حالة حصار تلتف حول الانتصار اللبناني../ فيصل جلول

أصاب السيد حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله، عندما أشار في إحدى مداخلاته الإعلامية بما معناه أن تداعيات الهزيمة “الإسرائيلية” في لبنان ستظهر تدريجيا وستتفاعل بطريقة غير مسبوقة، بل قد تمتد زمنيا إلى مستقبل غير منظور. ليس هذا الحكم من أثر عصمة في القول لا يدعيها السيد، وإنما هو من فعل الانتصار اللبناني بحد ذاته، ومن نتائج هذا الفعل التي ما فتئت تتراكم بسرعة مذهلة خلال أقل من شهر مضى على وقف العمليات الحربية، وهذا التراكم يلاحظ بوضوح في “إسرائيل” والعالم العربي والغرب.

في “إسرائيل” يبدو جلياً أن إرهاصات زلزال سياسي تتجمع يوميا بإيقاع هو الأول من نوعه في تاريخ الدولة العبرية: حكومة مهزومة تتعرض يوميا لنيران سياسية من كل صوب، ولا تعرف كيف ترد عليها. فهي غير قادرة على تبرير نتائج الحرب. غير قادرة على إعادة الجنديين الأسيرين لدى المقاومة من دون ثمن باهظ، إن دفعته ستعرض نفسها للمزيد من النيران، وإن لم تدفعه سيبقى الجنديان حيث هما، وستتفاعل القضية في الشارع. غير قادرة على اتخاذ مبادرات سياسية وبالتالي التفاوض مع سوريا والفلسطينيين، لأن التفاوض يتطلب ثمنا باهظا لا يمكنها أن تدفعه في ظروف معنوية بائسة أشبه بنهاية عهد. غير قادرة على الخروج من الأزمة بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة إذا ما تكونت ستكشف النقاب ليس عن فشل أداء الحكومة وحده وإنما عن عجز “إسرائيل” البنيوي في مواجهة طرف عربي مصمم ولا يهرب من القتال، ناهيك عن أن الحكومة نفسها غير قادرة على تهريب نتائج الحرب من خلال لجنة تحقيق رسمية، لأن شعور “الإسرائيليين” المكبوت بالهزيمة وكبريائهم الجريح يحول دون الاعتراف بانتصار المقاومة من جهة، وينزع إلى الانتقام من جهة أخرى من رموز الفشل وعلى رأسها الثلاثي أولمرت رئيس الوزراء وبيريتس وزير الحرب وحالوتس رئيس الأركان. والحكومة غير قادرة على التحول إلى حكومة وحدة وطنية أو حكومة طوارئ، لأن ذلك يفترض تبريرا والتبرير الوحيد لا يمكن أن يكون غير الاعتراف بالهزيمة، ناهيك عن أن مبادرة من هذا النوع ستفتح أبواباً كثيرة على مطالب حزبية تصعب المواءمة بينها. وهي أيضا غير قادرة على الدعوة لانتخابات مبكرة لأن النتائج ستمعن في تفتيت التيارات السياسية “الإسرائيلية” وسيتعذر معها تشكيل حكومة متماسكة وقابلة للحياة.

بيد أن الأزمة التي تعصف بحكومة أولمرت لا تقل خطرا عن الأزمة التي تضرب المجتمع السياسي “الإسرائيلي” برمته، فالأحزاب الرئيسية مهددة بالانشقاق والزعامات السياسية المرشحة لخلافة أولمرت تفتقر إلى التجربة وإلى المصداقية، فضلا عن أن أيا منها لا يملك ردا مقنعا على هزيمة تموز/يوليو الأخيرة، وهي تمثل الانكسار المعنوي الأول من نوعه في تاريخ الكيان الصهيوني، بما في ذلك التحضير لحرب جديدة لا يمكن لنتائجها في ضوء المعطيات الراهنة أن تكون أفضل من النتائج الحالية.

