ترف ومراهقة سياسية فلسطينينية بامتياز../ ناصر السهلي*

حين وصف د.عزمي بشارة في مهرجان جماهيري بمخيم اليرموك الجانب المتعلق بمسألة تشكيل حكومة وحدة وطنية بأن النقاش الذي يدور بين مختلف الفصائل الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسها "فتح" و"حماس"، لا ينتمي في جوهره إلى حاجة وطنية فلسطينية خاصة، فهو بكل تأكيد كان محقا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الدور الجديد الذي باتت فصائل العمل الوطني، ولنقل بعضها، الذي تقرأ من خلاله وجودها خارج نطاق حقيقة أننا أمام مشهد فلسطيني يبحث، كما فعل في السنوات التي سبقت "أوسلو"، عن تحقيق الجزء الاهم المتمثل بالتحرر الوطني... المرحلة التي أصبحت فيما بعد مرحلة سلطوية قبل تحقيق مشروع التحرر الوطني والوصول إلى صيغة تحقق أقل ما يحمله برامج تلك الفصائل الوطنية ...

ليس خفيا على أحد بأن بعض الفصائل الوطنية ظلت طيلة أعوام النضال الفلسطيني تنادي في أدبياتها وبرامجها إلى ضرورة تشكيل "قيادة وطنية موحدة" بدل هذا العبث والترف السياسي المسيطر على محاولات خلق "حكومة وحدة وطنية" تلبي حاجات الخروج من أزمة فرضتها ظروف إقليمية ودولية.. عداك عن الدور الداخلي الذي تلعبه بعض مراكز القوى الداخلية فلسطينيا للتجاوب مع تلك المتطلبات التي تحمي إمتيازات معروفة لا حاجة الان للدخول فب تفاصيلها...
لكن، التراجع عن الميثاق الوطني والكثير من القواسم السياسية المشتركة لقوى شعب، ما يزال يعاني الاحتلال في مرحلة انجاز التحرر الوطني، أبعد النقاش عن سياقه العام وجعل المشهد يبدو مشهدا من مشاهد مراهقة سياسية تتضارب فيها المصالح الضيقة لكل تجمع سياسي فلسطيني ...

الحاجة لحكومة وحدة وطنية وإدخال الذات في متاهات وضع العربة أمام الحصان ليست حاجة فلسطينية خالصة، وهذه حقيقة تؤكدها التدخلات الدولية والاسرائيلية في شأن فلسطيني خالص... كإعتراضات نسمع عنها تصدر عن البيت الابيض والناطقين باسم تل ابيب وبعض الاطراف العربية...

تعرضت حكومة الشعب الفلسطيني التي جاءت عبر إنتخابات ديمقراطية لما تعرضت له، وعوقب الشعب الفلسطيني عقابا جماعيا على خياراته الديمقراطية... وما يزيد المشهد تعقيدا هذه التحركات المراهقة التي تصدر عن ساسة فلسطينيين يتحدثون تارة عن ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية، وتارة أخرى يستنكفون عن لقاء أطراف سياسية فلسطينية تحت طائل الضغط الذي تمارسه السياسة الدولية والاقليمية لافراغ المشروع الوطني من محتواه الحقيقي وتحويله إلى صراع على رواتب تأتي لطرف معين ولا تأتي لحكومة الشعب... بعد أن تم تسمين البيروقراطية والفساد والتعيينات حسب صلة القرابة كشيء لا يختلف عن ممارسات دول تعاني من الفساد والترهل السياسي الذي من المفترض أن نضالات الشعب الفلسطيني تستحق أن يتم نفض غبار ما لدى الاخر بدل تقليده...

ثم ما يزيد الطين بلة في التخبط السياسي، عدا الاستنكاف الذي يمارسه رأس السلطة الفلسطينية ، أنها تذكرت "المرجعية الوطنية " ممثلة بـ م.ت.ف، ونحن الذين شهدنا أي تهميش مارسته تلك السلطة لمرجعياتها الشاملة الممثلة لكل الشعب الفلسطيني أينما تواجد... قرار يصدره أبو اللطف يناقضه قرار تصدره السلطة في مسائل إجرائية كتعيين سفير أو ممثل للمنظمة، فما بالنا في قضايا لها علاقة بمستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية...

