المحور في الأصل وفي الطبعة الجديدة../ نسيم ضاهر*

لكل حقبة محمولها من القضايا، تتغير عناوينها بتبدل أطرافها وأبطالها. عفوياً، تنساب الى متن النصوص والخطب مصطلحات لغوية تعكس الخصائص المفهومية او السمات، وتندرج لازمات يألفها الجمهور ويدخلها قاموسه اليومي. هكذا، سكنت التدابير الاشتراكية والاصلاحات الزراعية السجال السياسي، وارتدى ذكر كلمة الوحدة او التأميم صبغة وردية بمفعول خلاصي واستنهاضي في آن.

في مجال التسميات، ركنت الأدبيات السياسية الى نقل وتعريب الوافد من مصطلحات، دون تدقيق في الأصل، واستخدمت مرادفات تقريبية. فمن الشرق الأدنى الى الشرق الأوسط ودول الطوق والهلال، ارتسمت مجموعة استعارات، غير مصانة المعالم، واكبها تداول «بلدي» بالأحلاف ومعاهدات الصداقة (حسب التعريف الرائج ايام الاتحاد السوفياتي) والمظلات، وابتكارات من قماشة الوحدة الاندماجية ووحدة المسار والمصير، ومقولة الشعب الواحد في بلدين. اليوم، حطّ المحور رحاله، واحتل الواجهة، مما يستدعي ايضاحاً لمدلوله ومصدره.

اطلق وصف المحور اساساً، بالمعنى المجازي، على التكاتف الفاشي في الحرب العالمية الثانية، أريد منه بيان النزعة العدوانية التوسعية، واجتماع المانيا النازية مع مآرب موسوليني الامبراطورية، واندفاعة الطغمة العسكرية في اليابان للسيطرة على شرق آسيا، اي التوجه الموحد للانظمة ذات الطابع الحديدي نحو إلحاق دول وشعوب في مدارها قسراً. بعدئذ، اودعت التسمية مخلفات التاريخ، الى ان أعاد التقاطها مؤخرا منظرو المحافظين الجدد، وانتاجها بصيغة محور الشر بين الدول المارقة، فتلقفتها ادارة بوش، وجعلت منها عنوان حلقة الدول الخارجة على القانون الدولي ـ في عرف الولايات المتحدة ـ. مع العلم بأن هذه الخطوة جاءت بعد اندثار المعسكر الاشتراكي وزوال المواجهة بين الحلف الاطلسي والند المتمثل آنذاك بحلف وارسو.

من هذا المنظور، يتبين أن القول بمحور طهران/دمشق وامتداده (غير المعلن) الى حزب الله وحماس مروراً بجنوبي العراق، يستبطن التسليم بوقوفه على طرف نقيض من الواقع الدولي، وربما الإقرار بصعوبة انخراط اطرافه المقبول في الأسرة الدولية. وبهذا الصدد، لا مجال للتمويه واللبس، والمغالطة بالاستدارة على المعطى وحشره في دائرة المحاور السياسية البحتة، وهي فعلاً قائمة ومعمولاً بها في غير مجال، فتلك مجرد مقاربة وإسقاط في الشكل والمظهر، تتجاهل جوهر الروابط والغايات، وتحاول الإفلات من خطيئة المحور الاصلية، الملازمة لنشأة هذا المصطلح وسمعته، وبالتالي من القراءة التاريخية الصادقة.

إن نسب المحور يشحنه بطاقة التمدد والانتشار، على غرار ما يُدرّس في الكليات الحربية من ان المحور طريق تقدّم القوات. ومن سوء التقدير الفادح اعتبار التوصيف الجامع بين انظمة وفصائل، في موقع السلطة او الطموح اليها، بالاشتراك في محور، على سبيل المناكفة التي بمقدور القالب السياسي الصرف احتواءها ودرء مخاطر انزلاقها الى مواجهة عسكرية مباشرة.

وبتعبير اوضح، يخشى، في هذا المجال، من الوثوق بسياسة شفير الهاوية، واللامبالاة ازاء المنحى التصعيدي الذي يراكم عناصره طرداً طالما أمعنت القوة العظمى في استخدام لغة التحذير والتحوط، وثابرت على نعت المجريات بمحاولة الهيمنة الاقليمية والإضرار بالتوازن الدولي والمساس بأمنها القومي.

