين يصوّرون الصواريخ قبل وأثناء انطلاقها، غير عابئين بمعرفة المكان من قبل رصد العدو، وكأنّنا في استعراض أو احتفال، ونحن تابعنا مسار الحرب الصاروخيّة التي قام بها حزب الله على مدار أكثر من شهر، ولم نر صورة واحدة لمكان صاروخ أو مقاوم، والملاحظ أنّ أذرع المقاومة في الضفّة الغربيّة مرتبكة، وليس لديها التنسيق الكامل ولا التجهيز الملائم للمقاومة، ونرى بين الفينة والأخرى توغّلاً إسرائيليّاً يخلّف القتلى والجرحى ونسف البيوت، حتّى العمليّات الاستشهاديّة التي كان يُردّ بها في الوقت المناسب على تمادي إسرائيل في قتلها وتدميرها لم يعد لها ذكر.

أمّا بالنسبة للأنظمة العربية فلا يرجى منها أدنى خير في الزمن المنظور على أحسن تفاؤل، والكلّ ملتزم بتنفيذ التعليمات الإسرائيليّة والأمريكيّة بدقّة، ويحافظ على حدوده سالمة من التسلل، ويضغط على المتديّنين والمحتجّين، ويعاقب كلّ من يردّد الحوقلة، وغير مسموح لأحد أن يترحّم على من قتلته إسرائيل أو الأمريكان، هذه الأنظمة تسمح للإسرائيليين أن يسرحوا ويمرحوا، في الوقت الذي تضيّق فيه الخناق على الفلسطينيين، وتحكم الحصار عليهم.

كما أنّ الفصائل الفلسطينيّة في الخارج غدت مشلولة تماماً، انفضّ عنها أفرادها، وانشغل قادتها في المزارع والتجارة والاستجمام والمشاركة في الأفراح والأتراح والاحتفال في المناسبات، ولا يريدون أن يسيئوا لمضيفيهم ويسبّبوا لأنفسهم المتاعب، ولا ينتظر أن يتحمّس زعيم أو وزير ويهبّ لنجدة الفلسطينيين الذين يذبحون ويصرخون صباح مساء، وحبذا لوّ أنّ أحداً يحدد نقطة إن تجاوزتها إسرائيل فإنّه سيثار حنقه فقط بله حميّته! والعالم الإسلامي لا نسمع له صوتاً باستثناء الرئيس الإيراني نجاد الذي حذّر إسرائيل من عواقب تماديها في أعمالها الفظيعة.

ما تريده إسرائيل بالضبط، هو أن تقتل وتدمّر وتحاصر وتجوّع وتهجّر، وتستولي على الأراضي، وتفرض واقعاً جديداً، ولها الحقّ حتّى لو قتلت أطفالاً أو نساء أو شيوخاً، فربّما يخرج من أصلاب هؤلاء من يفكّر بالمقاومة ولو بعد حين.

إنّ هذا المشهد الذي يسرّ قادة إسرائيل اليوم، ولا يخجل قادة العرب، ومرأى القوات الدوليّة التي تهرع إلى الجنوب اللبناني لتشكّل لإسرائيل حزام أمان من الشمال، والتي تغذّ الخطى لتهبط في دارفور، ولا أحد يطالب بحماية الفلسطينيين، وكأنّ دمهم مباح، هذه القوّات التي تعيث قتلاً وتدميراً في أفغانستان والعراق، فإن كانت هذه القوى الغاشمة لا تخشى الدول، ولا تحسب للأنظمة حساباً، فعليها أن تعلم بأنّ الظلم مرتعه وخيم، وأنّ لدى الشعوب مخزوناً هائلاً من القدرة على المقاومة، ولن تهنأ إسرائيل لا هي ولا حلفاؤها ولا مذعوروها بالنصر المؤزّر الدائم، وكل منطقة تماس مع إسرائيل يمكن أن تتحوّل في لحظة ما إلى جنوب لبنان، وبحالة أمثل وأكثر تطوّراً، وهذا التمادي في إزهاق الأرواح وتدمير البيوت وتجريف المزارع وإرهاب المخلوقات وتجويعهم، لن يكون مصير أهل فلسطين إلى الأبد، ويشكّل احتقاناً يوميّاً، سينبعث جرّاءه زلزالاً مروّعاً، وكلّما بدا الليل أكثر حلكة وسواداً فإنّ الفجر يوشك على البزوغ، والمشهد العربي اليوم يبدو مريحاً لقادة إسرائيل، كما كان غداة تصريح بلفور، إذ ليس هناك وضع عربي أسوأ ممّا هو عليه اليوم، وليس هناك انحطاط أخلاقي دون ذلك، لا بالنسبة لليهود ولا المتهوّدين والمتصهينين، ولكنّ قليل العقل يرى ما يرى، والحكيم يرى ما ورا، ومن سرّه زمن ساءته أزمان، كيف لإسرائيل أن تعيش بهذا البطش والتنكيل في محيط يغلي كالمرجل، وكلّ يوم يتفاقم الوضع أكثر، فقد تنهار دول وتتلاشى، وأول ما هو مرشّح للانهيار السلطة الفلسطينيّة، وستظهر معطيات جديدة..

والملاحظ أنّ الجماهير أقدر على مقارعة المحتلّ من الأنظمة، فالأنظمة تستمرئ الجلوس على الكرسي، والتشبّث به، وتكتفي بالمكاسب الشخصيّة، وتوطّن نفسها على تحمّل العناء الكثير في سبيل التمسك بالحكم، فالراصد للوضع في العراق وأفغانستان، وما هو عليه بالفعل مسار المقاومة الآخذ في التنامي والصعود، مع بروز تجربة حزب الله المقاومة في جنوب لبنان وما أحدثته من مقاومة باسلة مؤثّرة، رغم مكابرة أولمرت وارتباك بوش، ومحاولته رفع شعبيّته الآخذة في التدنيّ، وربّما الانسحاب الأمريكي الوشيك من العراق والتحالف من أفغانستان، والتماحك مع إيران بشأن برنامجها النووي، سيحدث خلخلة في المنطقة لا يمكن تصوّر نتائجها، وستأتي على الأخضر واليابس، وسيندم الكثيرون ولات ساعة ندم، وبالفعل نحن أمام تشكّل شرق أوسط جديد، ولكن ليس بمقياس إسرائيل وكونداليزا رايس! هذه المرّة.


**عضو اتحاد الكتاب العرب

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018