تفاعلات الأزمة عشية الحوار الوطني الفلسطيني/ د.احمد مجدلاني

من المفترض أن يفتتح مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني غدا والذي سيمتد على مدار يوميين متتاليين، وذلك بعد التوافق الذي حصل بالاجتماع الذي عقد ما بين الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء، بحضور عدد كبير من مساعدي الطرفين الذين يمثلون في واقع الأمر القوتين الرئيسيتين في البلاد، وتحديد موعد بدء الحوار وآليات عمله والتفاصيل الأخرى المتصلة بتشكيل اللجنة التحضيرية وتركيبتها وجدول الأعمال وبافتتاح وإدارة جلسات المؤتمر والتي كانت حركة حماس معنية كثيرا بتوضيحها وجلائها، ارتباطا بدوافع سياسية واضحة وغير خفية كانت قد أعلنت عنها الكثير من قيادات الحركة بتعبيرات ومواقف متعددة، خلال بحث التحضيرات للمؤتمر لكنها أي هذه المواقف كانت تصب في منحى واحد ويتلخص بالجوانب التالية:

- لجهة توقيت عقد المؤتمر فقد أشار العديد من قادة الحركة وعلى رأسهم رئيس الوزراء إسماعيل هنية أن الوقت غير مناسب لإطلاق مبادرات سياسية جديدة، وان الأمور تسير بشكل طبيعي، ولم تعط الحكومة الوقت الكافي لاختبار نجاح سياساتها، وذلك على اعتبار أن الدعوة المبكرة لمؤتمر للحوار الوطني لمناقشة الوضع السياسي المتأزم، جراء سياسة الحكومة هو تعبير وبطريقة أخرى عن فشل الحكومة وبرنامجها وهو ما تصر على رفضه حركة حماس وحكومتها وتؤكد أنها تحرز تقدما يوما بعد يوم.

-أما مكان عقد المؤتمر فلم تخل أيضا المواقف المعلنة لعديد قيادات الحركة بتفضيل عقد المؤتمر خارج الأراضي الفلسطينية، أي في أي بلد عربي، ليتسنى لقيادة الحركة بالخارج من المشاركة فيه، باعتبارها هي المرجعية السياسية الاولى للحركة، ولم يكن من قبيل الصدفة تمرير اقتراح افتتاح جلسات الحوار داخل الوطن ومن ثم انتقال الحوار والمتحاورين إلى الخرطوم لاستكماله هناك.

-وهذا الموقف المتصل بالمكان له صلة وثيقة بمرجعية الحوار، فحركة حماس لا ترى في المنظمة ورئيسها كمرجعية وحيدة للحوار الوطني الفلسطيني، على اعتبار أن المنظمة بالنسبة لها ليست الممثل الشرعي والوحيد لكل الفلسطينيين، وانطلاقا من هذا الاجتهاد بالموقف فإن حركة حماس ترى أن رعاية المؤتمر لا يجب أن يقتصر على رعاية رئيس المنظمة لوحده وإنما يجب أن تكون الرعاية على الأقل مشتركة.

-أما فيما يتصل بأسس الحوار الوطني ورغم الاتفاق على جدول أعمال المؤتمر فإن الأسس السياسية والمعبر عنها بالبرنامج الوطني الفلسطيني، برنامج الإجماع الوطني الفلسطيني برنامج م.ت.ف. فإنه أيضا لا يحظى بالقبول والذي عبر عن الناطق باسم حركة حماس سامي أبو زهري هي " محاولة للضغط على الحركة للقبول بالاقتراحات التي تقدمت بها حركة فتح ، وهي اقتراحات نرفض جزءاً منها سلفاً ".

ورغم عدم توضيح ما هو المقبول والمرفوض سلفا فإن التمترس خلف البرنامج الخاص للحركة لا يمهد الطريق أمام الخروج ببرنامج للقواسم المشتركة ينطلق من البرنامج الوطني الفلسطيني، ويسهم في فك العزلة السياسية والحصار الاقتصادي، ويفتح الطريق أيضا أمام الشراكة السياسية المستقبلية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس هذه الشراكة، وليس على أساس من التفرد وتكريس شكل جديد من أشكال الهيمنة غير المقبولة، والتي كانت محل انتقاد من قبل حركة حماس طوال السنوات السابقة.

