بوش... وبرشلونة... وكردستان الإسرائيلية!/ عبد اللطيف مهنا

المشروع الأمريكي الكوني في آخر طبعاته الإمبراطورية الممهورة بصبوة "المحافظين الجدد" يواجه صعوبات جمة، وهي صعوبات بحجم مداه الكوني، وعدم تواضع استهدافاته غير المعلنة، وتعقيدات ترامي ساحاته المختلفة. لكنه لا زال قائماً في رؤوس أصحابه، عزيزاً على نفوسهم، و يجتهدون للإبقاء على زخمه. ويبذلون الغالي والرخيص لتزيين تمظهراته في نظر الأمريكان، وتهوين تضحياتهم من أجل استمراره... ويطالبونهم، وهم يستثيرون فيهم الحمية الوطنية وعقدة الحادي عشر من سبتمبر، بالصبر الجميل!

والمشروع الأمريكي، وفيما يخصنا منه كعرب، أي في العراق، وباقي الوطن العربي، وحتى جواره الإسلامي، يتعثر، لكنه لا ينكفئ من تلقاء نفسه، أو الأصح لا يتحمل انكفاءً، أي أنه لن يقدم على ذلك ما لم يطرد. وحيث من السابق لآوانه الحديث عن مثل هذا الاحتمال، فهو يحاور ويناور ويداور لتلمس سبل نجاحه وأشكال بقائه بأقل الخسائر ميدانياً، وأقل الانتكاسات الخطرة على صعيد الداخل الأمريكي. وضمان الحد الأدنى من السكوت أو التواطؤ الدولي، والحد الأقصى من الاستلاب أو الارتهان وديمومة حالة العجز العربي...

لعل هذا الاستنتاج يجد ما يؤيده إذا ما تأملنا في ثلاثة مؤشرات هي الأقرب منا زمنياً، بل عمرها لم يكمل أسبوعاً بعد، تتمثل، ليس من حيث التوالي وقوعاً وإنما من حيث الأهمية، في الآتي:

أولاً، ما سيعرف بخطاب "انابولس" أو هذه الكلمة المطولة المكتظة بالتفاصيل والمشبعة سطورها بالمكرور الذي سبق قوله عديد المرات، والتي ألقاها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في حشد منتقى من جنوده في الأكاديمية العسكرية البحرية، مطلقاً عبرها ما دعاها "الاستراتيجية الوطنية للنصر في العراق".

وثانياً، ما تمخض عنه جبل قمة برشلونة للشراكة الأورومتوسطية، أو مسك الختام لمسيرة مثقلة بالوعود والأحلام والتكاذب بدأت قبل عقد ونصف، لتلد، بعد مخاض كشف عن رحم عقيم، إعلاناً رئاسياً جاء تعويضاً عن فشل في التوافق على بيان ختامي، أو التوصل إلى توافق مفترض حول ما دعي "وثيقة تشكل رؤية مشتركة" لما قيل أن القمة قد عقدت أصلاً من أجلها، أي المواضيع المدرجة على جدول طموحاتها الخلبية.

وثالثاً، ما كشفت عنه صحيفة "يدعوت احرونوت" الإسرائيلية، من تعاون إسرائيلي كردي واسع النطاق امنياً وإقتصادياً، وصل حد ما دعته بالشراكة بين هذين الطرفين في هذين المجالين، والتي بلغت مبلغاً لعل أقله كان ما ذكرت أنه شروع الإسرائيليين في بناء مطار دولي أطلق عليه "هولر" بالقرب من مدينة أربيل، وإنشائهم لقاعدة عسكرية سرية في مناطق جبلية منعزلة، بإشراف شركة إسرائيلية ذات منشأ موسادي... القاعدة تدعى "Z" مخصصة لتدريب المقاتلين الأكراد من قبل ما قالت الصحيفة إنهم "عشرات الإسرائيليين ذوي الخلفية القتالية الفائقة"... ووصولاً إلى كل ما يوحي، من خلال ما ذكرته، بإننا إزاء كردستان إسرائيلية، حيث تقول "يدعوت احرونوت" أن "تواجد الإسرائيليين في شمال العراق هو جزء من نشاط واسع النطاق يجري بالتعاون مع الحكم الكردي"...