الحاصل أن الشعور “الإسرائيلي” الساحق بالهزيمة يدفع باتجاه أزمة حكومية سياسية خطيرة مرشحة للتحول إلى زلزال يضرب هذه المرة الدولة نفسها، الأمر الذي لا يخفى على الدول الغربية، وربما يفسر تهالكها على إرسال الأساطيل وآلاف العسكريين إلى لبنان لتوفير أمن “الكيان” ورفع معنويات الصهاينة والحؤول دون تحويل هزيمتهم في لبنان إلى كارثة حقيقية.

أما تداعيات الهزيمة “الإسرائيلية” في الغرب فيمكن ملاحظتها ليس فقط في السرعة القياسية التي رافقت وصول “القوات الأطلسية” إلى لبنان، وإنما أيضا من خلال الضغوط الكثيفة التي تتراكم على الوضع الداخلي اللبناني من اجل محاصرة حزب الله ومنعه من تظهير انتصار المقاومة وتفعيله في اتجاهات عديدة.

يبقى أن الهزيمة نفسها تهدد بصورة جدية موازين القوى في الشرق الأوسط، وفيها كانت “إسرائيل” على الدوام حجر الزاوية في حسابات الغرب الاستراتيجية. فإذا ما أضفنا إلى ذلك التعثر في مواجهة الملف النووي الإيراني، والتدهور المطرد في العراق وفلسطين والصومال والسودان وأفغانستان، نخرج بحصيلة مفادها أن السيطرة الغربية على الشرق الأوسط باتت تقف على أرض متحركة، وأن إعادة تنظيم علاقات الغرب بهذه المنطقة الاستراتيجية تحتاج إلى سياسة مختلفة، وبالتالي إلى حكام مختلفين في الولايات المتحدة أولاً وفي الدول الأوروبية الرئيسية من بعد.

أما آثار الانتصار اللبناني في العالم العربي فهي تتسارع في الظهور باتجاهين؛ الأول يتصل بالقوى التي راهنت ضمنا أو علنا على هزيمة المقاومة اللبنانية، وهي تضغط باتجاه تجريد المقاومين من سلاحهم وإغراقهم في سجالات داخلية لبنانية صغيرة، ومحاصرتهم طائفيا في أوساط الرأي العام العربي، والسعي لفصلهم عن تيارات المقاومة الفلسطينية ومن ثم العمل على إغراق الأوضاع اللبنانية مجددا بصراع مع سوريا في سياق التحقيق بقضية الرئيس الراحل رفيق الحريري.

وفي الاتجاه الثاني وهو الأهم تتحول المقاومة اللبنانية إلى عنوان للكرامة والفخر تتجه نحوه الأنظار من كل صوب عربي وإسلامي، وتتحول مناطقها المدمرة في الضاحية إلى مكان رمزي تزوره وفود يومية من مشرق بلاد العرب ومغربها في حركة لا سابق لها منذ ناصرية السويس في الخمسينيات، مع فارق كبير هو أن الناصرية انطلقت من أكبر بلد عربي ضمن مشروع توحيدي لتغيير وجه المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج، وكانت تمتلك وسائل وإمكانات ضخمة لدفع مشروعها إلى الأمام، في حين تقدم المقاومة اللبنانية نفسها بوصفها حركة تحرير لأرض محتلة في بلد صغير متعدد الطوائف والمشاكل والارتباطات الخارجية المؤثرة في تضاعيف بناه السياسية والاجتماعية، لذا من غير الواضح بعد كيف ستوظف انتصارها التاريخي الذي يفوقها حجما وتأثيرا بكافة المقاييس.

تبقى الإشارة إلى أن تاريخية الانتصار اللبناني تستدعي جهودا جبارة لتثبيته ولحمايته، ليس بوصفه محليا ومحصورا، وإنما بوصفه عربيا وبالتالي محطة أساسية في الصراع مع الكيان الصهيوني، سيكون لها ما بعدها ما يعني أن الخوف على الانتصار ليس من ضياعه في مجاهل التاريخ، وإنما من حالة الحصار التي تشترك في فرضها أطراف عديدة من بينها عقول وأقلام محترفة ولدت وترعرعت في مستنقعات الهزيمة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018