أثار لجوء الولايات المتحدة إلى تصنيف كوريا الشمالية وايران (والعراق سابقاً) في ما أسمته محور الشر، حفيظة قطاعات واسعة من المجتمع الدولي. رأى فيه النقاد لوناً من الحكم المشوب بنغمة دينية، لامست جذورها اطروحة صدام الحضارات الفجة وتقاطعت مع فضائها الفكري. وكيفما أرجع الامر، او استهجن إقحام المعايير القيمية والوصفات الأخلاقية في حقل السياسات الدولية، فإن ذلك لا يلغي واقع التناقض العميق، وتصادم المصالح الأكيد، بين القطب الأحادي والنظم القائمة في المحور المذكور، الذي ينزع عنها، بالمحصلة، غطاء الاسرة الدولية الواقي. أضف أن التزمت الاميركي في هذا الشأن، لا ينفي حنق معظم القوى الفاعلة من جموح دول الحمور ـ وقد انضمت اليه سوريا مؤخراً ـ وشمولية انظمتها، ولهجتها العدائية الغاضبة، على ما أظهرته قرارات مجلس الأمن ـ بتمهيد من وكالة الطاقة الدولية ـ حيال الملف النووي، وإصرار القرار 1559 الصادر عن هذا المرجع بالذات، وما تلاه، على تحجيم نفوذ سوريا الاقليمي، وتدخلها في دول الجوار.

يستخلص من المستجدات المتلاحقة أن توليف ربط النزاع الدولي مع محور طهران/ دمشق وتوابعه، قد تخطى الموجبات والإعداد، وبات في مرحلة متقدمة. وليس بخافٍ أن مرد التحفظات الروسية يتصل بالمحافظة على جانب من الهيبة وسلطة القرار في المحافل والازمات، وقدر من المصالح ومفاتيح الحل في محيطها الاقرب.

كذلك يُسجل حذر الصين غالباً، ومجانبتها الإفصاح عن القبول او الرفض المطلق بلغة ديبلوماسية رشيقة، تتكئ على مبادئ وفاقية، وتغلّب الواقعية بنهاية الأمر، وضرورة التجاوب مع شركائها الكبار اقتصادياً، ريثما تنجز قفزتها وتدخل نادي العظام بامتياز من بابه الواسع. لكن وقائع التاريخ تعنى بالنتائج، ولا تعير النوايا والاستدراكات الا اهتمام الدارسين بعد قضاء الامر. هكذا ينجلي مسارها وسط التجاذبات والتعرجات التي تضحي شواهد على صحة الدلائل الاساسية، وتدعو الى الاتعاظ من سابقات لم يوقفها او يحدها اعتراض ولا مساومة ظرفية، بل وجدت دوماً قوة الدفع من صميم التناقض الاساسي وإمكانية حسمه تبعاً لاختلال في ميزان القوى، وعلى خلفية الخطأ في الحسابات. اما عين الخطأ، فاستخفاف بالعوامل الموضوعية، ومراهنة على سيناريوهات مضمونة ارادوياً، دونما حكمة في قياس ردود الفعل وعثرات الطريق، او ايلاء نذر صريح من اعتبار للتقنيات وحاضنتها العلمية الهائلة المتطورة.

يكاد سؤال أن يُطرح تلقائياً في خضم التوقعات، مفاده الفارق المحتسب والمنتظر من تبدل الإدارة الاميركية بفعل تداول السلطة واقتراب الرئاسة الحالية من نهاية ولايتها. ويتفرع عنه تساؤلان، أولهما دقة التقديرات المستقبلية في ضوء هبوط شعبية الإدارة الحالية، والتعويل على نجاح المرشح الديموقراطي عند الاستحقاق، وثانيهما قدرة الرئيس بوش على توجيه دفة السياسة على ذات النمط في الفترة المتبقية من ولايته.

