القتل وحضارة العصر../ د. سليم الحص

تقيس الدولة العظمى انتصاراتها في العراق بعدد القتلى الذين يسقطون على يد قواتها. تباهي بأنها صرعت عدداً معيّناً ممن تسميهم العصاة أو المتمرّدين أو الخارجين على القانون. قد تكون هذه سنّة الحروب. ما الحرب إلا صدام بين طرفين يحاول كلاهما إبادة الآخر. فالإحصاء اليومي للقتلى يؤخذ مؤشّراً إلى التقدّم نحو الغرض المنشود.

هذه سنّة الحروب، على فظاعتها. ولكن المؤلم حقاً أن من سنّة الحروب أيضاً أن الغاية تبرر الوسيلة. فكي تقتل قوات الدولة العظمى واحداً أو اثنين أو ثلاثة من المسلّحين أو المقاتلين من خصومها، فتسجّل انتصارها بمقتلهم، فإنها لا تتورّع عن نسف بيوت وقصف أحياء والإغارة على مناطق آهلة، فتقتل من تشاء أن تقتل ولا يهمّ من يسقط من ضحايا بين الآمنين الأبرياء والعزّل. وكثيراً ما لا يرد عدد هؤلاء الضحايا حتى في الإحصاء اليومي للقتلى. كأنما قتل المستهدفين يبرر قتل أي كان، ويسمّى ذلك خسائر مفروضة ما كان بالإمكان تفاديها. هذا من باب تجميل مقولة إن الغاية تبرر الوسيلة.

والانموذج الصارخ عن هذا الإجرام المشرّع اللجوء إلى أسلحة الدمار الشامل. كان من ذلك إلقاء قنبلتين ذريتين فوق مدينتي هيروشيما وناكازاكي في اليابان. فكانت إبادة شعب المدينتين، من دون تمييز بين مسلّح وأعزل أو بين شيخ وطفل وامرأة، بدعوى استعجال إنهاء الحرب العالمية. فإذا حصدت العملية أبرياء آمنين فهذا أمر مؤسف ولكن يجب ألا يحول دون تحقيق الهدف. فالغاية تبرر الوسيلة.

وإذا كانت جرائم الإبادة وحشية، وبالتالي إرهابية، بطبيعتها، فإن الدولة العظمى ارتكبت أبشع عملية إرهاب في التاريخ عند إلقائها قنبلتين نوويتين فوق مدينتين في اليابان. لا بل إن أية دولة من دول العالم تمتلك أسلحة نووية اليوم هي فعلياً دولة إرهابية، لمجرّد أنها ما كانت لتحتفظ بمخزون من هذه الأسلحة لو لم يكن في تصميمها استخدامها في لحظة من اللحظات مستقبلاً. إنما الأعمال بالنيات.

قُتل أبو مصعب الزرقاوي في بغداد، فما بكاه أحد. فهو قاتل محترف، لا يتورّع عن قتل أي مخلوق، وما كانت تعوزه المبررات. وأخطر ما كان من إجرامه ما كان يرتكب من أعمال القتل في خدمة مشروع الفتنة المذهبية في العراق، إذ لم يتورّع عن قتل الأبرياء على الهوية المذهبية، بل تمادى في هذا الفجور. وكان في ذلك يتقاطع مع مأرب أمريكي “إسرائيلي”، وهو إثارة الفتنة المذهبية في العراق منطلقاً لتفجيرها في المنطقة العربية بأسرها، في إطار التوجّه الأمريكي “الإسرائيلي” إلى تعميم الفوضى التي تسمّى بنّاءة أو خلاّقة سبيلاً لتنفيذ المشروع المرتجى وهو إقامة الشرق الأوسط الكبير.

قيل إن قتل الزرقاوي ترافق مع قتل عدد من الآمنين الأبرياء في المحيط، وكان بينهم طفلة. هؤلاء لا يكادون يظهرون حتى في الإحصاء المعلن. لا بأس. فالغاية تبرر الوسيلة.

