بلير... عربياً ولبنانياً من الالتحاق إلى الاستباق../ معن بشور

بغض النظر عن التفسيرات المتعددة التي حاول اركان الادارة الاميركية (وبينهم بوش ونائبه ديك تشيني ووزيرة خارجيته رايس)، اعطاءها لقرار رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير (شريكهم في السراء والضراء)، بجدولة الانسحاب البريطاني من العراق، فان هذا القرار يشكل نقطة تحول هامة في مسار الحرب والاحتلال في العراق، ويظهر ان بلير الذي كان مشهورا ومعتزا بالتحاقه بقرار واشنطن في كل الشؤون الدولية، اخذ يعلن استقلاله مستبقا قرار الانسحاب، ومغادرا سفينة الاحتلال الغارقة في مياه الرافدين المائجة بالمقاومة والمواجهة الدامية.

ولعل مسارعة دول كالدنمارك ورومانيا الى اعلان الانسحاب السريع، والحديث عن احتمال اعلان هوارد الوثيق الصلة ببوش وبلير عن رغبته سحب قواته الاسترالية، مما يسمى بالقوات المتعددة الجنسيات (الاسم الذي اطلقه المجتمع الدولي على قوات الاحتلال)، يشير الى ان قرار بلير لم يكن مجرد محاولة اخيرة منه لاستمالة البريطانيين الناقمين على انخراط بلادهم في الحرب على العراق، وهو يعد نفسه لمغادرة السلطة بعد أسابيع، كما لم يكن فقط، كما يبدو، محاولة لانقاذ جنوده من نيران مقاومة اخذت تتصاعد في أماكن تواجدهم في جنوب العراق، وهي نيران مرشحة للتزايد مع تصاعد احتمالات المواجهة الغربية مع طهران، بل هو بشكل خاص بداية عد عكسي لعملية احتلال العراق، ورضوخ لارادة العراقيين ومنظماتهم المقاومة التي اعلنت منذ البداية ان لا مفاوضات مع ادارة الاحتلال قبل الاعلان عن جدولة انسحاب قواتها من العراق، وهو بالضبط ما أعلنه بالأمس بلير، رغم رفضه على مدى سنوات الاقدام على مثل هذا الاعلان.

وليس من قبيل الصدف ابدا ان يتحدث بوش عن قرار بلير كتمهيد لاحتمالات جديدة لسياسته في العراق، خصوصا ان خطته الامنية الجديدة في العراق تتحول الى فشل مطلق لن يقلل من حدته العنف الذي تمارسه قوات الاحتلال وادواتها ضد حياة العراقيين، كما ضد كرامتهم واعراضهم.
فهل من انعكاسات لهذا الاتجاه الجديد في التعامل مع المسألة العراقية على اوضاع المنطقة، وخصوصا على لبنان.

منذ أحداث 11 ايلول/سبتمبر 2001 وتحديدا بعد احتلال العراق، ساد في لبنان، كما في المنطقة والعالم، تحليل خلاصته ان العالم قد سقط نهائيا في يد الهيمنة الاميركية الأحادية، وأن النباهة والفطنة تتطلبان إدراك هذه الحقيقة، والتكيف معها إلى درجة الانصياع لكل املاءاتها ومتطلباتها. فالسياسة الاميركية قدر لا مرد له، وأي خروج عليه يؤدي حتما الى القضاء على الخارجين عليه.

وفي ضوء هذا التحليل حصلت تغيرات، وأحيانا انقلابات، حاسمة في مواقف أفراد وجماعات وحكومات ودول من مجمل القضايا الوطنية والقومية والعالمية.

فهل يمكن اليوم، في ظل ما يعكسه الأفق المسدود للمشروع الأميركي ـ البريطاني في العراق، والذي عبّر عنه بلير بكل وضوح، إجراء المراجعة الجذرية لسياسات ومراهنات ومواقف كان لها، وما زال، تداعيات خصوصا في لبنان.