بديهي أن للسؤال وتفرعاته كامل المشروعية والوجاهة، لأن تغييراً ما في النهج واسلوب ممارسة السياسة الخارجية، يلوح في الافق القريب، أياً كان نزيل البيت الابيض الجديد، بعد إكمال بوش ولايته الثانية والأخيرة حسب الدستور. غير أن الإجابة الصحيحة تفترض معاينة مطالب المؤسسات عوض الاكتراث بعوارض الرئاسة، وتفحص مدى الإجماع في الحفاظ على صدارة الولايات المتحدة وهيبتها في العالم، الملطف نطقهما بصيغة كسب السباق والإبقاء على هامش تقدّم تكنولوجي/عسكري محترم وجهوزية تفوق مجموع تابعيها المباشرين. كما تدعو الى الاعتراف بان الاستراتيجيات البعيدة المدى، تجاوزت القراءات المرحلية وترتيب الاولويات وكيفية استخدام الجزرة والعصا، اي التفاوض والديبلوماسية مقابل العقوبات والتلويح بالذراع العسكرية الغليظة ـ وفي مطلق الحال ثمة تعريف واسع للامن القومي الاميركي، مشترك بين الجمهوريين والديموقراطيين، وتصميم على حيازة أفضل ترسانة عسكرية ومنظومة صاروخية، وما هو أبلغ، موقف سلبي موحد كاره للأنظمة الشمولية، وعديم الثقة بانعطافها ذاتياً نحو مسلك الديموقراطية والحداثة. وعليه، يقتضي خفض سقف توقعات «المتفائلين» بأفول الجبروت الاميركي وانكسار إرادته السياسية، والمرتاحين الى ان المأزق العراقي قد شلّ او استنزف طاقة اميركا (وحلفائها) العسكرية، وبالتالي سوف يجبرها على إخلاء الساحة الاقليمية والفرار.

إن موازين القوى لا تقاس بموضعها ولحظتها وحسب، وعامل الوقت ينصح بتجنب المراهنة على التآكل الحاصل، سياسياً وعملانياً، والتنبؤ بانكفاء دولي سريع عن المنطقة، نتيجة الخسائر الملحقة بالوحدات العسكرية في العراق وافغانستان. فالنقمة الظاهرة على السياسات الخاطئة لن تؤول إلى تبديل في القراءة الجيو ـ استراتيجية، ولن تنال من الأهمية القصوى (العضوية إذا جاز القول) التي يوليها العالم لبقعة جغرافية تختزل مشاغله في ميادين الطاقة ومكافحة المخدرات والإرهاب وسلامة المنشآت النووية ومراقبتها، وهجرة العمالة، وجميعها معطوفة على نزاع عربي/ اسرائيلي مديد مزمن، ومعضلة التثاقف وحوار الحضارات والتعايش الديني، ورزمة من مشاكل الأقليات.

قد تستولد التعقيدات القائمة مراجعة، دون شك، لوسائل الاستيعاب والاحتواء، وهو الأمر المؤهل الذي يساوي بين احترام الارادة الوطنية والمشاعر والسيادة وحرية تقرير المصير من جهة، وضبط الطموحات الإقليمية (او الأطماع) والتلاعب بأوراق خارج الحدود طمعاً بنفوذ جارف وتوسلاً لتغيير قيصري مفتعل من جهة ثانية. المؤكد أن تصدير نموذج ديموقراطي مستنسخ ولّى زمانه، وبانت خطورة الهندسات الساذجة (بالمعنى التاريخي)، وضرورة الكفّ عن الوصفات الجاهزة والعناد الرؤيوي، لأن حصادها مزيد من الأزمات والصراعات المتدحرجة.

في المقابل، يبقى أن كل ما يتعدى الحقوقي الوطني من تغيير عابر للحدود ومساس بركائز النظام العالمي وقواعد حركته وصمامات أمانه، شأن اسرة دولية تتململ وتشاكس الريادة الاميركية، انما تعترف بها في نهاية المطاف، وتجمع على الانخراط في العولمة والتقيد بفروضها وضوابطها.

عندما تشاء الصين وروسيا علناً من كوريا الشمالية، وتسيران في عقوبات ضدها، فذلك لا يعني نسيان الماضي (والمؤازرة في استيلاد دول اشتراكية)، بل يشير الى غرس السياسات في الحاضر، وحجم المتغيرات وتسارعها. في ضوء هذه الملاحظة، ثمة رسالة تقول حذار من استصغار الطرق الأميركي المتواصل على محور طهران/دمشق وامتلاك ايران السلاح النووي. وتقول، رويداً، على سبيل الاستطراد، لمن يترقب تعديلاً جذرياً مصدره الكونغرس الاميركي، حيال المحور والملف النووي.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018