النقد الذاتي بعد الانتصار/ سعيد نفاع

عذرا الدكتور صادق جلال العظم صاحب كتاب "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، ذلك الكتاب الذي دفعت ثمنه تهجيرا من أوطانك، لدرجة أن الحكومة اللبنانية الديمقراطية! حينها لم تستطع أن تتحمل التجاءك إلى لبنان وتحت ضغط الأشقاء طلبت إليك أدبيا أن تترك أراضيها، فحططت رحالك في لندن التي كانت يوما مهددة بأن تكون مربط خيولنا الزاحفة. عذرا أني استعرت عنوان كتابك محوّرا، ولو كان الله هداك يومها واخترت له مثل هذا التحوير حتى لو أبقيت على فحواه، فلربما بقيت تنعم في ظلال وطنك العربي الكبير دون أن تقاسي محدودية النظر الناتج عن ضباب لندن الكثيف.

كثيرا قبل أن نستورد مصطلح "النقد الذاتي" من الأدبيات الأجنبية، كان موجودا عندنا وورثه أهلنا من حضارتنا العريقة وتعاملوا معه يوميا. ألم يقل أهلنا وما زالوا " ما أحد يحط الحد في مارسه" و"ما أحد يحط في زيته عكرا" وكثيرا قبل أن يصير، ما اصطلحوا أن يسموا أنفسهم نخبا، يتعاملون مع هذا المصطلح؟

طريقة النفي المستعملة في هذه المقولات، التي صارت أمثالا من لب تراثنا الحضاري، دالة على الإيجاب بمعنى: أن علينا أن نضع الحد في مارسنا أولا وعلينا أن نعترف أن في زيتنا عكرا، فلا يمكن أن يبقى الحد على حساب جارنا وفي مارسه، ولا زيت بدون عكر حتى لو صفي بأحدث المصافي الإيطالية الصنع. مثل "الزيت" واضح، أما مثل "المارس" وهو الأقرب إلى موضوعنا بحاجة إلى بعض شرح. بما أننا بأغلبيتنا أمة فلاحين فقد اقتسمنا أرضنا السهلية منها، قطعا متجاورة الحدود أسماها بعض أهلنا "موارسا" وبين كل مارس ومارس أبقوا شريطا من الأرض كحد، بطبيعة الحال نبتت فيه الأعشاب البرية، والكثير من النزاعات قامت على هذا الشريط كل محاول أن يبقيه على حساب مارس جاره، حتى صار مثلا تجذّّر في تراثنا، وحتى بعد تركنا الأرض والفلاحة بقي المثل مستعملا يحمل في طياته أعمق معاني النقد الذاتي.

الإنجازات والإخفاقات الهزائم والانتصارات عند الأمم والشعوب والمجتمعات والأفراد، هي دائما وليدة عوامل خارجية وداخلية. فقد قال أحد حكماء روما بعد انهزام الإمبراطورية الرومانية: "لم يحدث أن أمة انهزمت خارجيا إلا بعد أن سبق ذلك انهزاما داخليا". جيد بل جيد جدا بل وطبيعي جدا أن نحتفل بإنجازاتنا وانتصاراتنا وإنجازات وانتصارات من نحب وهذا حال الناس كلهم، لكن حتى في هذه الطبيعي يجب أن نلتفت إلى قصوراتنا وإلا لأسكرنا النجاح ونكون قد وضعنا أولى خطواتنا نحو إضاعته.

