بين " لافروف" و" رايس"../ راسم عبيدات

يبدو أن روسيا تحاول أن تستعيد جزءاً من دورها وهيبتها في منطقة الشرق الأوسط، ولذلك رأينا كيف أن روسيا ميزت موقفها عن المواقف الأمريكية والأوربية، وقد لمسنا هذا التميز في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية، حيث رفضت روسيا المشاركة في الحصار الظالم الذي فرضته أمريكيا وأوروبا على الشعب الفلسطيني، وكذلك رفضت اعتبار حماس وفق التصنيف الأمر- أوروبي منظمة "إرهابية"، وفي حينه استقبلت وفداً قيادياً من حماس، وأبقت على اتصالاتها وعلاقاتها مع الحكومة الفلسطينية بقيادة حماس، وبعد التطورات المتسارعة والمتلاحقة إقليمياً ومحلياً، وخصوصاً بعد ما أقدمت عليه حماس من حسم عسكري في قطاع غزة، وما تلاه من إجراءات إدارية وقانونية أقدم عليها الرئيس الفلسطيني من طرف واحد، ووصول الأمور إلى حد القطعية بين قطبي الصراع الفلسطيني ( فتح وحماس)، هذه القطيعة التي تغذيها إسرائيل وأمريكيا بشكل خاص، ومعها دول أوروبا الغربية ومحور دول ما يسمى بالاعتدال العربي، هذه التغذية لها علاقة بالرؤيا والنهج والأهداف والمصالح الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة، والتي تشير مجمل التطورات إلى أنها تأتي في إطار محاصرة وضرب وتصفية قوى الممانعة والمقاومة والمعارضة العربية والإسلامية بدءاً من باكستان ومروراً في أفغانستان وإيران والعراق وسوريا ولبنان وانتهاء بفلسطين.

هذه التطورات التي من شأنها أن توجه ضربة قاصمة للمصالح الروسية، والتي قد تمكن أمريكيا إذا ما نجحت في تدمير قدرات إيران العسكرية والنووية، من نشر جيوشها بالقرب من الحدود الروسية، وخسارتها لمصالحها في إيران ويجعلها تحت رحمة أمريكيا في مجال الطاقة والبترول.

ويبدو أن القيادة الروسية، أخذت تعي جيداً المرامي والمقاصد الأمريكية، والتي سعت لنشر وإقامة قواعد أمريكية في دول أوروبا الشرقية، وبما تشكله من مخاطر جدية على الأمن الروسي، وبدون الخوض التفصيلي في هذا الجانب، نرى أن التحرك الروسي وبالتعاون والتنسيق مع القيادة السورية لإعادة اللحمة والوحدة إلى البيت الفلسطيني يندرج في هذا الإطار، ولكن كل المعطيات والمؤشرات تؤكد أن الإدارة الأمريكية، لن تسمح بإدارة حوار داخلي فلسطيني، قبل أن تقوم بترتيب أوراقها والقيام بفعل عسكري ضد دول وحلقات الفعل الممانع والمقاوم والمعترض على الوجود والمشاريع الأمريكية في المنطقة.

ولعل زيارة وزيرة الخارجية ووزير الدفاع الأمريكيين إلى المنطقة، لها علاقة مباشرة في هذا الموضوع، وما تقوم به الدبلوماسية الأمريكية والأوروبية واللجنة الرباعية يصب في هذا الهدف والاتجاه. فعلى سبيل المثال، عادت "رايس" لطرح الأسطوانة المشروخة، الإلتزام برؤية "بوش"، إقامة دولة فلسطينية قبل نهاية ولاية الرئيس الأمريكي الحالي، وهذا الالتزام ستكون جدية ممارسته وتطبيقه رهناً بالتطورات العسكرية وما قد تسفر عنه من نتائج، وما تهدف له زيارة "رايس وغيتس" الحالية في المنطقة، هو التمهيد والترتيب لهذا العمل العسكري، من خلال إقامة حلف أمني عسكري سياسي أمريكي – إسرائيلي – عربي ( دول محور الاعتدال ).

