بعد مؤتمر "فتح": كل الملفات لا تزال مفتوحة../ هاني المصري

اليوم، السبت يمكن الاعلان عن نتائج مؤتمر "فتح" السادس. ومن الممكن المجازفة بالقول ورغم عدم انتهاء المؤتمر، بأن كل الملفات التي توقف المؤتمر أمامها ستبقى مفتوحة بعده. فالمؤتمر تأخر عقده كثيراً وعقد في وقت لم تنضج القضايا للحسم ذاتياً وموضوعيا.

وكيف يمكن إغلاق ملفات المفاوضات والمقاومة واغتيال ياسر عرفات وموقع السلطة بالنظام السياسي وعلاقتها بـ "فتح" والأنقسام ...الخ والاحتلال لا يزال قائماً والكل بانتظار تطورات محلية واقليمية ودولية حاسمة.

في كل الأحوال إن مجرد انعقاد مؤتمر "فتح" وعدم انفجاره من الداخل، يعتبر نجاحاً كبيراً لـ "فتح" ولفلسطين. كما يعتير نجاحاً لافتاً للرئيس محمود عباس شخصياً، الذي بدا في خطابه في افتتاح المؤتمر، قوياً واثقاً، كما لم يكن من قبل. فهو أخذ قرار عقد المؤتمر داخل الوطن المحتل على عاتقه رغم معارضة الأغلبية في اللجنة المركزية والمجلس الثوري.

لقد عقد المؤتمر واختتم اعماله، رغم مقاطعة أعضاء مؤسسين لحركة "فتح" مثل ابو اللطف ومحمد جهاد، ورغم عدم مشاركة معظم أعضاء المؤتمر من قطاع غزة، ورغم أن حصة الأسد من الاعضاء، بعد الزيادات المستمرة على العضوية، كانت من نصيب اعضاء "فتح" من أبناء الضفة او المقيمين فيها.

ولم يكن للمؤتمر أن ينعقد لولا موافقة إسرائيل على عقده. فإسرائيل اصدرت التصاريح لأعضاء المؤتمر من الخارج، وأبدت استعدادها لتسهيل قدومهم من قطاع غزة، ولم ترفض سوى عدد قليل من اعضاء المؤتمر. فإسرائيل استجابت للرغبة الأميركية والدولية لعقد المؤتمر لأن العالم يريد تشجيع "المعتدلين" وتقوية "فتح" حتى تستطيع العودة لقيادة السلطة الفلسطينية، وبما يمكن من استئناف المفاوضات والتوصل الى حل للصراع الذي بات العالم الآن مستعدا لحله اكثر من اي وقت مضى.

وإسرائيل أرادت من خلال موافقتها على عقد المؤتمر وتسهيل إجراءات قدوم الأعضاء أولاً أن تساعد على تحويل "فتح" إلى حزب سياسي يمثل جزءاً من الفلسطينيين ويتخلى عن البرنامج الوطني الفلسطيني وعن المقاومة لتحقيقة، وهذا يعكس رغبة ايضا لدى بعض من "فتح" والفلسطينيين عموما، أولئك الذين استفادوا من عملية السلام والمفاوضات والسلطة، ومن الانقسام الفلسطيني ايضا.

وثانياً: أرادت إسرائيل تعميق الانقسام بين "فتح" و"حماس"، وبين الضفة وغزة. وفي هذا السياق نضع غضب أوساط اسرائيلية كثيرة، بما فيهم وزراء، من عقد المؤتمر، لأنهم استمعوا الى كلمات كثيرة ترددت في المؤتمر، حتى في خطاب الرئيس الافتتاحي، تتحدث عن المقاومة وضرورة الاحتفاظ بالحق باستخدامها حتى لو لحقت بها كلمة مشروعة بها. كما غضب الإسرائيليون من بعض القرارات الصادرة عن المؤتمر، والتي حملت اسرائيل المسؤولية عن اغتيال ياسر عرفات، ووضعت شروطاً لاستئناف المفاوضات (14 شرطاً)، الامر الذي يجعل مراهنة اسرائيل على مؤتمر "فتح" ليست في محلها، أو ليست كما أرادت إسرائيل الى حد كبير، وهذا يعلمنا واخرى ان ما تريده اسرائيل ليس قدراً لا فكاك منه . فـ "فتح" كانت أول الرصاص وأول الحجارة، وصانعة الهوية الوطنية الفلسطينية، ولن تتخلى عن تاريخها وعن البندقية، ولن تنقلها من كتف الى كتف ولن تغير أعداءها، أعداء الشعب الفلسطيني بكل هذه البساطة، ليصبح الاحتلال صديقاً والشقيق عدواً.

إن الأمور تقاس بنتائجها، وبالتالي الحكم على المؤتمر لا يكتمل الا بعد اختتام اعماله، ومعرفة قرارته وخصوصاً حول القضايا التالية:

اولاً : هل قام المؤتمر بالمراجعة الشاملة والجريئة، وحاسب الفاشلين والعاجزين والمهزومين والفاسدين والمتخاذلين الذين ساهموا مساهمة بارزة في تراجع دور "فتح" الى هذا الدرك الذي نراها فيه حالياً، محاسبة حقيقية وليست معنوية فقط .

