بضاعة كوندي.. إيهامات رؤية بوش!/ عبداللطيف مهنا

جالت كونداليسا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في المنطقة ورحلت عنها... وقائع الجولة وتداعياتها لازالت برسم متابعة المتابعين ومجال تقييماتهم ومثار جدلهم، بيد أن السؤال المنطقي حيال الجولة برمتها يبقى هو:
على ضوء هذه الجولة، ما الجديد في السياسة الأمريكية حيال قضايا المنطقة... ما الذي تغير في أجندتها... أو ماذا حملت الوزيرة معها مما هو قمين بمفاجأتنا، أو على الأقل فيه ماخالف أو يخالف توقعاتنا المسبقة؟!

... ما الذي حملته معها إلى رام الله، أو ما هو جديدها الفلسطيني، واستطراداً العربي... العراق، لبنان، تدويل دارفور... والملف النووي الايراني... الحرب على ما يسمى الارهاب... الشرق الأوسط الكبير، الذي دعته مؤخراً بالجديد، وأخيراً، وإبان هذه الجولة، بالمستقبلي... دون أن ننسى شعار وجوب نشر الديمقراطية البوشية في دنيا العرب المسحوب مؤخراًُ من التداول، إلخ مثل هذه العناوين المعروفة التي من الممكن القول أنها هي ما تتمحور حولها السياسة الأمريكية ودافع حركتها في المنطقة؟!

في الشأن الفلسطيني، قبل وصول رايس إلى رام الله، وبعيد عودته من واشنطن، قال أبو مازن رئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري:
"لنكن صريحين، أميركا فرضت علينا حصاراً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، بعدما أجرينا الانتخابات وفوز حماس".
... وعليه وللخروج من هذا الحصار، أنذر عزّام الأحمد رئيس كتلة فتح في مجلس تشريعي السلطة حركة حماس بأن لديها فقط ما لايزيد عن أسبوعين للقبول بما لم تقبله أو إقالة حكومتها من قبل رئيس السلطة!

وما هو هذا الذي لم تقبله ويتوجب عليها قبوله أو اسقاط حكومتها؟
إنه القبول بما طالبت رايس به أية حكومة للسلطة، سواء أكانت قائمة أو جديدة قد تتشكل إذا ما نفذت "مؤسسة الرئاسة" تهديدات عزّام الأحمد بحق حكومة حماس، أي ما دعته الوزيرة الأمريكية "حكومة يمكن أن تحترم مبادئ اللجنة الرباعية"!

ما هي هذه المبادئ؟
إنها الاعتراف بإسرائيل، وما يدعى نبذ العنف، أي إيقاف المقاومة، والقبول بالاتفاقات المعقودة مع إسرائيل، أي بكل الاستحقاقات الأوسلوية، أو ما يمكن وصفه الانغماس بالمسيرة التصفوية المتدرجة للقضية الفلسطينية الجارية عبر العقدين الأخيرين.
لعل مبادئ الرباعية هذه، أو المطالب الأمريكية التي كررتها رايس إبان الجولة، وهي ما كانت تسمع، على أية حال، وبشكل أقرب إلى اليومي، من الناطقين باسم وزارتها وباسم البيت الأبيض، أو هذه المطالب الاسرائيلية المنشأ، قد تحولت مؤخراً إلى ما يشبه الثوابت لدى بعض الأطراف الفلسطينية، التي غدت تعزو كل مصائب الساحة الفلسطينية المحتلة لعدم قبول حماس بها... هذه الساحة التي يحاصرونها و يلوحون لجياعها راهناً بالرغيف مقابل الاعتراف بإسرائيل... بل ومن هذه الأطراف اليوم من يطالب بانتخابات مبكرة لتوظيف هذا الجوع انتخابياً، لعل في ذلك ما قد يعيد لهم السلطة أو وهمها ثانيةً.

