تحرشٌ جديد بالصراع الديني../ د.طيب تيزيني

ثمة نمطان من التعامل مع الاختلاف والخلاف الدينيّين، ضمن الدين الواحد، وما بين دين وآخر. أما الأول فيُفصح عن نفسه عبر الاحتكام إلى المرجعية الدينية والبقاء في حقلها. وبخلاف ذلك، يسعى النمط الثاني إلى نقل التعامل المذكور من الحقل الديني إلى الحقل المجتمعي العمومي، واصلاً بذلك إلى رحاب الصراع السياسي الإيديولوجي. ولعل ذلك يتصل بمبدأين اثنين، يتمثل أولهما في الاعتقاد بأن العلاقة بين الإنسان والدين ذات بُعد عمودي يقتصر على الاحتكام المباشر إلى المرجعية اللاهوتية، دونما سعي لربط الديني بالمجتمعي ربطاً مباشراً. أما المبدأ الثاني فيتحدث في معرض تناول الإسلام، مثلاً، عن أن هذا الأخير هو "دين ودولة" في آن واحد. ورغم ذلك، لا يصح القول بوجود حدود قاطعة بين النمطين والمبدأين المذكورين.

إن الحديث قد يبرز -في هذا المجال- بكيفية صريحة عن صراع بين "العلمانية"، والدين الإسلامي في المجتمع العربي الإسلامي، مع ملاحظة أن الأولى "العلمانية" ليست بالضرورة مقترنة بـ"الإلحاد"، كما يعلن جمهور غير قليل أولاً، وأن فريقاً من المسلمين يرى عكس ذلك ثانياً. ومن ثم، نلاحظ أن الاختلاف في النظر إلى الأديان يعلن عن نفسه، خصوصاً، في النظر إلى علاقاتها بالمجتمع البشري، بما فيه، تخصيصاً، من سلطة سياسية وإيديولوجية. وربما كانت في ذلك نقطة خطيرة واحدة، على الأقل، هي أن الفريق الذي ينتمي إلى دين ويعلن أنه ذو مطامح سياسية، في آن واحد، من السهل أن ينتج المقولة المركزية التالية، وهي أن خطابه السياسي ذو مرجعية إلهية لا تخطئ، وبالتالي، فإن الصراع السياسي بينه وبين أطراف سياسية أخرى لا تأخذ برأيه، سيكون صراعاً بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، وأخيراً بين المطلق والنسبي.

على هذا النحو، مارس الخطاب الديني، غالباً، دوراً نكوصياً في التقدم التاريخي، نقول: الخطاب الديني، ولا نقول: الدين. فهذا الأخير كتاب مفتوح يقرؤه الرجال قراءةً ملوّثة بالمصالح وبالتأويلات المختلفة. ولذلك، كلما ازدادت حالات الجهل والظلامية والقمع الفكري، ازدادت وتعمقت إمكانيات نشوء قراءات دينية مُجحفة بحق المجتمع والنص الديني الأصلي.