أليس هذا ما تفعله دولة العدوان “اسرائيل” بوتيرة شبه يومية في فلسطين. كان آخر فظاعاتها على هذا الصعيد قصف السلاح البحري “الإسرائيلي” شواطئ غزّة، فسقط عشرات الضحايا بين قتلى وجرحى من المتنزّهين على الشاطئ، وكان بينهم عدد من الأطفال وكانوا كلهم من الأبرياء العزّل. فجاء على لسان ناطق “إسرائيلي” أن في الأمر خطأ تقرر التحقيق فيه. هذا يكفي، بمنطق الغاية تبرر الوسيلة، للتغطية على الجريمة النكراء. وهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. فالعنف الآثم الذي تمارسه “إسرائيل” لا يسمّى إرهاباً إيّاً تكن حصيلته، إذ يأتي بمنطق الغاية تبرر الوسيلة، دفاعاً عن النفس ولو على أرض الغير، على أرض تغتصبها الدولة العبرية. وقد جاء على لسان ناطق رسمي أمريكي تعليقاً على المجزرة: “إن من حق “إسرائيل” أن تدافع عن نفسها” ياللصفاقة.

وكان القتلى مجرد إحصاء يومي لعمليات القتل الجماعي التي حفلت بها الحرب اللبنانية القذرة على امتداد خسمة عشر عاماً. تعرضتُ شخصياً لمحاولة اغتيال بتفجير سيارة فقتل أربعة وجرح نحو ستة وعشرين آخرين. ولكن هؤلاء لا يُذكَرون بكلمة، وقتلهم ليس داعياً للتحقيق الذي لم يسجّل أي تقدّم منذ أكثر من عشرين سنة مع العلم أن المسؤولين عن الجريمة معروفون بالأسماء. وكان مسلسل أمني في لبنان خلال الآونة الأخيرة أودى بحياة رموز كبيرة من أركان السياسة والفكر والعلم، وكانت الجريمة التي أودت بحياة الرئيس رفيق الحريري. والتحقيق جارٍ على المستوى الدولي في هذه الجريمة، والتي أحدثت زلزالاً في لبنان والمنطقة برمّتها، ولكن التحقيق قلّما يذكر عشرات من الضحايا، كانوا من حصاد تلك الجريمة الفظيعة.

نحن نرى في اغتصاب “إسرائيل” للأرض الفلسطينية جريمة تاريخية ستبقى وصمة عار في جبين القوى المتحكمة بمسار الأمور في العصر الحديث على الصعيد العالمي، وفي مقدّمها الدولة العظمى أمريكا. ولكننا مع ذلك لا نرضى بقتل طفل يهودي. فالطفل يبقى بريئاً إلى أن يشبّ ويحمل السلاح. فقتل الأطفال من الجرائم المنكرة في حق الإنسانية. ونحن نربأ بالمقاومة العربية أن تبيح لنفسها قتل بريء يهودي في أي ظرف من الظروف. فالغاية لا تبرر الوسيلة في قاموسنا، وكان قتل بعض الأبرياء من اليهود في عمليات تفجير عشوائية حجة للآخرين لوصم مقاومتنا العربية الشريفة بالإرهاب. هذا مع العلم أن مطلقي وصمة الإرهاب على المقاومة العربية يشهد تاريخهم أنهم من أفظع الإرهابيين في العالم. إنهم يمارسون الإبادة بأبشع صورها، ولكن القتل الذي يرتكبونه، خلافاً للقتل الذي يرتكبه عرب، هو قتل حضاري، بمعنى أنه يندرج في إطار مسعى لتحقيق أهداف أسمى، كالسلام والاستقرار في زعمهم، والغاية تبرر الوسيلة.