ثانيا : لا يكفي تحميل المسؤولية لإسرائيل عن اغتيال ياسر عرفات، ويجب الوقوف أمام التقصير الفادح المتمثل بعدم إجراء التحقيق.

إن عدم التحقيق الجدي في اغتيال ياسر عرفات يعود، ليس إلى مشاركة أو عدم مشاركة القيادة الفلسطينية أو أعضاء منها في هذه الجريمة (والاتهام بذلك بدون دلائل جريمة أيضا) وإنما لأن هناك اعتقاداً راسخاً لدى أوساط نافذة في القيادة الفلسطينية أن الاتفاق على تسوية مع إسرائيل في متناول اليد، وأن ياسر عرفات بعودته للمقاومة في أواخر حياته كان عقبة في وجه السلام، وأن التحقيق إذا جرى باغتيال ياسر عرفات وتحميل إسرائيل المسؤولية، كما تدل قرائن كثيرة لا تحصى، يمكن أن يساهم بإضاعة الفرصة للاتفاق على حل. فكيف يمكن للفلسطينيين حينها التفاوض بجدية مع بلد متهم باغتيال زعيمهم التاريخي ورئيسهم الشرعي المنتخب؟. إذا لم نفهم هذا الامر جيداً، سيكون مصير قرار المؤتمر حول اغتيال ياسر عرفات مشابها لمصير لجان التحقيق السابقة التي ذهبت ادراج الرياح.

ثالثا : إن مؤتمر "فتح" السادس، يمكن أن يكون مؤتمر انقاذ الدولة الفلسطينية أو دفن هذا الحلم الفلسطيني. فالرئيس ابو مازن، رئيس "فتح"، حدد ملامح استراتيجيته في خطابه الافتتاحي . فهو اعترف لأول مرة، على الأقل علناً، بان السلطة الفلسطينية القائمة تمثل حكما ذاتيا محدودا، وأن الهدف الناظم للسياسة الفلسطينية في المرحلة القادمة، هو تحويل هذا الواقع من خلال المفاوضات الى دولة حقيقية، اعتماداً على تقديم "نموذج فلسطيني إيجابي" ملتزم بتطبيق الالتزامات الفلسطينية بخارطة الطريق وإثبات جدارة الفلسطينيين بالحرية والاستقلال من خلال إثبات جدارتهم في بناء مجتمع وقيادة شعب ضمن آليات ومفاهيم القرن الحادي والعشرين .

إن تحويل الحكم الذاتي المحدود الى دولة لا يمكن أن يتم عن الطريق المشار إليه وحده، لسبب بسيط جداً ولكنه حاسم، وهو أن هذا الطريق جرب وفشل أو أفشل لا فرق، وأن اسرائيل الدولة التي قامت على حساب الفلسطينيين لا تعتبر نفسها دولة محتلة حتى للأراضي المحتلة عام 1967، وإنما، هي، وكما جاء في خطاب نتنياهو الشهير، دولة حررت أرض إسرائيل وتبدي استعدادها في حال توفر شروط معينة، تعرف جيدا استحالة توفرها، لكي توافق على قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح على جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

حتى يتحول الحكم الذاتي الى دولة مستقلة، يجب أن يعود المجتمع الدولي و الولايات المتحدة الأميركية تحديدا للتعامل مع اسرائيل كدولة محتلة، مثلما كانت السياسة الأميركية في عهد الإدارات الأميركية منذ عام 1967 وحتى تولي بيل كلينتون سدة الرئاسة الأميركية، حيث قام بتغيير السياسة الأميركية وأصبحت تعتمد على مفهوم السلام بدلاً عن إزالة الأحتلال، وتعاملت مع الصراع وكأنه نزاع على الأرض والحدود، وليس صراعاً بين شعب محتل وقوة احتلال.

وحتى يحدث ذلك يجب أن يكف الفلسطينيون عن التصرف، كما فعلوا خلال السنوات القليلة الماضية، وكأنهم اعتادوا الاحتلال أو يستطيعوا تجاهل الاحتلال والتصرف كأنه لم يعد موجوداً، و كأنهم قادرون على إقامة دولة أو مؤسسات دولة تحت الاحتلال. لا يمكن أن تقوم الدولة الا بعد إزالة الاحتلال. وإذا استمرت عملية البناء تحت الاحتلال، فهذا يعني أن الدولة التي ستقام ستكون مفصلة على مقاس الشروط الإسرائيلية، أي لن تكون دولة بمعنى الكلمة وانما حكم ذاتي موسع هذه المرة، أشبه بمحمية اسرائيلية قد تحمل اسم دولة .