إن الانطلاق من قراءة طبيعة المرحلة السياسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني، باعتبارها مرحلة تحرر وطني يفترض حكما، ضرورة تجميع القوى السياسية على قاعدة برنامج إجماع وطني تكون القواسم المشتركة أساسه، وليس برنامج أي طرف من أطرافه مهما كان حجم هذا الطرف ومشاركته في العملية الكفاحية. ومن هنا فإن المشاركة في عملية الحوار الوطني ينبغي أن تنطلق من قاعدة الإسهام الايجابي فيه عبر التعاطي مع كافة القضايا بعقل وقلب منفتحين، وليس على قاعدة المواقف المسبقة والتي ستحتم سلفا أيضا الإعلان عن انتهاء الحوار وفشله قبل أن يبدأ.

إن جملة من القضايا والإجراءات العملية قد تكرست على الأرض بصيغة الأمر الواقع كحقائق ينبغي التعامل معها وبشكل مسبق عشية انطلاق مؤتمر الحوار الوطني، خلافا لما تم التطرق إليه سابقا، وتثير الكثير من المخاوف والتساؤلات ليس على نجاح المؤتمر برأب الصدع الحاصل بالساحة الفلسطينية، رغم إدراكنا المسبق والواقعي أن الإشكالات العديدة والكثيرة لا يمكن أن تحلها جولة واحدة من الحوار، بل بحاجة إلى جولات عديدة، وللوصول إلى هذه الجولات العديدة ينبغي أن تتوفر وقبل كل شيء النية الصادقة مدعمة بالممارسة العملية التي تعكس هذه النوايا.

فلا يستقيم والحالة هكذا أن تتواصل المكابرة ورفض قراءة الواقع ورؤية بأن هناك أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية تعصف بالوضع الوطني الفلسطيني وتهدد منجزاته التي حققها بتضحيات جسام خلال العقود الأربعة الماضية ، وتضع علامات استفهام كبيرة على مستقبله، بل يترافق مع الإعراض عن قراءة الواقع التقليل من شأن العزلة السياسية التي تعيشها القضية الفلسطينية على المستوى الدولي والإقليمي، في ظل نجاح حكومة أولمرت على تعبئة موقف دولي بادعاء بأن لا شريك فلسطيني لصنع السلام معه، وذلك لتوفير غطاء دولي لتمرير سياسة الفصل الأحادي الجانب ورسم الحدود السياسية للكيان الفلسطيني القادم وفقا للاستراتيجية والرؤيا الإسرائيلية.

كما إن إنزال ما سمي بقوة المساندة التنفيذية التي شكلها وزير الداخلية إلى الشارع، وهي مثار خلاف قانوني ودستوري على شرعية تشكلها، علاوة على أن هناك مرسوم رئاسي بحلها وبعدم شرعيتها مما يشكل تحديا ورفضا واضحا لقرار الرئاسة، إضافة إلى موقف من مختلف الفصائل باعتبار أن تشكيلها وإنزالها للشارع قبل بدأ الحوار يشكل عملا معيقاٌ للحوار.

كما انه لا يستقيم الحال أيضا الذهاب إلى الحوار وحملات التعبئة والتحريض والتخوين والتكفير من على منابر المساجد كل يوم جمعة، والتي تحولت فيها الحكومة ومن رئيسها إلى وزرائها وكذلك رئاسة المجلس التشريعي إلى خطباء في هذه المساجد يمارسون هذه السياسة والتي تتميز بتوظيف الدين في الشأن السياسي الدنيوي والمتمثل بالصراع على السلطة والصلاحيات، والذي هو مثار خلاف وتباين سياسي وليس عقيدي ما بين القوى السياسية ولا يجوز أن يخضع لقواعد التحليل والتحريم ومن ثم التكفير.

إن المسؤولية الوطنية العالية تفترض من الجميع أن يتعاطى مع الفرصة التي يوفرها الاتفاق على انطلاق الحوار لتأكيد الهوية الوطنية والبرنامج الوطني الذي تستند إليه، مع ضمان حق الاختلاف والتباين والاجتهاد، ولكن بدون هيمنة وإقصاء وتفرد، لان هكذا ممارسة سياسية وفي ظل شروط وظروف النضال الوطني التحرري الذي تخوضه الحركة الوطنية الفلسطينية، بمختلف تلاوينها السياسية والفكرية، لا تعني سوى والتراجع لهذه الحركة والمزيد من التقدم للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني على حساب شعبنا وحقوقه الوطنية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018