هل يخرج اليوم من صفوف أصحاب التحليل «السبتمبري» (نسبة الى 11 سبتمبر) من يظهر استعدادا للتكيف مع المعطيات الجديدة، ولإغلاق كل حساباته التي أجراها في ظل المعطيات القديمة؟

هل نجد بيننا، وخصوصا في لبنان، من يلاحظ بدقة أنه وهو يحاول الفصل بين الأزمة اللبنانية وأزمة الصراع العربي ـ الصهيوني، تحت شعار أنه لا يجوز أن يتحمل لبنان وحده تبعات هذا الصراع (وهو شعار جذاب لكنه بحاجة الى تدقيق)، إنه ربط أزمة لبنان بالعديد من الأزمات الإقليمية والدولية، بما فيها الأزمة العراقية ذاتها، وهي أزمة قادت مع احتلال العراق الى تصاعد الضغط الأميركي من أجل تغيير جذري في المعادلات الحاكمة في لبنان آنذاك، وتتحول اليوم الى نموذج يجري دفع لبنان الى الاقتداء به باعتبار ان «النموذج العراقي» هو النموذج «الديموقراطي» المطلوب تعميمه في المنطقة.

طبعا ليس قرار بلير وحده ما يحتاج الى وقفة، بل هناك أمور عدة تحتاج الى وقفات بدءا باهتزاز الكيان الصهيوني بعد حرب تموز، الى التحولات الهامة في أميركا اللاتينية، الى حل الأزمة الكورية الشمالية بما يرضي قادتها، والى إعلان الانتفاضة البوتينية الروسية ضد القطبية الأحادية الأميركية التي وصلت الى حد محاصرة الاتحاد الروسي بأنظمة صاروخية في بولندا وتشيكيا واوكرانيا، والى التحذيرات الأميركية من نمو القدرات العسكرية الصينية، والى الاخفاقات في أفغانستان بعد العراق والإستجداء الأميركي لإرسال قوات الى البلدين، والى تمسك الفلسطينيين بوحدتهم رغم التحذيرات الأميركية ـ الصهيونية، والى إفلات سوريا من قضبان العزلة التي حاولوا ليّ ذراعها من خلالها، والى ارتباك الغرب في التعامل مع المشروع النووي السلمي الإيراني، والى احتمالات بروز مواقف عربية مستقلة نسبيا عن الإملاءات الأميركية بدأت تطل علينا من الرياض التي رعت لقـاء (مكة المكرمة الفلسطيني) والتي تسعى مع طهران، وعبرها مع دمشق ودول اخرى، لصياغة حل للأزمة اللبنانية.

لكن بين كل هذه التحولات، يبقى القرار البريطاني الأخير ذا تأثير متميز، لا لأنه يتصل بالقضية العراقية التي شكلت ذروة الهجوم الأميركي على المنطقة والعالم فقط، بل لأنه يشير أيضا إلى وصول الإختلالات الجديدة في موازين القوى التي بدأت تلمسها «إدارة بوش» ومحافظوها الجدد لغير صالحها الى ذروتها، سواء على المستوى الداخلي من خلال الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي وتقرير بيكر ـ هاملتون أو على المستوى الدولي من خلال حرب باردة جديدة بدأت تطل في الأفق مع الموقف الروسي الحار، وبشكل خاص على مستوى الحلفاء كما ظهر بالأمس مع موقف بريطانيا والدنمارك وربما أستراليا.

ان اهتزاز علاقة واشنطن بحلفائها، واهتزاز صورة إدارة بوش أمام الأميركيين أنفسهم، مجتمعا وكونغرسا، ديموقراطيين وجمهوريين، ما كان لهما ان يحصلا لولا بطولات المقاومة العراقية وانجازاتها ورغم محاولات تشويهها وربطها بجرائم ضد العراقيين، ولولا انهيار أسطورة التفوق الصهيوني على يد المقاومة اللبنانية، ولولا الاصرار التاريخي لشعب فلسطين على التمسك بحقوقه رغم قرون من النضال والتضحية، ما يتطلب منا جميعا أن نتطلع الى حركات المقاومة في الأمة كقوة لنا جميعا، فندعمها جميعا بدلا من التنصل من بعضها او التمييز بينها، ونصونها كلها بدلا من التخلي عن بعض منظماتها او التحيز لبعضها على حساب البعض. كما ندعو هذه الحركات بالمقابل الى التنسيق بينها على امتداد الأمة وعلى السعي لتعزيز الوحدة داخل الكيانات الوطنية وعلى مستوى الأمة، لأن السلاح الأفعل والأخير لأعداء الأمة هو سلاح الفتنة بعد فشل كل الأسلحة الأخرى، ولأن تعطيل هذا السلاح هـو المدخل لتحرير الأمة ونهوضها.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018