إن إخراج المنظمة متى أراد البعض من سباتها وإعادة تنويمها حسب " جهة الامواج المتلاطمة" دليل واضح على التخبط الذي وُضعت فيه المنظمة طيلة أعوام "أوسلو" في الذاكرة الخلفية، وإعتبارها ذراعاً مشلولاً من أذرع السلطة ورتابة العمل السياسي المركز على السياق الخارجي وليس الفلسطيني الداخلي يُفقد هؤلاء الذين تذكروا فجأة بأن المرجعية هي المنظمة دون الاقدام على خطوة واحدة من الخطوات التي دعت إليها الفصائل في حوارات القاهرة والداخل الفلسطيني والبحث عوضا عن ذلك عما يُنقذ الكيفية التي يتم الاستجابة من خلالها لمجموعة من المطالب الخارجية...

القراءة المتأنية للحالة الفلسطينية تطرح الكثير من الاسئلة وعلامات الاستفهام، لكن نكتفي ببعضها:
- مالذي جرى حتى تُوضع وثيقة الاسرى في الثلاجة؟ هل هي حاجة فلسطينية؟ ثم هل يفكر الصهيوني كثيرا بآلام وجراحات الشعب الفلسطيني والاعتراف بحقوقه التاريخية حتى يُطلب من جهة فلسطينية نالت ما نالته من أصوات الاعتراف المجاني بهذا الكيان الذي لم تثمر كل القبلات والهدنة المتكررة معه ليستمر في غيه وإستصغار الشأن الفلسطيني؟

- لمصلحة من يجري الذي يجري في غزة ورام الله من قتل وإحتراب داخلي تحت حجة الرواتب؟ لماذا لا نعترف صراحة بأن المحتج يُطلق النار في الهواء ترهيبا وتعطيلا للحياة العامة، ونحن نعرف كم تكلفة طلقة بندقية الكلاشنكوف؟ هل يستطيع أحد في العالم أن يقول أن إطلاق مائة طلقة في الهواء وعلى المباني الحكومية وقطع الطرقات ورمي الوزراء وسياراتهم بالحجارة من الامور العفوية وغير المكلفة؟

- ليسمح لنا "المناضلون" أن نسأل، كيف لأجهزة ما يسمى " الامن الوقائي" والتصريحات التي أطلقها السيد دحلان بعيد أداء الحكومة الفلسطينية للقسم وحيازتها على ثقة المجلس التشريعي، أن تستمر بالتمتع بالامتيازات والموازنات بينما يُدفع موظفو الوزارات (وحسب اللون السياسي) إلى مقاطعة وزاراتهم ووزرائهم بهذا الشكل المهين؟

- الثابت بأن الدماء التي أُريقت بأيد "فلسطينية" والتصريحات العنترية التي تقف متفرجة أمام جملة الممارسات الصهيونية بحق أبناء رفح وجباليا وعمليات الاغتيال الخروقات الدائمة، ليست في حسابات المحتجون ببنادقهم.. فهؤلاء ومع الاسف الشديد يرون في ممارسات وزير الداخلية الفلسطينية لما يمكن لأي وزير داخلية أن يمارسه... وهذا مما لا شك فيه أمر لا يُعجب هؤلاء الذين يعتاشون على توتير الساحة الفلسطينية، ولا حاجة لنا بالتذكير بكل الاسماء المستفيدة...