... والآن، ما هو القاسم المشترك بين آنابولس وبرشلونة وأربيل؟!

أو ما هو الجامع المشترك بين هاته المؤشرات الثلاثة، وما علاقته بالمشروع الأمريكي المتعثر وغير المنكفئ في بلادنا؟!
لنبدأ من انابولس...
إن أول ما يمكن قوله حول خطاب الرئيس الأمريكي هو أن خلف لهجته العنترية، وما بين سطوره المسهبة، يكمن إحساس لا تخطئه فطنة، يشي بثقل ضغوط لا يستهان بها تواجهها الإدارة الأمريكية، وتلاحق تداعياته محافظيها الجدد.

أولها: ضغط الرأي العام الأمريكي البادئ في التململ، والذي في أغلبه أصبح غير مقتنع بحروب إدارته الاستباقية، وتنتابه الشكوك في جدوى حروبها الضروس ضد ما يسمى "الإرهاب". أو غدا يشعر بثقل تكاليفها وعقم نتائجها وزيف ذرائعها.

وثانيها: ضغوط الانتخابات التشريعية الأمريكية المقتربة مواعيدها، والتي يخشى الجمهوريون أن يفقدوا في صناديقها مقاعدهم جراء حماقات الإدارة وجموح محافظيها وإفادة الديمقراطيين من تلك الحماقة المشهود لها وذلك الجموح الخطر...

وثالثها: ضغوط الورطة العراقية الناجمة عن غزوة بُررت بدايةً بملحمة من الأكاذيب وحصدت لاحقاً تعثراً بادياً في المشروع كان كفيلاً بازدياد الأصوات المذعورة، أو الأكثر حكمة... حتى بين الجمهوريين... التي ترتفع مطالبة بالمسارعة إلى الخروج من الورطة المستحفلة، وإعادة الجنود الأمريكان أحياءً إلى بلادهم.

لكن ما يمكن قوله أيضاً، هو أن "خطة النصر" البوشية، تحمل في ثناياها كل ما يدعو للظن بأن هذه الإدارة رغم إحساسها بوطأة بتلك الضغوط، قد غدت، نظراً لطبيعتها، لا تملك ترف التراجع، ولا المقدرة على عدم الإمعان في محاولتها المستميتة الالتفاف عليها أو، عل الأقل، التظاهر بتجاهلها...

في آنابولس، سمعنا ذات الكلام الرئاسي السابق المكرور: لا بديل من النصر الكامل، ولن نخرج من العراق قبل أن ننجز المهمة التي ذهبنا من أجلها، ولن نهرب أمام الإرهابيين لأن كل تراجع من قبلنا سوف يعني أنهم سوف يلحقون بنا إلى الولايات المتحدة... وبإختصار، لا جدولة للانسحاب... أما كيف ومتى ننجز المهمة وننتصر، أو نقترب من يوم الانتصار الكامل المطلوب الذي سوف يقربنا من يوم العودة من هناك مكللين بالغار؟!
الرئيس يجيب، بجملة من الشعارات التي أثبتت الأيام أن دونها خرط القتاد، ومن أجل تحقيقها يسيّل الاحتلال يومياً دماء العراقيين، ومنها: أن يحل العراقيون، أو عراقيو الاحتلال، محل القوات الأمريكية في محاربة المقاومة، وإنجاز ما يدعى المسار السياسي تحت حراب الغزاة وفي مواعيده المقررة من واشنطن، وبناء "الديمقراطية" المطلوبة تحت تلك الحراب، والتي سوف تحرسها مستقبلاً، ونيابة عن المحتلين الذين سيركنون إلى قواعدهم، القوى الأمنية المحلية التي يبنيها أيضاً هؤلاء الغزاة... وأخيراً إعادة الأعمار الذي يزداد ما تبقى منه تهدماً، والإفادة من الطاقات الاقتصادية العراقية المستباحة والتي تنهار أو تنهب على مدار الساعة... أي لا عودة منتصرة من العراق إلا بعد تحقيق ما يسميه رئيس الولايات المتحدة، عراق آمن، مندمج تماماً (وفق الطريقة الأمريكية) في المجموعة الدولية، وشريك كامل للولايات المتحدة في حربها الكونية على الإرهاب... أي لكم أن تتصورا، في هذه الحالة، متى سوف يحين موعد إنجاز خطة النصر تلك، أو أوان إنجاز تلك المهمة الخيرية الأمريكية العتيدة في العراق؟! هذا إذا تجاهلنا من حيث المبدأ الأهداف الإمبراطورية الاستراتيجية الكامنة أصلاً وراء غزو العراق، والتي يصعب تغطيتها بغربال الشعارات المكرورة أياها، التي حفل بها خطاب بل خطابات الرئيس الأمريكي على امتداد فترته الرئاسية الأولى وصدر الثانية السائرة إلى النهاية بعد ما لا يزيد عن ثلاثة سنوات لا أكثر!