وفي هذه الأيام، يعود بابا الفاتيكان ليتحرش بالرأي الديني العام، والإسلامي على وجه التحديد، فلقد فعل مثل هذا التحرش مع مجيئه إلى كرسي البابوية في يوم التاسع عشر من شهر أبريل من العام المنصرم، ولكن على نحوٍ اتخذ طابعاً إيجابياً. لقد أعلن أنه لن "يوفّر طاقة في سبيل إعادة بناء الوحدة الكاملة لجميع المسيحيين". وفي سياق ذلك، أكد على ضرورة "الحوار مع أتباع الديانات الأخرى... ومع غير المؤمنين"، مع التنويه بأهمية الحوار مع "الحضارات الأخرى". أما هذه المرة فقد قدم البابا آراءً بدتْ مناهِضة للإسلام ولنبيِّه. ولسنا الآن في معرض ما قاله في محاضرته على نحو تفصيلي. لكنّ ما يمكن أن يُشار إليه يقوم على ملاحظتين اثنتين، تتمثل الأولى بأن الذي قدمه البابا أو الذي قدّم بعضه لا يخرج -إجمالاً- عن الخطاب الاستشراقي القدْحي بحق الإسلام، وهو أمر غدا جزءاً مهماً من ذلك الخطاب، أي من البنية المؤسِّسة لهذا الأخير. ونحن نعلم أن ذلك جرى تداوله أوروبياً وعالمياً في عدد هائل من الكتابات. ومن ثم، حين يتحدث البابا الآن عن أن الإسلام هيمن بالسيف، فإنه لا يقدم جديداً بالاعتبار المعرفي. ولكنه قد يقدم جديداً بالاعتبار الإيديولوجي، أي باعتبارٍ يندرج في الإيديولوجيا العولمية الراهنة، بامتياز. فهذه الإيديولوجيا تقتضي ابتعاث صراعات ومماحكات وسجالات قديمة تعود إلى مرحلة الحروب الصليبية، خصوصاً. أما الجديد في ذلك فيمكن أن يتجسد، مثلاً، في فكرة "هنتينغتون" القائلة إن العنصر الأكثر حسماً في الحضارات يتجلى في الدين، وإن صراع الحضارات الذي يدعو إليه إنما هو، إذاً، صراع ديني.

أما الملاحظة الثانية، فتقوم على أن هذا الذي قدمه البابا في محاضرته أو خطبته الأخيرة، لم يكن ضرورياً أن يُنقل إلى خارج جدران قاعة المحاضرات. ولو تم ذلك، لاعتُبر الأمر شأناً أكاديمياً يخضع للمناقشة العلمية الموضوعية. ولهذا، يبرز التساؤل فيما إذا كانت هنالك رغبة في تحويل المحاضرة إلى مناسبة لتجييش عواطف الجمهور الواسع من الأطراف كلها! ونحن نرى أن ذلك ما أنتج حالة رديئة من التجييش تجاوزت لغة الحوار العقلاني المفتوح. والخطأ الرئيس يقع على مسؤولية البابا والفاتيكان، حتى لو اعتذر هذا الأخير عن حالة الالتباس في "فهم" محاضرة البابا.

وبغضّ النظر عن أن كتّاباً غربيين بارزين -مثل توماس أرنولد- توصلوا إلى أن الإسلام لم يهيمن بالسيف بل بالعقل والعواطف والتضامن، فإن القول بما قدمه البابا في محاضرته يمكن أن يُقبل، على ألا يخرج من الحوار إلى التهديد بالسيف، ولأنه خرج من أسوار قاعة المحاضرات، فإن شكاً كبيراً سيبرز في أن هنالك مَنْ يرغب في تأجيج الموقف ونقْله إلى ساحة الصراع الإيديولوجي والسياسي المكشوف، خصوصاً وأن البابا لم يستجب للرغبة في تقديم اعتذار شخصي عما بدَر منه. ومع هذا، فإننا إذ نقرّ بشرعية الموقف الغاضب الذي اتخذته مرجعيات إسلامية من المسألة، فإن من مهمات المثقفين الإسلاميين وغيرهم، أن يسهموا في ضبط الموقف، كي لا يتحوّلوا إلى منفذين، دون أن يعلموا، لمآرب فاسدة قد تدخل في حديث "هنتينغتون" عن أن عصرنا هو عصر الصراعات الدينية- الحضارية، وفي حديث الرئيس بوش عما أطلق عليه "الفاشية الإسلامية"، وقبل ذلك، "الحروب الصليبية الجديدة".

إن القول إن أزمة ما قد نشأت بين جموع من المسلمين وجموع من البابويّين الكاثوليك، ربما كان صحيحاً. ومهمٌّ في هذه الحال أن تُدار هذه الأزمة على نحو عقلاني وتصالحي، بعيداً عن التجييش الشعبوي الخطير.


"شام برس"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018