غايتهم تبرر الوسيلة، أما غاية العرب فلا مسوّغ لها: أن يمارس العنف فلسطيني أو لبناني أو عراقي، ولو من أجل التحرير، تحرير الأرض من الاحتلال وتحرير الإنسان من ربقة العبودية، فهو إرهابي. وإن مارس العنف “إسرائيلي”، ولو على أرض يغتصبها، فهذا دفاع عن النفس، مشروع ومبرر. وإذا مارس الأمريكي العنف في أفغانستان أو العراق أو في معتقلاته، فهذا من أجل القيم الحضارية وتحديداً الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. إن أضحى الرياء والنفاق والإجرام من القيم الحضارية، فسلام على الحضارة. قيمة الإنسان، وبالتالي القيم الإنسانية، هي لبّ الحضارة والقيم الحضارية. والإنسان في عصرنا الحديث مهدد: في حياته كما في كرامته. ولقد كان من العبر التي استخلصناها من تجاربنا في لبنان أن أي جهد يبذل، لا يصب في خدمة رفعة الإنسان في وطنه، هو جهد مُهدر. أسعدُ الناس من أسعدَ الناس.

عندما نتحدّث عن الإنسان محوراً للقيم الحضارية إنما نقصد الفرد في حياته وكرامته معاً. إنني من الذين يعتبرون القتل جريمة لا تُغتفر، لمجرّد أنها لا تُعوّض. فأنت إن أخطأت في قتل إنسان، فلا سبيل أمامك لتصحيح خطئك أو تعويضه. وفي مفهومنا أن قاتل القاتل هو أيضاً قاتل. لذا نرفض عقوبة الإعدام.

ولكن قيمة الإنسان ليست في حياته فحسب، بل هي أيضاً، ومن باب أولى، في كرامته. الكرامة تعني الشيء الكثير: إنها تعني عزة النفس. لذا فالإهانة والإذلال هما من سبل الاعتداء على كرامة الغير. ولكن كرامة المواطن مرتبطة أيضاً في تمتعه بحقوق بديهية للإنسان في وطنه، ومنها الحرية: حرية الرأي تفكيراً أو تعبيراً، وحرية التحرّك سياسياً واجتماعياً وثقافياً، وحرية المعتقد دينياً وفلسفة ونهج حياة. وكرامة الإنسان مرتبطة أيضاً بحقه في عيش كريم. لذا فإن من صلب العمل على صون كرامة الإنسان مكافحة الفساد بأشكاله كافّة ومحاربة البطالة وبالتالي تأمين سبل العيش الكريم للمواطن وعائلته. فالفساد من شأنه إذلال المواطن، وزجّه في ممارسات لن يكون ضميره مرتاحاً لها، ووخز الضمير في منظورنا أقسى ما يمكن أن يواجه المرء من عذاب. أما البطالة فتحرم الإنسان من أبسط مقومات العيش الكريم. إنها من أسباب الفقر، والفقر ذل وشقاء، وكلاهما يتنافى وكرامة المواطن.

من هنا القول إن السلام والتنمية من أعظم الحصون الحضارية، وكلاهما مفتقد في العصر الحديث. منطقتنا العربية لم تعرف السلام منذ أمد طويل. وحالة الحرب أضحت نمط حياتنا ما دام العدوان الصهيوني يطوقنا، معززاً بدعم أعمى مطلق من قوى دولية ترفع زوراً وبهتاناً شعارات الحرية والديمقراطية وسائر حقوق الإنسان. والتنمية، في وجوهها الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية، متعثّرة، ومثقلة بأعباء ورزايا الاستعمار والسطوة والاستغلال التي تحكم السياسة الدولية، كما بأعباء وتكاليف الحرب الباهظة، الدولية منها والإقليمية والأهلية.

حضارة العصر تفتقر إلى أبسط مقومات الحضارة الإنسانية ما دام القتل يشكّل ظاهرة شرعية في السياسة الدولية في كنف النظام العالمي السائد.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018