بين العروبة والإسلام.. ملاحظات أوّلية / د.طيب تيزيني

تتعاظم وتيرة السجالات والمناقشات حول العروبة والإسلام، كلما تعاظمت وتيرة السجالات والمناقشات السياسية بين أطراف إسلامية (ترى في الإسلام ديناً لها دون الحيلولة من أن ترى فيه إيديولوجيا سياسية مدنية)، وبين أطراف إسلاموية (ترى في الإسلام دينها ومرجعيتها السياسية في دولة دينية).

كما تتعاظم وتيرة المناقشات السياسية والفكرية بين أطراف مسلمة وأخرى علمانية تتمثل في مبدئها الشهير: الدين لله والوطن للجميع.

يدور الحديث على ذلك بسببٍ من أن أطرافاً من المعارضة الإسلامية ومن الإدارات الثقافية الرسمية في سوريا، تهتم بالخطاب الإسلامي وبعلاقاته المحتملة مع العروبة والحداثة والتقدم والديمقراطية، وغيرها من مفردات العصر. وقد يظهر أن الثنائية الأولى (بين الإسلام والعروبة) هي الأكثر حضوراً على صعيد الكلام عن الوطنية والوحدة الوطنية والمشروع الوطني أو القومي.

وثمة مثالان بارزان في الفكر العربي المعاصر، الذي يبدأ بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، يقدمان رؤية تقوم على حدٍ معين من التوازن بين طرفي المعادلة المذكورة، أما المثال الأول فيعلنه عبدالعزيز الدوري في كتابه "الجذور التاريخية للشعوبية" (صدر عام 1962)، في حين يعلن مُنحْ الصلح من لبنان المثال الثاني في بحثه "الإسلام وحركة التحرر العربي" (صدر عام 1973).

ونلاحظ أن كلاً من الباحثين يلحُّ على نمط من العلاقة المتبادلة بين المفهومين المذكورين، العروبة والإسلام. فالأول منهما يكتب: إن "سلطان العرب كان يستند إلى الإسلام، إذ إنه قام به واستقام به". أما الباحث الثاني فيخطو خطوة أخرى إلى أمام، حين يكتب: "إن الأمة العربية تكونت ودخلت التاريخ وهي تصنع الإسلام، كما أن الإسلام ولد وبلغ شأوه وهو يصنع الأمة العربية".

وقد يمكن استنباط أو استدراج مُشكلٍ في حالِ أخذ بالرأي الثاني. وموضعُ الإشكال ها هنا يكمن في النظر إلى العلاقة بين الإسلام والأمة العربية بمثابتها قائمة على نحو شَرْطِي متبادل، خصوصاً في الشّق الذي يرى أن "الإسلام وُلد وبلغ شأوه وهو يصنع الأمة العربية". وكما هو واضح، فإن مَن يقف على هذه الصيغة نقدياً، يرى أن "الأمة العربية" أسبق في التاريخ من الإسلام، مِمّا يفضي إلى نتيجة ذات راهنية سياسية وسوسيوثقافية وربما كذلك حضارية، وهي أن العرب المكوِّنين لهذه الأمة هم قاعدة التطور التاريخي الذي لحق بهم بكل ما تكوّن فيه من تجليات ثقافية ودينية وغيرها، ومن ضمنها الإسلام نفسه، وكذلك النصرانية والمسيحية الشرقية وغيرهما.

ونحن نلاحظ أن مثل هذا السجال الديني اللاهوتي والتاريخي يكمن -غالباً- في قاعدة الخطاب الديني العربي الإسلامي وغير الإسلامي الراهن، لكن دون الإفصاح عنه وبصيغةٍ مسكوتٍ عنها. وفي هذه الحال، يُستشهد بقولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الشهيرة، وهي إن العرب مادة الإسلام، أي إنهم المادة التي تلقفها الإسلام ولم يصنعها.

وفي هذا السياق، قد يرى البعض أن الإسلام "لم يصنع الأمة"، وإنما أسس إيديولوجياً دينياً لإمبراطورية إسلامية عربية اشتملت على أنماط من الشعوب المختلفة، التي كان العرب في مقدمتها، وقادتهم في عدة حقب تاريخية. وبتعبير آخر يمكن القول -وفق ذلك وبتأويل معين لقولة عمر بن الخطاب- إن الإسلام انطلق من العرب بكل تكوناتهم، ومثّل شخصيةَ الوريث الشرعي لكل ما أنتجوه من أفكار وتصورات وعقائد، بعد أن أعاد بناءها بمقتضى عصره. وبهذا الاعتبار، يغدو القول وارداً بكون الإسلام متضمّناً دلالتين اثنتين، واحدة اعتقادية وأخرى حضارية، الأولى تموضعت خصوصاً في حقل العرب المسلمين، في حين تجسّدت الثانية بكل ما أنتجه العرب حتى حينه، أي بالبعد الحضاري.

إن هذه الفكرة تؤسس للقول إن العرب كلهم مسلمون، وإن الإسلام (الحضاري) يمثل ناظماً مشتركاً بين هؤلاء العرب، بقدر ما يمثل العرب غير المسلمين محطات وتجليات في الإسلام. وهذا يفصح عن الواقعة المتحدّرة من التراث العربي وهي أن عمر بن الخطاب رفض أخذ ضريبة من مسيحيين ونصارى، لأنه اعتبرهم عرباً منتشرين في الجزيرة وما يمتد منها وإليها.

ولعله من المفيد والمحفّز أن يجري التعمق فيها، بعد أن اكتشف العرب -أخيراً- المشاريع الاستعمارية، الساعية إلى تفتيت العالم العربي وإنهاء العروبة والإسلام والمسيحية والنصرانية الشرقية بصفتها تجليات من الهُوية العربية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018