انتصار براك اوباما كظاهرة تمكين تحقق: فوزه في الانتخابات يزيده تمكينا/ د. مسعود أحمد اغبارية

بعيدا عن التحليلات التي تصدر من حين لآخر حول المعركة الانتخابية على الساحة الأمريكية وتدعي ان ليس هناك بصيصا من الأمل من أي رئيس قادم، سواء كان باراك اوباما او جون ماكين، حيث نفسها الطاحونة تدور وتخرج من تحتها نتاج واحد، يحمل هذا المقال روحا تفاؤلية، لان هناك احتمال كبير أن ما يحدث في أمريكا اليوم، ونتيجة الكثير من العوامل أبرزها داخلية، سيأتي بالخير على البشرية جمعاء. قد لا يوجد بديل سوى هذا.

تصريح السناتور باراك اوباما في برلين في تموز 2008 "علينا إسقاط جميع الجدران العنصرية", هام وأساسي لهؤلاء الذين يعانون من تمييز عنصري ,ويزيد احتمال وضع حد لهذه الظاهرة البعيدة عن القيم الإنسانية لأن اوباما بحد ذاته ظاهرة تمكين منتصرة لأقلية أثنية داخل الولايات المتحدة لم تعهدها الولايات المتحدة الأمريكية منذ استقلالها عام 1776 وحتى بعد حرب أهلية في الستينات من القرن التاسع عشر تكللت بانتصار "محرر العبيد" الرئيس ابراهام لنكولن. إذا حصل اوباما على كرسي الرئاسة في انتخابات الرئاسة الأمريكية في 4 نوفمبر 2008، وهذا أمر متوقع وفق اغلب استطلاعات الرأي العام، سيزيد هذه الظاهرة تمكينا لأن الرئيس ونائبه يجسدان السلطة التنفيذية ولهذه السلطة دور أساسي في النظام السياسي الأمريكي. تتجسد في هذا التصريح صرخة إنسان ينتمي إلى أقلية أثنية، عانت من تمييز عنصري وفقر، ويؤمن بقدرته على إسقاط هذه السياسات. الدارسون لتطور هذه الظاهرة يستشعرون ان اوباما يسير وبدقة وفق المقولة المشهورة لمارتن لوثر كينغ، زعيم انتفاضة الأفارقة الأمريكيين (السود) في الولايات المتحدة في سنوات الستين من القرن الماضي: "We must not allow any force to make us feel like we don't count. Maintain a sense of dignity and respect." أي علينا أن لا نسمح لأي قوة، مهما كانت، أن تجعلنا نشعر ضعفاء. علينا ان نعتز بكرامتنا ونحترم أنفسنا."

قد يواجه تطبيق هذا التصريح صعوبات معينة حين تطفوا على السطح قضايا خانقة مثل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها أمريكا في الربع الأخير من عام 2008، لكن إن تكاتفت جهود المجموعات المظلومة في أمريكا وفي العالم ونجد حدوث مثل هذا في تأييد مختلف الأقليات الإثنية في الولايات المتحدة الأمريكية، سيكون احتمال تطبيقها أسهل مما لو كان منافسه السناتور جون ماكين، في سدة الحكم. نعم، هذا التطور يدعم نضالات شعوب كثيرة في العالم التي تناضل ضد التمييز العنصري مثل الفلسطينيين إن هم أنفسهم أتقنوا قواعد اللعبة أولها توحيد صفوفهم وتعبئة طاقاتهم لإقناع باراك اوباما انه بدون كسر التمييز العنصري التي تمارسه إسرائيل، لن تنجح ظاهرة اوباما كظاهرة إنسانية هامة في التاريخ المعاصر او في، في أحسن الأحوال، سيبقى نجاحها محدودا. علاقة الفلسطينيين مع الأفارقة الأمريكيين جيدة مع انها تتطلب المزيد من النشاط والبحث، وعلاقتهم مع الجهات الحاكمة في جنوب أفريقيا جيدة، وكلا الطرفان يلعبان دورا في التأثير على باراك اوباما.