في هذا السياق على عاتق مؤتمر "فتح" مهمه عظيمة، وهي إثبات قدرة "فتح" على تغيير المسار الذي سارت به في السنوات الأخيرة، واعتماد مسار جديد تكون المقاومة هي رافعته الكبرى بوصفها وحدها قادرة على تحويل الحكم الذاتي الى دولة، وليس مدى التزام الفلسطينيين بتنفيذ ما تطلبه اسرائيل أو المجتمع الدولي منهم .

ما سبق لا يعني دعوة الى المقاومة المسلحة. فالسلطة والمقاومة المسلحة لا يجتمعان، وانما الى اعتماد استراتيجية مقاومة شعبية بدونها لا يمكن للمفاوضات أن توصلنا إلى الدولة. فلا يكفي الحديث عن احتفاظ الشعب الفلسطيني بحقه بالمقاومة، كما لا يكفي ممارسة مقاومة رمزية في نعلين وبلعين وغيرهما، بل يجب جعل المقاومة للمنظمة والسلطة والفصائل والأحزاب والشعب أولوية الأولويات جميعاً.

رابعاً : إن نتائج المؤتمر ستتحدد، و تكون إلى الأمام أو الخلف أو مراوحة في نفس المكان عندما يتم انتخاب اللجنة المركزية والمجلس الثوري ومعرفة حجم تمثيل الآراء والاتجاهات والتيارات المختلفة. إن الأمر الحاسم هو هل سينتخب مؤتمر "فتح" قيادة قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني، وليس أن تكون مكونة من عناصر قيادية شابة أو جديدة، أو قديمة أو تاريخية. كما أن نتائج المؤتمر ستتحدد على ضوء الأستراتيجيات التي سيعتمدها القادرة على تطبيق البرنامج الوطني .

فمن أكثر ما يزعج هو عدم إعطاء الأولوية، قبل وأثناء المؤتمر، للبرنامج السياسي والاستراتيجيات الكفيلة لتحقيقه. فتكرار عبارات مثل لا يوجد خلافات داخل "فتح" على البرنامج السياسي، و أن الجميع متفق عليه، أمر مضلل ويجب الإقلاع عنه . فالحقائق المتلاحقه تشير الى وجود تيارات مختلفة، داخل "فتح" و خارجها، بعضها تعتبر أن الفلسطينيين هزموا وعليهم أن يدفعوا فواتير الهزيمة لأسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، على أمل أن يؤدي ذلك بأن يخرج الشعب الفلسطيني بأي شيء على أساس إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لقد تآكل البرنامح السياسي خلال السنوات العشرين الماضية، وأصبحت المفاوضات خياراً استراتيجياً وحيداً الى الأبد، و بلا مرجعية، وأن إسرائيل استخدمتها لفرض أمر واقع يجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد الممكن. وأصبحت السلطة غاية في حد ذاتها وبديلا عن المنظمة، واصبح سر بقائها قدرتها على المساهمة بتوفير الأمن الاسرائيلي. فلا تكفي مطالبة أسرائيل بوقف الإستيطان، وإنما المطلوب اعتراف اسرائيل بأنها محتلة ومسؤولة عن مأساة اللاجئين لكي يتم التفاوض معها بعد ذلك لحل مشكلة اللاجئين وإنهاء الاحتلال وكل ما بني عليه من استيطان وجدران وحصار واعتقالات ........الخ

مرة أخرى أجازف واقول إن مؤتمرا واحدا لن يغير واقع "فتح"، ويمكن أن يكون خطوة في هذا الاتجاه .. أو ذاك.

إن المهم أن لا تتحول "فتح" الى حزب سياسي للسلطة وتمثل جزءا من الشعب الفلسطيني وتتخلى عن البرنامج الوطني الفلسطيني وعن المقاومة، أي عن كونها حركة تحرر وطني استطاعت أن توحد الفلسطينيين وتقودهم على طريق الحرية والعودة والاستقلال.

فما دام الاحتلال قائماً والاستيطان زاحفاً، وما دامت تحكم إسرائيل حكومة تعتبر أن اراضي فلسطين كلها محررة فلن يكون هنالك بديل عن الوحدة الوطنية والمقاومة، وعن التمسك بالبرنامج الوطني .

فـ "فتح" لم تعد كما كانت ولن تعود، ومن المفترض أن تصبح أفضل مما كانت، وبمقدورها ان تصبح كذلك إذا استخلصت الدروس والعبر من التجارب السابقة وتخلصت من الترهل والتسيب والفساد والعناصر المتخاذلة، وحافظت على نفسها كفصيل مستقل يقود المنظمة والسلطة بدون الاندماج الكامل بهما.

لقد عقد مؤتمر "فتح" وانتهى أو يكاد ينتهي والأسئلة التي طرحها لا تزال مطروحة، والملفات التي فتحها ستبقى مفتوحة. فحتى نجيب على هذه الأسئلة ونغلق الملفات نحن بحاجة إلى نهج دائم من الإصلاح والتجديد والتغيير والمؤتمرات الدائمة المنتظمة وليس إلى مؤتمر واحد. !!

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019