وحيث الشيء بالشيء يذكر، بعد مغادرتها رام الله إلى تل أبيب، وحيث عبّرت رايس في رام الله عن "القلق البالغ جراء الوضع الإنساني والاقتصادي في الأراضي الفلسطينية، وقالت إنها بحثت مع أبو مازن "تمكين الشعب الفلسطيني من العيش بلا إذلال يومي"، أبلغت مثيلتها أو وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني في تل أبيب بما ينفي هذا القلق ويعني إصرارها على مواصلة هذا الإذلال حين طمأنتها على أن "المقاطعة الاقتصادية لحكومة حماس فعّالة. والمجتمع الدولي ما زال ملتزماً بالمقاطعة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية"!
بعد لقائها مع أولمرت قال بيان إسرائيلي بأن الأخير تعهد بمساعدة أبو مازن على "إحداث بيئة أفضل"!!!

فلسطينياً، حاولت رايس أن توهم من يريد إيهام نفسه بجديد هو قديم لا جدة فيه، مثل تأكيدها على ما أكدت عليه الإدارة الأمريكية إبان وحتى قبل زيارة أبو مازن لواشنطن، ألا وهو دعم ما يعرف ب"مؤسسة الرئاسة" في مواجهة صراعها على السلطة التي بلا سلطة تحت الاحتلال مع حكومة هذه السلطة. أو حصاد حماس المر الناجم عن فوزها بالانتخابات الذي يعادل الورطة جراء استحالة التوفيق بين استحقاقات سلطة أوسلوية وهمية ونهج المقاومة الذي تصر على اتباعه كحركة مقاومة!

باختصار، لسان حال ما يظل المنشود أمريكياً وإسرائيلياً هو: لتبق رئاسة السلطة ولتذهب حكومتها... وقي المحصلة لتدفع الأمور باتجاه الإحتراب الأهلي، لا سيما وقد تهتكت خطوطه الحمر في الأيام الأخيرة، ووصلت الأمور، أو ما اصطلح على نعته بالفلتان، إلى درجة أن ترتفع أصوات بعض من هالهم أنهم يخسرون السلطة التي بلا سلطة في انتخاباتها الأخيرة، مهددين باغتيال رموز من فازوا بها... سلطة اختلف طرفاها، إختلاف برنامجيهما حتى على مفهوم "الثوابت الوطنية"، بحيث من الصعب أن يتركا أملاً في تحقيق ما يتغنى كليهما بها، أي "الوحدة الوطنية"... الأمر الذي جر أو كاد، كما شهدنا، إلى بوادر الاحتراب الذي يعني لو تفاقمت الإشتباكات الأخيرة ضياع الهدف وفقدان البوصلة، والذي يرقى لو تم إلى مستوى الانتحار... إلى مستوى السلطة بديلاً عن الوطن!!!

...عربياً، قيل أن رايس جاءت لتستمع، وكانت قبل مجيئها قد قسٌمت العرب إلى محورين: بنائين وهدامين... ترى ما الذي سمعته ممن وصفتهم بالبنائين؟!
ما رشح، هو أن رايس لم تسمع منهم ما هو مختلف عن ماكانت قد سمعه منهم في نيويورك وواشنطن... الأمر الذي يعني أنها جاءت لتسمع ما سمعته إدارتها سلفاً، إذن، والحالة هذه، هي لم تأت لتستمع وإنما جاءت لتسويق أجندتها، وفي واقع عربي مهما قيل فيه فهو لا يحتمل تداعيات ما تسوقه، وهي الأمور التي يمكن إجمالها على الوجه التالي:

في العراق الدامي المدمر المعرض للتجزئة ويعيش نوعاً من الاحتراب الأهلي المفتعل بتخطيط أو إشراف من الاحتلال، لا زال المطلوب أمريكياً هناك هو هو، أي مساهمة عربية في إخراج الولايات المتحدة من الورطة العراقية، لكن بما يسمح بإنجاح البرنامج الأمريكي المتعثر هناك... مع ملاحظة ما تؤشر عليه مطالبة رئيس عراق مابعد الإحتلال جلال طالباني بإنشاء قواعد أمريكية دائمة في هذا البلد العربي المحتل بزعم حمايته من تدخل جيرانه! ...