مع هذا, تمنح انتخابات الرئاسة الأمريكية، صبغة هامة لهذا التصريح حيث بها، كما قال الكاتب والمحلل السياسي الصحفي د. فوزي الأسمر، ا لذي يكتب من واشنطن: "هناك إمكانية دخول أول اسود مع زوجة تنتمي الى أسرة كان أجدادها عبيدا للسيد الأبيض." . تعكس انتصارا لهذه الظاهرة بزيادة تمكين الأقليات عامة والأفارقة الأمريكيين خاصة في الولايات المتحدة أولا بقبول اوباما مرشحا من قبل الحزب الديمقراطي وهو ا سود البشرة, وثانيا، بقبوله من قبل أغلبية الأمريكيين كافة حين حددوا أنهم اليوم على استعداد لقبول رئيس اسود, والده أفريقي من كينيا ومسلم ووالدته بيضاء من ولاية كنساس ومن أصل شرق أوروبي، يرون به شخصية متمكنة، فريدة من نوعها, متعلمة، نقية في ممارستها مع الناس، واثقة في طرحها حيث الهدوء والجاذبية, تتحلى بذكاء كبير, وترتكز على تجربة طويلة وصعبة في خدمة الجمهور عامة والأقليات المضطهدة والمغلوب على أمرها في الولايات المتحدة، ويطرح إستراتيجية تغيير مبرمجة للوضع الصعب التي يعيشه الأمريكيون. يبدو أن قرار الإعلامية وصاحبة البرامج الشهيرة في أمريكا اوبرا هامبفري له تأييد اوباما لم ينبع من فراغ. فربما أنها تدرك جيدا ان اوباما سار على نصيحتها التي تلقتها يوما من الأيام للنجاح: أفضل طريقة للتغلب على التمييز العنصري هو التميز والإبداع والتفوق. ويبدو أيضا انه يستلهم قوة وثباتا من تجارب سود آخرين في العالم. لا نستبعد انه متأثر من مقولة نلسون منديلا، القائد الجنوب أفريقي الشهير حين خرج من السجن " Power, Africa is ours". أي انحن أقوياء، لان أفريقيا قد عادت إلينا.
كثير مما يفكر به اوباما حدد بشكل واضح في كتابين ألفهما ويعتبران اليوم من الكتب الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة وفي العالم اجمع. نشر كتابه الأول تحت عنوان Dreams from My Father أحلام من والدي عام 1995. وحوي الكتاب على قصة حياته التي جمعت بين اب مسلم أسود وأم بيضاء وجدة لعبت دورا هاما في صقل شخصيته ومهاراته. يقول اوباما انه بهذا المزج يجسد أمريكا الحقيقية. أيضا، ربما ان هذا يعطيه مناعة أمام الذين يدعون أن أمريكا ليست جاهزة بعد لرئيس اسود، ويراهنون على "مراجعة تفكير في اللحظة الأخيرة قبل الإدلاء بأصواتهم). وحمل كتابه الثاني Audacity of Hope "جراءة الأمل" عنوانا طفح فيه المعنى السياسي لإنسان قوي، متمكن ،حكيم واثق بنفسه وبما يؤمن به وقادر على التعبير عما يجول بخاطره بكلمات سديدة، يطمع ان يدخل المعترك السياسي. نشر الكتاب عام 2006 بعد سنتين من نجاحه في احتلال منصب سناتور, عضو مجلس الشيوخ من ولاية ا لنوي.
كتبه تشكل عامل قوة، حيث ساعدت الشعب الأمريكي التعرف على هذا السياسي الشاب، الذي امخر في المعترك السياسي الكبير، رغم خلفيته الاجتماعية البسيطة، ام ووالد عانا من الفقر ومن الصعوبات التي تعيشها اغلب العائلات الأمريكية، ويراها آخرون مواقع ضعف مثيرة للجدل. تنشر في الفترة الأخيرة جماعات من مؤيدي مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين في أمريكا دعاية ضد اوباما تبعث بشكل رسائل الكترونية وتسجيلات تلفونية صوتية مفادها أن انه مسلم وتثبت أقوالها باقتباسات مما ورد في كتابي اوباما. رد الجنرال كولن باول، أول إفريقي أمريكي يحتل منصب رئيس أركان الهيئة العامة للجيش الأمريكي وبعدها وزير خارجية أمريكا، في نطاق تصريح أعلن به تأييده لاوباما رغم انه بتحلي بمواقف قريبة من طرح الحزب الجمهوري على هذه الدعاية حين قال ما المشكلة في ان يكون رئيسا مسلما للولايات المتحدة الأمريكية فهناك أكثر من 7 مليون مسلم أمريكي وهناك قبور لجنود أمريكيين مسلمين قتلوا في حرب العراق موجودة في المقبرة الوطنية الأمريكية في ارلينغتون، فرجينيا، قرب العاصمة الأمريكية واشنطن. تصريح باول يرد على دعايات تطفوا على السطح من حين لآخر ضد الإسلام ومن على أعلى المستويات على الساحة الأمريكية. على سبيل المثال، وصف جورج بوش الابن الحرب على أفغانستان بأنها حرب صليبية، وأطلق اصطلاح جديد غريب في الحملة ضد الإسلام "الإسلام الفاشي" الذي ليس له أرضية على ساحة الواقع. وليس غريبا ان تزداد، بعد دعم باول، شعبية اوباما بشكل ملحوظ، وهي ظاهرة تعارف عليها في هذه الانتخابات تحت اسم "تأثير باول".