القول أننا ما زلنا مهزومين كأمة في معاركنا ضد الجهل وضد الفقر وضد القهر، ومن ثم وبسبب ذلك في معاركنا ضد أعدائنا، ليس تجديدا إنما تأكيدا على ما هو متفق عليه عند الغالبية منا اللهم إلا الحكام والسائرين في الركب، ينضم إليهم من حيث يدرون أو لا يدرون المعوّلون على الشعارات المتغنين بها، دون مضمونها. ومتفق أيضا على ما أعتقد أن لهزائمنا، أو تخفيفا لإخفاقاتنا، في معاركنا ضد الجهل والفقر والقهر والأعداء عوامل خارجية وداخلية. المشكلة تقبع في ركن ما من ذهنيتنا في التبرير لأسباب هذه الهزائم. عُوّدنا أن نعزو ذلك إلى الآخرين مرة الإمبريالية ومرة الصهيونية ومرة الرجعية ولم ينج حتى الله منا أحيانا، وكل ذلك من باب الامتناع أن نضع أو على الأقل نحاول أن نضع "الحد في مارسنا". هنا يكمن الاختلاف، إنني أفهم أن يضع الحكام و"حُداتهم" الحد في مارس غيرنا، لكن أن يحذو حذوهم المفكرون أو بعضهم، وإن اختلفت المنطلقات، واضعين الحدود في موارس غيرنا فهذا ما لا أفهمه (ربما التوك في فهمي). هذا لا يعني أن الإمبريالية بأي قناع جاءت والصهيونية والرجعية براء من مصائبنا، ولكن كل هذا يصير مقدورا عليه إن وجهنا جهودنا أولا أو تزامنا لقتل "إمبرياليتنا وصهيونيتنا ورجعيتنا"، هذا هو ديدن المجتمعات كانت شعوبا أو أمما التي تريد فعلا أن تنتصر انتصارات غير مجزوءة.

لنكن صريحين وحتى النهاية، لولا الديمقراطية التي ينعم بها اليهود في إسرائيل ولولا انتصارهم على الفقر( نحن نعرف جيدا وأكثر من غيرنا ما معنى تقارير التأمين الوطني عن الفقر!) ولولا انتصارهم على الجهل ولولا الحرية التي ينعمون بها، لما خرجوا بمثل هذه الحملة على حكامهم وعل جيشهم المقدس وعلى أنفسهم بعد الإخفاق، من وجهة نظرهم، الذي حصل في حربهم مع حزب الله وعلى لبنان، ودون خوف أن يتهموا بالعمالة أو الخيانة أو الانهزامية، ولا يعوّلن أحد أكثر من اللازم على ذلك، ما يقولونه اليوم هو صفر مكعب قياسا لما قالوه بعد حرب رمضان أو أكتوبر أو تشرين أو 1973 (ففي هذا نحن أيضا غير متحدين!). ففي هذا، وضع الحد في مارسهم عن إخفاقاتهم، هم فنانون وهم الذين لا يرضون في غير ذلك إلا أن يكون الحد في أراضي غيرهم وهذا أساس ومصدر بلواهم وبلوى جيرانهم.

ربّ سائل ما وجه النواح في الفرح؟
قلت في مقال آخر أن ملك الدنيا، والآن أقول والآخرة، لا يساوي جسد ذلك الطفل إبن قانة وأي طفل، والآن أقول لا بل ظفره، منتشلاً من تحت الأنقاض مدلياً " بزّه الكذاب" على صدره، ولا شك ولا حيرة عندي من هو المجرم والسبب والمتسبب، وإذا كان لا بد من الإشارة منعا من الالتباس في المفهوم ضمنا ،فشلّت (وليس "قطعت" لتبقى مدلاة للذكرى) اليد التي ضغطت على الزر واليد التي ثبتت القذيفة واليد التي حررت مرسوم إرسالها واليد التي صنعتها.

ليس أكثر ملاءمة وأنسب من مثل هذا الوقت الذي نعيشه على ضوء ما حصل في لبنان لنرفع أصواتنا، حتى لو اعتبرت "نواحا في الفرح"، مطالبين أنفسنا أن نضع الحد أولا في مارسنا ولنعترف أن في زيتنا عكر، وعندها وفقط عندها سنعرف أن نضع الحد على الحد، لا أن نقبل أن يكون في مارسنا ولا في مارس جارنا، وسنعرف أن نصفي زيتنا وبمصاف عربية الصنع.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018