حان الوقت للنزول عن الشجرة ../ عوض عبد الفتاح

يتوقع أو يصلي الكثيرون من أهلنا البسطاء أن تهدي مجازر إسرائيل المروعة، هذا الأسبوع، الإخوة الفلسطينيين الى الإتفاق والتفاهم. ومنطقياً، ووطنياً، هذا التوقع مفهوم. ولكن عامة الناس بعيدون عن خفايا الأمور، ودهاليز السياسة، وديناميات الخلافات السياسية والحزبية وبالتالي لا يعرفون حجم دور المصالح الحزبية والفردية التي تتراكم من وراء التنافس، خاصة عندما لا يكون هذا التنافس مسقوفاً أو مسنوداً بعقد اجتماعي وبالقانون المعبّر عن الإرادة العامة.

وهذا لا يتأتى إلا بوجود دولة ذات سيادة، وبدولة القانون القائمة على الشفافية وفصل السلطات أو بحركة وطنية موحدة. كما لا يعرفون الدينامية والتداعيات التي يستولدها الصراع الداخلي حين تفقد حركة تحرر وطني إحدى عناصرها الأساسية وهي وحدتها الوطنية وتنزلق الى الصراع على سلطة وهمية.

لكن ما نراه في الأراضي المحتلة عام 67، لا هو دولة ولا حكمًا ذاتيًا، بحيث لم نعد نعرف كيف نعرّف هذا الواقع. هل نحن بصدد دولة تنقصها بعض عناصر السيادة، أم شعب تحت الإحتلال يناضل بجبهة وطنية موحدة لاقتلاع المحتل بعساكره ومستوطناته من أرضه.

إسرائيل لا تزال تتعامل مع شعب هذه المنطقة الفلسطينية كعدو يجب إخضاعه عبر كل السبل، ولم تخرج الإتفاقات التي جرت بينها وبين السلطة الفلسطينية - أوسلو وغيرها عن هذا السياق، أي عن سياق إخضاع الشعب وترويضه تدريجياً ليتخلى بالتالي عن أهم عناصر قضيته؛ الإستقلال الكامل، القدس، واللاجئين. ويقف على هذه القاعدة اليمين الصهيوني واليسار الصهيوني. فحتى بعد اتفاقية أوسلو وبعد الإنتفاضة واصل حزب العمل، بزعامة باراك اعتماده على هذه القاعدة، وشارك في حكومة ائتلاف مع الليكود بزعامة شارون. وها هو عمير بيرتس العمالي يتولى وزارة العدوان ويصدر القرار تلو القرار جرياً على عادة ونهج وعقلية كل وزراء الأمن والحكومات الإسرائيلية السابقة.

ليست المسألة استخدامية من جانب الليكود وكديما لحزب العمل كما يحاول البعض تفسير ذلك. إنها استراتيجية واحدة ووسائل واحدة؛ وسائل الإحتلال والقتل والإغتيال والتدمير.

أنظروا موقف الجنرال العمالي عمرام متسناع المحسوب على "حمائم" حزب العمل هذا الأسبوع، إنه غاضب على حكومة إسرائيل وعلى وزير الأمن من حزبه، عمير بيرتس، لأنهم يتهاونون مع إطلاق قذائف القسام على إسرائيل، وكأن كل المذابح التي تحدث يومياً لا تروي غليله.

في هذه الأثناء، تختفي صورة العدو عند بعض الإخوة الفلسطينيين وتختفي بسرعة صورة الطفلة هدى، التي كادت تحرق قلوبنا بعويلها، وستظل محفورة في ذاكرتنا التي تئن من ثقل وكثرة ما حملته من صور الجرائم الصهيونية.

وكذلك صورة عشرات الرجال والأطفال والنساء الذين حرقتهم طائرات ومدافع أولمرت - بيرتس. وعندما تختفي هذه الصور، تتبدل صورة العدو عند بعض مؤيدي طرفي الخلاف الفلسطيني فيندفعون الى الهجوم على مؤسسات السلطة الفلسطينية؛ المجلس التشريعي ومؤسسات أخرى. ويقتتلون فيما بينهم، وتدخل اسرائيل عبر عملائها في صفوفهم لتغتال كوادر من الطرفين لتأجيج الصراع.

ويتبادر الى الذهن فوراً تخيّل ردّ فعل المتعاطفين مع قضيتنا الوطنية، في أنحاء العالم وفي الشارع العربي. إسرائيل تقتلنا ونحن نقتل بعضنا وندمر مؤسساتنا. فكيف نُعيد صورة شعبنا الفلسطيني أمام العالم، وكيف نتوحد أمام الآلة الهمجية الصهيونية وأمام مشروعها السياسي الإحتلالي الذي يقوم أولمرت بتجنيد الدعم الدولي حوله.

هذه فرصة ذهبية بنظر أصحاب المشروع الإحتلالي لتمرير مشروعهم، فهم يسعون الى تبرير هذا المشروع بغياب شريك فلسطيني.

والحقيقة معروفة لنا جميعاً. إن إسرائيل تعرف أن أكثر الفلسطينيين اعتدالاً لا يمكن أن يوافق على مشروعها المفضوح. وهي ليست معنية ولا يهمها الإستفتاء الذي قال عنه إيهود أولمرت أنه لعبة سياسية بين الأطراف الفلسطينيين الأساسية. ولا يعنيها موافقة كل الفلسطينيين على وثيقة الأسرى التي يتفق الجميع على أنها صالحة لتكون أساسًا قويًا للحوار والتوصل الى إتفاق.

غير أن عدم وجود مصلحة اسرائيلية في اتفاق الفلسطينيين على صيغة سياسية معقولة تصلح للنضال الميداني ولحملة دبلوماسية دولية وتعرية موقف إسرائيل، لا ينفي ضرورتها بل إلحاحيتها. وأنه لا يمكن مواجهة الظروف الراهنة والحصار والعدوان دون التغلب على هذا التباعد في الرؤية السياسية وآلية إدارة النظام السياسي الفلسطيني، وآلية النضال ضد الإحتلال.

وإذا كانت بعض أوساط النخبة الفلسطينية تستبعد حدوث حرب أهلية مؤسسين منطقهم على غياب الأسس الإثنية والطائفية والسياسية والجغرافية التي كانت من عوامل هذه الحروب لدى شعوب أخرى، فالجميع يسكنه الشعور بأن التدهور سيتواصل وإن لم يصل الى مستوى الحرب الأهلية. أقلها إستمرار الفلتان، وتبادل إطلاق النار، والإعتداء على المؤسسات، واستمرار المعاناة اليومية للمواطنين وتآكل صورة الشعب الفلسطيني، وتراجع قضيته، وبالتالي مواصلة إسرائيل في رسم الواقع الجغرافي والسياسي النهائي لما تبقى من فلسطين.

لقد حان الوقت للنزول عن الشجرة، فأرضية التوافق على صيغة مقبولة متوفرة ووثيقة الأسرى هي هذه الأرضية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018