الولادة بـ"منظار استراتيجي".. /هاشم حمدان

لا يمكن فصل العنصرية المستحكمة والمستفحلة عن الغباء والإستغباء لوصف إفرازات كلامية نتنة لنتنياهو موجهة لجمهور من المتدينين "الحريديين" لم يقتنع بإفرازاته لأسباب لا تتصل بالأخلاق. ففي محاولة منه لكسب ودهم، قال في مؤتمر ضم رؤساء السلطات الحريدية "إن تقليص مخصصات الأطفال أدى إلى حصول أمر إيجابي على المستوى القومي، فقد كان له تأثير ديمغرافي على الجمهور غير اليهودي، حيث حصل انخفاض حاد في نسبة الولادات"..

وإذا تجاوزنا وقاحة التعبير "غير اليهودي"، الذي بات إسرائيلياً شائعاً يعرّف الشعوب من خلال يهوديتها أو عدم يهوديتها ويعني التمنع عن مجرد ذكر شعوب أخرى وتجنب اعتبار الأقلية القومية الباقية على تراب وطنها شعباً واحداً، فمن الواضح أن نتانياهو يعتقد أن انخفاض عدد الولادات عند العرب هو نتيجة لسياسته الإقتصادية، والتي يقر بعنصريتها حينما يعترف أنه مع إجراء التقليصات في المخصصات سارع إلى البحث عن مصادر تمويل، من بينها الوكالة اليهودية، لتقديم المساعدات المالية لجزء من اليهود في البلاد من ذوي العائلات كثيرة الأولاد، لتبقى الانعكاسات السلبية لتقليص المخصصات على العرب وحدهم..

ولم يصدق جمهور المستمعين أن العربي عندما يسكن إلى زوجته يفكر بنتانياهو وبسياسته الإقتصادية، حيث قال مراسل سياسي حضر المؤتمر "إن جمهور المتدينين قد تضرر مادياً، وأما الحديث عن نسب الولادة لدى العرب فهو غير مقنع.. لقد اعتمد نتانياهو استراتيجية خاطئة"..

وهنا يجدر التأكيد على أن الربط الغريب بين عدد الولادات عند العرب وبين الشأن الإستراتيجي، أو بالأحرى النظر إلى نسبة الولادات عند العرب بمنظار استراتيجي، لا يشذ عن الإجماع الإسرائيلي، ومن الواضح أن المسألة بالنسبة لجمهور المتدينين ليست مسألة أخلاقية، بل هي مسألة مدى صحة الأرقام وبالتالي فهي التي تقرر مدى صحة الإستراتيجية. زد على ذلك أن في الأمر تأكيداً مرة أخرى على جدلية تصاعد العنصرية، مع التأكيد أيضاً على أن ما سبق هو صورة تتكرر يومياً بنسخ لا حصر لها في المشهد الإسرائيلي.

لا يعنينا كثيراً إذا كان نتنياهو يعتقد أن الأطفال العرب يولدون نكاية به، أو إذا ما كان يعتقد أن الهاجس الديمغرافي الذي يؤرقه وأمثاله الكثيرين له علاقة بالحوافز الجنسية عند العرب، وإنما يعنينا أن ثلاث مدارس عربية كانت من بين المدارس الخمس الأولى التي حصلت على أعلى المعدلات في البلاد.. وأن هناك عدة مدارس عربية حصلت على أعلى معدلات في البلاد في مواضيع معينة.. وأن نسبة عالية جداً من الطلاب العرب في الجامعات ينهون دراستهم بنجاح، بل إن نسبة جيدة منهم ينهون دراستهم بتفوق.. ولا يقلقنا ما يتردد من تحليل عنصري في الشارع الإسرائيلي بأن الطالب العربي يتفوق نتيجة "الشعور بالنقص"...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018