برشلونة... بعد عقد من السنين على بدء مسارها، ما الذي حققته لضفتي المتوسط كليهما، أي شمالاً وجنوباً؟
من السخف التحدث عن ما جناه الجنوب من ركيزتين من ركائز هذا المسار الثلاث المزعومة، وهما، دعم التنمية، وترسيخ دولة القانون واحترام حقوق الإنسان وبسط الديمقراطية. لكن الشمال أفاد أيما إفادة من ركيزته الثالثة، أي: تعزيز التعاون الأمني... كانت شراكة من طرف واحد، قامت في جوهرها لحماية الأمن الأوروبي من أخطار ثلاث، هي الهجرة، المخدرات، والجريمة المنظمة... وبعد 11 سبتمبر، أضيف لها ما يسمى الإرهاب، وأخيراً التطرف الإسلامي، وفق آخر وثائق وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي... ولا ننسى أن نضيف مكسبين آخرين هما: سوق حرة في الجنوب تستبيحها إقتصاديات الشمال الأغنى والأقوى والأكثر تقدماً، وفرض التطبيع مع إسرائيل على عرب المسعى للشراكة الأورومتوسطية...

ما تقدم يفسر لنا كيف رفض الأوروبيون الإشارة في الوثيقة، أو البيان الذي لم يصدر، مجرد عبارة "حق الناس تحت الاتحلال الأجنبي" في إنهاء هذا الاحتلال! وكيف رفضوا التفريق بين المقاومة والإرهاب... باختصار لعل أهم ما أُتفق عليه هو مكافحة ما تسمى الهجرة غير الشرعية إلى القارة التي يستحيل عليها أن تواصل ثرائها بدون من قد تعتبرهم مهاجرين شرعيين، أي من سوف تختارهم بنفسها لكي يهاجروا إليها لأنها في أمس الحاجة إلى عرقهم لكي تزيد هذا الثراء على حساب إفقار بلدانهم الأصلية...

لقد لخصت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الأسباب وراء ما دعته نتيجة برشلونة، فأعادتها إلى "بناء الثقة والتقارب الإسرائيلي الأوروبي"، واعتبرتها من زاوية النظرة الإسرائيلية مشجعة، مثلها مثل أمور أخرى عددتها وهي:

"التعاون مع أوروبا في الأمم المتحدة، الدعم الأوروبي لمكافحة اللاسامية، قرار تحديد يوم عالمي للمحرقة، التفاهم بالنسبة لسوريا ولبنان، شفافية السياسة الأوروبية تجاه إيران، التنديد بتصريحات الرئيس الإيراني الداعية لشطب إسرائيل من الخريطة"... وأضافت إليها: التقارب مع الأطلسي منذ بدء الإدارة الثانية لبوش، وسحب تقرير قناصل الاتحاد الأوروبي حول تهويد القدس، والمساعدة الأوروبية في ضبط معبر رفح... مسار برشلونة يذكرنا بالحوار العربي الأوروبي عام 1974في أعقاب حرب أكتوبر، والذي كان الهدف منه لا يعدو هاجس تأمين الطاقة النفطية للجانب الأوروبي لا أكثر!

المسار يقطع بأمركة السياسة الأوروبية، وحيث الأمن الأوروبي، وبإجماع الأوروبيين، يتقاطع مع الأجندة الأمريكية لمكافحة الإرهاب، تتبدى لنا العلاقة الوثيقة بين أنابولس ولشبونة... وإندغام المشاريع الأوروبية الصغيرة في المشروع الأمريكي الأكبر... المتعثر لكن غير المنكفئ كما اتضح من خطاب الرئيس الأمريكي!

