القمة العربية في سرت وبعض «مقرراتها» في بيروت! ../ طلال سلمان

هزلت... حتى باتت الكلمات خارج معانيها.
ماذا تعني القمة العربية، مثلاً، للرعايا الذين كانوا ـ في زمن مضى ـ يستبشرون بتلاقي ملوكهم والرؤساء والسلاطين والأمراء فيأملون أو يتوقعون قرارات تبدل الأمر الواقع المفروض بقوة الاحتلال الإسرائيلي أو الهيمنة الأميركية... كأن يتوافق أهل القمة على مواجهة بالحد الأدنى، أو نجدة بالحد الأقصى لشعب فلسطين مثلاً، تحفظ كرامة شهدائه وجهاده في سبيل التحرر والتحرير مما فيه لكل عربي نصيب...

لكن الواقع أن كل قمة عربية تزيد من حجم اليأس، ليس فقط من النظام العربي وأهله مجتمعين، بل من الإنسان العربي، وتدفعه إلى الشعور بالضآلة وامتهان هويته، وإلى التهوين من شأن أرضه، والقضايا التي كانت تعطي لحياته المعنى، ليغرق في لجة القنوط من الذات، أو الاندفاع إلى أقصى التطرف أصولية بحيث ينحرف برصاصه عن عدوه إلى أهله، وتصير الكارثة اغتيال المستقبل بذريعة الهرب من الواقع!

وها أن قمة جديدة قد انعقدت بنقص فاضح في نصابها، ثم انفضت وقد حققت بحسب وصف أهل النظام العربي «نجاحاً باهراً»... بينما حركات الانفصال وتشطير بعض الكيانات العربية جارية على قدم وساق، ومعها التشطير والتفتيت، مصفحة الآن بالديموقراطية وحقوق الإنسان وإنصاف الأقليات وحماية العناصر والطوائف والمذاهب، داخل الدولة الواحدة، وحتى بين أبناء القبيلة الواحدة.

المشهد واحد تقريباً، مع اختلافات بسيطة في الفولكلور: كل دولة تختصر برجل واحد، فإن غاب غابت مهما كان عديد الوفد القادم منها ومراتب أعضائه.

في القمة الأخيرة في سرت، بليبيا، وتحت رئاسة العقيد معمر القذافي، كانت الفضيحة مدوية: غاب النصف أو أكثر من أصحاب القرار... فتم تعطيل القرار، عربياً، ليبقى القرار في يد إسرائيل والإدارة الأميركية، سواء بالنسبة لفلسطين جميعاً، أو للقدس التي تذوب أمام عيوننا المفتوحة على الفراغ. وبالمصادفة، صدرت «القرارات التاريخية» للقمة بينما إسرائيل تحجر على الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلة، ليتسنى لمواطني دولة يهود العالم أن يستمتعوا بعطلتهم السنوية مع الفصح اليهودي... بعدما أذلوا ويذلون كل فلسطيني يقصد المسجد الأقصى للصلاة.

هذا على المستوى العربي، عموماً، أما على المستوى المحلي خصوصاً فقد تزامن مع انعقاد القمة حدث لبناني بالغ الدلالة: إذ جرت محاكمة علنية «للدولة» المشطرة دولاً. بعد أن أعيد الاعتبار إلى تنظيمات مدانة بالتعامل مع إسرائيل، وفي جرائم اغتيالات مشهودة، استغرقت محاكمات «أبطالها»، المخططين منهم والمنفذين، سنوات، ورافع فيها دفاعاً وادعاءً كبار المحامين، وأصدر أحكامها بعض أكبر القضاة وأكثرهم نزاهة في لبنان.

في «المحاكمة» الجديدة المنقولة على الهواء مباشرة بأفضال أهل الشهامة العربية، أجلست «الدولة» بكل رموزها، التشريعية والحكومية والقضائية والأمنية، في قفص الاتهام ليحاسبها من أدانه قضاؤها علناً، وفي حكم وجاهي، قضى في بعض حيثياته بحل التنظيم المتهم والمدان.

ولأن الرعايا في لبنان يعيشون بذاكرتهم التي تحفظ مسلسل مآسيهم الممتدة لثلاثة عقود من الحروب الأهلية التي «تورطت» فيها دول كثيرة، فإنهم ما زالوا يتذكرون بعض أبطال الوطنية في بلدهم الصغير ممن أودت بهم الاغتيالات المشهودة، جواً (كما الرئيس الراحل رشيد كرامي) أو في منازلهم (كالمرحوم داني شمعون) أو أمام بيوتهم (كالعقيد خليل كنعان)، فضلاً عن آلاف الضحايا في الحروب على السلطة حتى داخل الطائفة ذاتها.

كذلك فإن هؤلاء الرعايا ما زالوا يتذكرون بعض مآثر «قائد» التنظيم الذي تمّ حله، ومنها تورط بعضه في مجازر صبرا وشاتيلا، واندفاع بعضه في مساندة الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 و»صعوده» إلى الجبل مما تسبّب في مجازر عدة كما في تهجير ألوف ألوف المسيحيين منه، وهو إنما ادعى أنه ذهب إليهم ليحميهم (ممّن؟)!

