تابعوا "التنفيذية" على الهواء مباشرة!../ خليل شاهين*

تتملكني رغبة، ترقى إلى مستوى الأمنية أحيانا: أن تنقل اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على الهواء مباشرة، كما يفعل تلفزيون فلسطين في نقل جلسات المجلس التشريعي، فتتاح الفرصة للشعب الفلسطيني، في كافة أماكن تواجده، لرؤية ما إذا كان قادة الممثل الشرعي الوحيد لهذا الشعب يناقشون "القضايا الكبرى" التي تشغل بال الفلسطينيين، ويتخذون بشأنها القرارات "المصيرية".

لا أدري كيف تناقش اللجنة التنفيذية مثل هذه القضايا، ولا أستطيع أن أذكر قرارات محددة ذات شأن اتخذتها تهم الفلسطينيين في الأزمة التي تطحنهم منذ أشهر، اللهم باستثناء مواقف سياسية تصدر على شكل بيانات شبيهة بتلك التي تصدر، كذلك، عن الفصائل، بالجملة والمفرق، وعن النقابات والمنظمات الأهلية والكتل الطلابية والنوادي وغيرها.

والأدهى، أنني لم أصادف أحدا من المواطنين، وبضمنهم مثقفون وكتاب وصحافيون، يستطيع أن يجتاز بنجاح اختبارا بسيطا: أذكر أسماء عشرة من أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة؟ يا لسخرية القدر؛ شعب لا يعرف أسماء ممثليه الشرعيين الوحيدين! ربما لأنه ليس مسيسا بما يكفي، أو لا يتابع الأخبار، أو قد ينقصه الوعي بأهمية ما يقوم به ممثلوه الشرعيون، أو ربما يكون أعضاء اللجنة التنفيذية زاهدين بالنجومية، فيأنفون الظهور أمام عدسات المصورين!

لكن الراسبين في اختبار معرفة أسماء ممثليهم، رغم قدم معظمهم، يقدمون التبرير الأكثر منطقية: لا يشعر الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، على وجه الخصوص، بوجود منظمة التحرير أصلا، فكيف لهم أن يعرفوا أسماء قادتها، أو سفرائها في الخارج، أو مسؤولي دوائرها المشلولة؟!

ورغم كل ذلك، تجتمع اللجنة التنفيذية، حاليا، في مقر الرئاسة بمدينة رام الله أكثر مما يفعل "ذراعها السياسي"، المتمثل بحكومة سلطة الحكم الذاتي المحدود (هذا هو الاسم الحقيقي للسلطة وفق الاتفاقيات التي تُطالَب الحكومة بالالتزام بها)، فماذا تفعل؟ إنها تنزلق فعليا نحو البحث في مدى الشوط الذي تم قطعه في الضغط على الحكومة وحركة حماس للقبول بالتكيف مع اشتراطات "الوسيط النزيه": اللجنة الرباعية، وبمعنى آخر فهي تبحث مدى نضج الظروف لاستثمار الحصار الدولي المفروض لتجويع الشعب الفلسطيني، الذي تمثله، من أجل الضغط على الحكومة سياسيا، وصولا إلى الإطاحة بها.

اللجنة التنفيذية غير المنتخبة، المنبثقة في نهاية المطاف عن مجلس وطني غير منتخب، تختلف الروايات حول ما استقر إليه عدد أعضائه، ومنهم من بات بعمر الديناصورات، تبحث الإطاحة بحكومة جزء من أعضائها منتخب، وتنبثق عن مجلس تشريعي منتخب بنزاهة. وفي سياق ذلك، تدب الحرارة في جسد "التنفيذية" الميت، فتنبري لعقد الاجتماعات بحثا عن سبيل لإنقاذ الشعب الفلسطيني، الذي لا يعرف أسماء معظم أعضائها "المنقذين"، من النتائج الكارثية لخياره الانتخابي الديمقراطي!

ولأجل ذلك، يجهد بعض أعضاء اللجنة التنفيذية في البحث عن مخارج تمكن الرئيس محمود عباس من إطلاق رصاصة الرحمة على نتائج تجربة انتخابية يخشون أن تنتقل عدواها إلى منظمة التحرير وفصائلهم، عن طريق إقالة الحكومة وحل المجلس التشريعي والتوجه إلى انتخابات مبكرة، ربما بالاستقواء غير القانوني باستفتاء عام على مثل هذه الخطوة.

ولأجل ذلك أيضا، تضفي "التنفيذية" رعايتها وبركاتها على إضراب وظيفي تتحول بعض أشكاله إلى "عقاب جماعي" لقطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، لاسيما من تلاميذ المدارس والمرضى. ويا لها من مفارقة مثيرة للسخرية: يشتد الحصار والتجويع كلما طال الإضراب واشتد، فلا يكاد الفلسطيني يعرف ما هي رسالة إضراب توظف نتائجه الكارثية للإيغال في تجويع الشعب الفلسطيني، فتضيع وسط ذلك عدالة قضية الموظفين المضربين من خلال احتجاج المحاصَر ضد المحاصَر لا المحاصِر.

فماذا فعل الممثل الشرعي الوحيد للمحاصَرين؟ لماذا لم تشكل اللجنة التنفيذية وفودا من أعضائها، ومن "التحف" الأعضاء في المجلسين المركزي والوطني، تطوف العالم وفق مبادرة تستهدف التحشيد، عربيا وإسلاميا ودوليا، لرفع الحصار؟ لماذا لم يتحول التصدي للحصار والتجويع إلى قضية يومية لكل عضو في شتى هيئات المنظمة، بينما يتحول إلى قضية لدى مئة برلماني بريطاني يطالبون برفع هذا الحصار بغض النظر عن طبيعة مواقف الحكومة الفلسطينية، بقيادة حركة حماس؟ ولماذا يقاطع رئيس "التنفيذية" والسلطة حكومته، فينأى عن اصطحاب أي من أعضائها في جولاته الخارجية؟ ولماذا تصمت "التنفيذية" على مطالبة أية حكومة فلسطينية، راهنة أو مستقبلية، بالاعتراف بإسرائيل ونبذ "الإرهاب" بدلا من أن تطلق مبادرة لمقاطعة السلطة المحتلة وتشديد العزلة الدولية عليها وإعادة ربط الاعتراف بها بإنهاء احتلالها للشعب الفلسطيني وأرضه، وهي التي كانت تخوض نضالا على كافة الصعد من أجل ذلك فيما مضى من سنوات الكفاح الوطني الفلسطيني؟

كل هذه الأسئلة بحاجة إلى إجابات، وربما يدركها الفلسطينيون إن استجابت اللجنة التنفيذية لرغبة فلسطينيين كثر بنقل وقائع اجتماعاتها على الهواء مباشرة، لبعض الوقت على الأقل، فعندها سيصبح قادة الممثل الشرعي الوحيد معروفين للعامة، أسماء ووجوها ومواقف أيضا، وإلا قد نصل إلى يوم يطالب به الفلسطينيون باستفتاء عام حول مدى تمثيل اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني للشعب الفلسطيني، قبل أن يفكر البعض بإجراء استفتاء على إقالة الحكومة وحل المجلس التشريعي المنتخب.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018