...في التعاون أو الشراكة الكردية الإسرائيلية... تتحدث "يدعوت أحرونوت" عن "شركات إسرائيلية رائدة وعلى رأسها موتورولا وميغل اللتان تزودان بالمعدات والقوى البشرية مشاريع بمئات الملايين... المشروع الرئيس لهاتين الشركتين هو إقامة مطار دولي أًطلق عليه هولمر قرب مدينة أربيل. وهذا المطار الذي يقام سراً تقول الصحيفة أنه يعد "رمز التطلع القومي الكردي. في نظرهم هو خطوة جوهرية في الطريق لإقامة دولة مستقلة"... وتعدد "يديعوت أحرونوت" المعدات الإسرائيلية المرسلة إلى كردستان العراق على الوجه التالي:
"أطنان من المعدات بما في ذلك عشرات الدراجات، والتركتورات الصغيرة، الكلاب لاكتشاف المواد الناسفة، أنظمة تطوير الكلاشينكوف، ستر واقية، ملابس وطاسات عسكرية، وكل شيء إنتاج إسرائيلي"...

أما حول تلك القوى البشرية الإسرائيلية فتقول: "مدربو الأكراد هم إسرائيليون، من خريجي الوحدات القتالية المختارة، ممن يدخلون ويخرجون إلى العراق عبر الحدود التركية بجوازات سفر إسرائيلية في ظل التظاهر بأنهم مهندسو طرقات وخبراء زراعيون". أما حول مهمتهم فتقول: لقد "دخلوا شمالي العراق في السنة والنصف الأخيرتين كي يقيموا وحدات كردية خاصة للحراسة ومكافحة الإرهاب"! وتطنب الصحيفة في تعداد مزايا رجل الأعمال الإسرائيلي شلومو ميكس الذي "يحقق شراكة تجارية كاملة مع الحكم الكردي، والذي أصبح الذراع المركزي لتنفيذ عملية التنمية الإقتصادية والأمنية للأكراد في شمالي العراق" ولا تنسى الإشارة إلى أن هذا الرجل هو شريك لداني ياتوم رئيس الموساد السابق وعضو الكنيست الحالي الذي أسس بعد انتهاء رئاسته للموساد شركة استشارات استراتيجية، ومن "أقام الاتصال الأول مع الحكم الكردي".

...يبقى أن نقول أن شركة موتورولا كان لها تعقيب على ما ذكرته يدعوت احرونوت هو:
قالت إنها "شركة متعددة الجنسيات تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، تسوّق أجهزة اتصالات لعملاء في أكثر من سبعين دولة في أرجاء العالم، بما في ذلك العراق، حيث ساعدت في إقامة خدمة الهاتف الخلوي للشعب العراقي، كما أنها زودت العراقيين بأجهزة اتصال لا سلكية لمساعدة أجهزة الأمن وأنظمة الطوارئ. وكل نشاطات موتورولا العالمية تتم بموجب القوانين الأمريكية، وقوانين الدول المحلية"!

إذن المشروع الأمريكي يواجه الصعوبات كونياً ويتعثر عراقياً، لكنه يتأقلم مع الصعوبات ويحاول الالتفاف على أسباب التعثر، قال هذا بوش في آنابولس مخيباً آمال من يراهنون على المطالبة المتزايدة بجدولة انسحاب المحتلين من العراق...

اندرج مشروع الأوروبيين تحت مظلة المشروع الأكبر وكانوا فرعاً له لا أصلاً في برشلونة... وزحف الإسرائيليون تحت ذات المظلة إلى أربيل ولم يكتفوا فوصلوا عبر موتورولا وسواها إلى بغداد... المشروع الأمريكي في العراق... والوطن العربي، والجوار الإسلامي، والعالم، استراتيجي لا يملك ترف الانكفاء من تلقاء نفسه، وإنما يقاوم ويطرد فحسب... وهنا نأتي إلى مؤشر رابع مضاد هذه المرة، أنه ما قد تعنيه أنباء سيطرة المقاومين العراقيين على الرمادي، أو تحريرها... لمدة أربع ساعات، وفي وضح النهار..!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018