هناك أسباب عدة لنجاح ظاهرة اوباما من بينها أسباب ذاتية، مواصفات اوباما كمال تجلت تاريخيا في سيرة حياته الخاصة والعامة، كتبه، مقالاته وتصريحاته المحكمة منذ دخل معترك الحياة السياسية, واسباب موضوعية، الظروف الداخلية في أمريكا وفي العالم. ونجاحها يفرض تغييرات في المفاهيم تجاه الذات وتجاه الآخرين من بينها تراجع ترعرع التمييز العنصري في أمريكا لأنها منحت الأقليات الثقافية جرعات قوة وتمكين على مستوى الأفراد والجماعات، بعد ان عبرت مراحل التوعية الجماعية بإدراك معادلة الصراع مع غيرها وخاصة مع الفئات التي تحاول فرض استمرار الوضع القائم حيث تسيطر على الثروة، وأدركت مصالحها وهويتها، وأقامت أطر جماعية لم تكن موجودة من قبل، وسيطرت على مؤسسات رسمية قائمة كانت في الماضي تستخدم كمراكز تحكم بالمجموعات المستضعفة. جميع هذه التطورات جعلتها تتحدى سياسات ظالمة بحقها. وما يزيد فرص نجاح استمرار هذه الظاهرة، هناك توجهات قوية تشير إلا أن أمريكا لن تسترد مكانتها الدولية بدون الارتكاز على أسس ذات مواصفات إنسانية في سياساتها الداخلية والخارجية. فظاهرة اوباما ستحدث تغييرا يميل أكثر نحو العدالة والمساواة وإسعاد أكثر الناس، كما أجمعت أكثر الصحف الأمريكية تأثيرا حين أعلنت تأييدها المؤسساتي له مؤكدة جميعها ان اوباما قدير لإحداث مثل هذا التغيير وليجعل من صورة أمريكا في ا لعالم، أكثر ايجابية. ولم يكن صدفة ان بدأ اوباما حملته الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة من مدينة سبرنغفيلد, ولاية الينوي الأمريكية وعاصمتها شيكاغو, بلد الرئيس ابراهام لنكولن, قائد الحرب الأهلية ومحرر العبيد في العقد السادس من القرن التاسع عشر وبها مكتبته الشهيرة التي يعمها سنويا ملايين الناس, ولم يكن صدفة، ايضا، ان حدد اوباما خطاب الموافقة على ترشيح حزبه له في 28 آب 2008 وعلى مسمع من حوالي 100 الف حاضر، ذكرى خطاب مارتن لوثر كينغ عام 1963 الذي توج مسيرة واشنطن التاريخية حين أعلن "عندي حلم" I have a dream ان أعيش في عالم تسوده المساواة والعدل بين الناس.

خطاب اوباما الأول في السياسة الخارجية هدف إلى بناء تحالفات حوله
من قرأ ما كتبه اوباما والخلفية التي عاش فيها، يستغرب من أول خطاب له في السياسية الخارجية أمام اللوبي الصهيوني في 4 حزيران, 2008 حين برز متطرفا، متزمتا في دعم إسرائيل، و يتوصل إلى استنتاج أن ما قاله لا يمثل روح ما عمله، وما كتبه وما صرح به سنوات طويلة في حياته. لا أريد هنا تبرير ما قاله، لكن هناك إمكانية أن تصريحاته تدخل بالأساس في سياق الحملة الانتخابية لبناء تحالفات حوله انطلاقا من القاعدة ان كل صوت مؤثر وعليه الحصول عليه ومن مقولة مارتن لوثر كنغ الشهيرة We must all live together as brothers or perish as fools". أي علينا أن نعيش مع بعضنا البعض كأخوة أو أن ننقرض عن الوجود كأغبياء" وقد يكون مستندا إلى اعتقاد قديم لم يعد اليوم قويا، يفيد أن تأييد إسرائيل في أمريكا أمر هام لكسب الرأي العام الأمريكي. دل استطلاع نشر في أيلول 2007 على أن تأييد إسرائيل آخذ في الهبوط بين صفوف اليهود الأمريكيين وأعداد متزايدة من الأمريكيين اليهود لا يهتمون بما يجري في إسرائيل وفقط 54% من اليهود الأمريكيين الشباب (حتى 35 سنة) مرتاحون من استمرار وجود إسرائيل" وفي بحث ميداني عام 1991 حدد 45% من الطلبة اليهود أن الانتفاضة الفلسطينية أثرت سلبيا على إسرائيل. وبلغت النسبة بين الطلبة السود حوالي 85%. وحدد 90% من الطلبة السود في نفس العينة أن الانتفاضة قد زادت نظرتهم الايجابية عن الفلسطينيين. هؤلاء كانوا طلبة حينها، واليوم هناك احتمال كبير أنهم في مواقع اتخاذ القرار في أمريكا.