ولعل الإعلان عن صفقات الأسلحة الأمريكية الضخمة مع دول الخليج، وكذلك المساعدات لمصر، والدعم اللامحدود مالياً وعسكرياً لإسرائيل لضمان تفوقها النوعي على العرب، هو في صلب الترتيبات الأمريكية، وهذا يعني بالملموس وحتى يأخذ هذا التحالف طريقه للنور، ضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية وعزل المسار الفلسطيني عن المسارين اللبناني والسوري، وهذا واضح من خلال دعوة الرئيس الأمريكي "بوش" لعقد مؤتمر إقليمي لحل القضية الفلسطينية، وكذلك تحركات "بلير" ممثل الرباعية وتحديداً في الإطار الإقتصادي، تحسين الظروف الإقتصادية للشعب الفلسطيني، لتخليصه من جين " الإرهاب "، وهذا يتطلب ممارسة الضغط على الجانب الفلسطيني من أجل منع إقامة أي حوار داخلي فلسطيني، قبل أن تقوم الإدارة الأمريكية وإسرائيل بعملهما العسكري، ضد دول وقوى الممانعة والمقاومة والمعارضة العربية والإسلامية، لأن من شأن ذلك إعاقة الترتيبات الأمريكية الجارية.

و"رايس" في جولتها الحالية، ولضمان نجاح مهمتها وضمان مشاركة محور دول الاعتدال في خطتها، فإنها ستحاول الضغط على الجانب الإسرائيلي من أجل التعاطي الإيجابي مع مبادرة السلام العربية، والتركيز على المخاطر التي تشكلها الدول والقوى المتطرفة على أمن المنطقة، وبالتحديد إيران وسوريا وحزب الله وحماس وغيرها، هذه القوى التي تلعب دوراً بارزاً ومهماً في منع تبلور الشرق الأوسط الكبير، المؤتمر بإمرة أمريكا وتقوده إسرائيل، أصبح التعايش معها مستحيلاً، فهي لم تستجب لا لسياسة العصا ولا لسياسة الجزرة، والمرحلة الآن تتطلب استخدام الجزرة، قبل أن يتصلب هذا المحور ويخلق له امتدادات وحواضن إقليمية ودولية. وقد قرأت أمريكيا وإسرائيل مخاطر هذا المحور في لقاءات الرئيس الإيراني أحمد نجاد مع قادة سوريا وقوى المقاومة الفلسطينية وحزب الله.

إذاً أمريكا وجدت في التطورات الأخيرة على الساحة الفلسطينية، فرصتها في فكفكة حلقات التحالف الممانع والمقاوم والرافض لسياساتها، من خلال كسر الحلقة الفلسطينية وعزلها، وبما يمكنها من الإنتقال إلى خياراتها العسكرية، وبتحالف واسع وعريض أمني وسياسي وعسكري مع إسرائيل ودول محور الاعتدال العربي، وروسيا تسابق وتصارع من أجل منع وقوع منطقة الشرق الأوسط وإيران والعراق تحت القبضة والهيمنة الأمريكية الكاملة، والتي يشكل سقوطها مخاطر جدية وحقيقة، ليس على المصالح الروسية في منطقة الشرق الأوسط وإيران، بل وعلى أبواب عقر دارها.

ولذلك تأتي مساعي القيادة الروسية من أجل إعادة اللحمة والوحدة إلى الساحة الفلسطينية، والتنسيق مع القيادة السورية، من أجل إعاقة الإندفاع الأمريكي، والذي بات قادته مقتنعين، أنه لا بد من توجيه ضربه عسكريه لإيران، تحد وتشل قدراتها النووية، وتمنع تمددها وتحولها إلى قوة إقليمية كبرى، تلعب في الملعب الأمريكي، من خلال تأثيراتها الواضحة في أكثر من ساحة، بدءاً من العراق ومروراً بلبنان وانتهاء بفلسطين.

ويبدو أن الصحوة الروسية ستكون متأخرة، وسيكون حظها في لجم التغول والتوحش الأمريكي، ليس كبيراً، وإذا لم ترتب قوى المقاومة والممانعة والمعارضة العربية أوراقها بشكل جيد، وتمتلك هامشاً كبيراً من المناورة والتكتيك والالتصاق بالجماهير والقيام بحملة تعبئة وتحريض واسعتين لها، فإنها ستتعرض إلى ضربة مؤلمة وستنجح أمريكيا بفرض هيمنتها وسيطرتها على المنطقة بالكامل، وستعم الفوضى الخالقة كامل المنطقة، والتي سيعاد رسم جغرافيتها وفق المصالح الأمريكية، والتي تضمن لها استمرار احتجاز تطور المنطقة لعشرات السنين، والاستمرار في نهب خيراتها وثرواته، وتقتيل أبناء شعوبها عبر الحروب المذهبية والعرقية والطائفية والجهوية والعشائرية والقبلية.