في لبنان، الذي يتكشف في جنوبه كل يوم أكثر فأكثر مضمون مضمر كان غير معلن لما يدعى "قواعد الاشتباك"، أي استخدام القوة لغير الدفاع عن النفس من قبل قوات اليونفيل المعززة بالأساطيل الماخرة عباب شواطئه، وصلت الوقاحة بالسفير الأمريكي جفري فيلتمان، الذي يتصرف كمندوب سامٍ في بيروت، إلى قول أقرب إلى الأمر، مثل: "ممنوع تغيير الحكومة الحالية، (حكومة السنيورة)، نحن سنوفر كل ما تريده من دعم سياسي واقتصادي"!!!، مبشراً اللبنانيين ومعهم العرب بتطورات إقليمية كبرى نهاية السنة... هذا لبنانياً، أما سورياً، فلقد سربت صحيفة "يدعوت أحرونوت" الإسرائيلية وقائع كلام وجهه الرئيس الأمريكي لحلفائه الأوروبيين مثل: "لا جدوى من الحديث مع السوريين الآن عن انسحاب إسرائيلي من هضبة الجولان"...

في دارفور، يمكن التوقف أمام تصريح أوروبي يعكس صاحبه عادة بعض أصداء أو إيحاءات أمريكية، هو منسق السياسات الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي خافير سولانا، طالب فيه بحذر الطيران فوق أقليم دارفور السوداني، الأمر الذي بالإضافة إلى الإصرار الأمريكي الأوروبي على تدويل هذا الإقليم، يذكرنا بقرار حذر الطيران على الشمال والجنوب العراقي في السنوات التي سبقت ومهدت لغزوة وتدمير الدولة العراقية!

...إقليمياً، ركبت رايس صهوة "الخطر الإيراني" النووي قيد الاحتمال، متناسية الخطر النووي الإسرائيلي القائم والماثل للعيان، ورافق ذلك معزوفة أمريكية إسرائيلية رائجة و المؤسف أنها تلاقى صدى ما لدى البعض تصور أن المنطقة في طريقها لأن تغدو جبهتان: سنة مقابل شيعة أو عرب مقابل فرس، حيث تلتقي هنا كما تزعم المعزوفة مصالح ما دعتهم رايس بالبنائين مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية ويصطف بالتالي الهدّامون مع الطرف الآخر... أي عودة لتداول مقولة محور الخير مقابل محور الشر، لكن إقليمياً هذه المرة. وربما هذا هو الأمر الذي بات يدفع الولايات المتحدة لأن تتخلى مرحلياً عن استراتيجية "الفوضى الخلاقة"، وشعار نشر الديموقراطية أو ضرورة تغيير الأنظمة القائمة في سياق ضرورات حربها الكونية الدائمة ضد ماتسميه الإرهاب، مقابل نسج تحالفها الخيّر المنشود مقابل الآخر الشرير! وهنا نأتي ربما للجديد العربي الوحيد لرايس ألا وهو استبدال شعار الديموقراطية بما دعته الاعتدال!!!

...لم تأت كوندي للمنطقة لتستمع أو تبعث الحياة في ما يدعى "عملية السلام" وقد أصبحت عظامها رميماً... جاءت للترويج لبضاعتها، لذات الأجندة الأمريكية إياها في المنطقة، ومن بينها فرض وصاياها التصفوية على الفلسطينيين، بعد تمويهها بشيء معسول من كلام قديم مكرور وظيفته إيهام الواهمين، عن "رؤية بوش" الضبابية أو شعاره فاقد المضمون أو المفتقر منذ طرحه إلى الجدية والمعروف بحل الدولتين... تلك الرؤية التي لا يتذكرها صاحبها عادة إلا حيث اقتضت الحاجة شيئاً من الإيهام!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018