إستعداد السيد عباس للذهاب بعيدا من اجل لقاء مع اولمرت وحكومته وتراجعه عن وثيقة الاسرى، ورمي الاتفاقات السابقة بين مجمل الفصائل على تبني تلك الوثيقة يثير فعلا الحيرة والدهشة حين يُعلن عباس بأن الوقت غير مناسب للقاء رئيس الوزراء الفلسطيني ومن ثم التلويح باسقاط الحكومة عبر الدعوة لانتخابات مبكرة قد تجلب المزيد من المقاعد لحركة حماس، يؤشر بوضوح على إصرار البعض على الخلط الواضح بين مفهوم حركة التحرر الوطني ومفهوم السلطوية التي تجعل من السلطة أكثر قداسة من مفهوم التحرر... وفي السياق العام لقراءة جناح عباس والامعان في مطلب إعتراف "حماس " بالاتفاقات الموقعة لم يقابله طيلة 15 عاما من المفاوضات وتبدل الحكومات الصهيونية إصرار مماثل على الالتزام بالتعهدات التي شهدت عليها دولا غربية وعربية... وهنا لا داعي للتذكير بالكيفية التي تعاملت فيها كل حكومة صهيونية جديدة مع الاتفاقات والالتزامات ولا بالشعار الصهيوني "لا يوجد شريك فلسطيني" للتهرب من كل التعهدات والالتزامات...

ولنذكر السيد عباس وكل ساسة المراهقة بأنه كلما أتى رئيس وزراء صهيوني قام بنقد ما سبقه من برامج وطرح أخرى معاكسة تماما حتى لأبسط الالتزامات في البرامج والتوجهات السياسية التي تدعي أمام العالم بحثها عن السلام بينما تواصل تنفيذ مخططاتها التي وعدت بها الجمهور الفلسطيني..

بكلمة أخرى، من غير المفهوم الاصرار على أن تكون الحالة الفلسطينية إستثناءا لا مثيل له في قصة الالتزام الصارم بما وقعت ونقضت الدولة الصهيونية... لم يكن المشهد الفلسطيني أيام الرئيس الراحل ياسر عرفات بمستوى هذه المراهقة السياسية التي يمارسها متسلقون يكدسون ويكنزون من الاموال بينما يتباكون على رواتب الموظفين الذين لا تملك الحكومة المنتخبة مسؤولية أن النفاق الغربي والعربي قد وصل إلى البيت الفلسطيني الذي بات بحاجة لعملية تنطيف من القمة إلى القاعدة...

أخيرا من حق كل فلسطيني أن يعود ليسأل عن م.ت.ف المرجعية في هذه الازمات التي يعيشها الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية...أين هي مؤسساتها... ونحن لا نسأل عن لجنة تنفيذية مهمتها تمترس كل فصيل وراء برنامجه السياسي ... بل عن المؤسسات التي باتت بحاجة الى إعادة نظر شاملة بدءا بانتخاب مجلس وطني جديد يعيد بعضا مما مزقته الايدي التي إرتفعت في غزة 96 "إكراما لكلينتون" الذي إنكشفت ممارسات إدارته مع الزعيم الراحل ابو عمار في كمب ديفيد.. وهنا نقصد ميثاق الشعب الفلسطيني... وبرنامج القاسم المشترك الذي رماه هؤلاء المراهقون والمقامرون خلف ظهورهم ... وبقية المؤسسات التي تم عمدا دمجها او خلطها بالسلطة الفلسطينية التي هي نتاج "اوسلو" الذي لم يبقى منه شيئا لينفذ بعد ان قبرته الحكومات الصهيونية المتعاقبة...

على المناضلون الاشاوس الذين قالوا الكثير عن حرمة الدم الفلسطيني أن يدخروا ذخيرتهم ومراجلهم للأيام القادمة التي لا يخفي الصهيوني انه مستمر في مشروعه الذي لا يفرق إلا بين حفنة قابلة بكل ما يرميه من فتات وبين شعب شامخ رافض للذل والاستسلام... وبين هذه وتلك ستبقى الدماء التي يتم إراقتها على أيد فلسطينية وذلك التحشيد الاهوج بحرق مؤسسات الشعب الفلسطيني شاهدا على مرحلة قاتمة إذا لم يفهم من خلالها هؤلاء "المناضلون " الذين إرتضوا بالمنصب بدل خنادق المواجهة سوف لن ينفعها حينها ندما أو أسفا بأن أمريكا والصهاينة وبعض الاطراف الاقليمية قد أوصلت الساحة الفلسطينية إلى ما أرادته طيلة السنوات الماضية!


** ناصر السهلي –كاتب عربي
ممثل "كُتاب بلاحدود" الدانمارك


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018