المهم، أن قائد معظم تلك «الإنجازات المشهودة» قد وقف، بالأمس، ليحتفل بذكرى «حل» تنظيمه، وكأنه «عيد وطني»، مستعرضاً أمام البعض من ضحاياه أو أبنائهم أو أشقائهم تحوله إلى موقعه المقرّر في «الدولة» الجديدة التي لما تصبح «واحدة».

كان في القاعة «المعارة» الكثير من ممثلي «الدولة» الأخرى، التي هو شريك فيها، بالرئاسات والمؤسسات التشريعية والحكومية، المدنية والعسكرية، وكثير من الممثلين الذين احترفوا فتمكنوا من أن يكونوا رجال كل «العهود»: الفلسطيني، والسوري، السعودي والخليجي، والأميركي دائماً، فضلاً عن الفرنسي والبريطاني، وربما الإسرائيلي مموّهاً.

وحين وقف «القائد» الذي أدين بجرائم عدة، كان يعرف أن الفلك قد دار دورة كاملة، فانقلب المُلك بالملك، وأنه ـ شخصياً ـ قد صار فوق «الدولة»، وأن عليه أن يرد الجميل، فيدين من حكموه فأدانوه ليستطيع أن يبرئ من برأوه..
لكن خطأً شكلياً حصل: فالإدانات قد طاولت رموزاً في «الدولة الجديدة» فأحرجتهم حتى أخرجتهم من دون أن يخرجوا، بحكم اللياقة التي فرضت بقاءهم «بصفة شخصية»!

ولأنه فوق «الدولة» فقد بات بإمكانه أن ينتحل صفة المدعي العام في المحكمة الدولية في قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي كان في الحكم حين حوكم هذا «القائد» وأدين وسجن بموجب الإدانة...

وهكذا قرّر هذا «القائد» أن يوجه الاتهامات لمن يستخصم، وأن يدين سلفاً ـ وهو المدان ـ وقبل المحاكمة، كل من يراهم عقبة أمامه نحو استكمال انقلابه... في الطريق إلى «دولته»، معززاً بدعم عربي مذهّب، لا يفيد كثيراً في طمس الصفحة الإسرائيلية.

طالما أنه «القاضي» الآن، فليصدر أحكامه قاطعة: بعض الكلام التافه عن فلسطين، كتمهيد لا بد منه قبل أن يتصدر منصة المحكمة الدولية ليشير بأصابع الاتهام إلى المجاهدين الذين انتصروا فنصروا الوطن بدمائهم وباحتضان شعبهم وأمتهم على العدو الإسرائيلي الذي «رعاه» لسنوات، وأمدّه بالسلاح والمال، قبل أن تجيئه النجدة من النشامى العرب، سريعة ومجزية ومباشرة بغير وسيط، وتفوق ما يطلبه.

في أوضاع عربية كهذه تصير «القمة» خبراً ثانوياً إلا بفضائحيته، من الطبيعي أن تندفع إسرائيل في طموحاتها التوسعية إلى الحد الأقصى، فتقرر حكومتها أن «البناء في القدس مثله مثل البناء في تل أبيب»، ويواجه رئيس حكومتها الرئيس الأميركي الأسمر الذي اشترى منه العرب أوهاماً، في قلب بلاده، بل وفي قلب إدارته، فيهزمه بقوة «الدعم» العربي الذي يلقاه عبر التخلي عن فلسطين... وهو دعم يتجلى بالسفارات ومكاتب التمثيل الإسرائيلي في العديد من «الدول» العربية، وفي انتشار رجال المخابرات الإسرائيلية في معظم الأرجاء العربية، وفي إمداد إسرائيل بالغاز والنفط العربي إلخ...

ومن الطبيعي أن «ينهض» من كانوا مدانين بالتعامل معها، وأن يتصدوا للاحتفال بانتصارهم، فيصفق لهم بعض من كانوا ضحاياهم المحتملين، وصاروا من بعد «حلفاءهم إلى الأبد» في الحرب الجديدة على المقاومة ومجاهديها الأبرار... ولا بأس من بعض الكلمات العاطفية عن فلسطين... في انتظار قرع جرس الانصراف للشعوب، المهددة الآن بالتمزيق طوائف ومذاهب وعناصر، في أعظم خدمة يمكن أن تقدم للعدو الإسرائيلي.

ولو أن القمة «عربية»، ولو أن أهل النظام العربي يمثلون شعوبهم حقاً، لما كنا على هذه الحال نتنقل بين هزيمة وأخرى، تاركين لبعض حلفاء العدو أن يحتفلوا بانتصارهم على الأمة جميعاً، وقد أثقلتهم سبل الدعم العربية بالذهب ونصّبتهم زعماء... للحرب الأهلية المقبلة!