حتى لا نُهزم في حزيران إلى الأبد../ فيصل جلول

كان حجم كارثة يونيو/ حزيران موازياً للرهان الإعلامي اليقيني الذي عقدته القيادة الناصرية على الحرب: سحق “إسرائيل”. فإذا بالدولة العبرية تطيح بوسائل الحرب العربية خلال ستة أيام وتسيطر على أراض جديدة تفوق مساحة تلك التي احتلتها في العام 1948. يصعب فهم حجم وانعكاس الهزيمة في المخيلة العربية عموماً ولدى النخبة حصراً من دون التذكير بالظروف التي قادت إلى هذه المأساة. في الخطوط العريضة التالية سيناريو مكثف للكارثة:

1- كانت العلاقات الدولية محكومة باستقطاب القوى بين واشنطن وموسكو. وكان الطرفان يعملان على ترسيخ نتائج الحرب الكونية الثانية. في هذه المرحلة انبثقت الناصرية في مصر بوصفها حركة تحرر قومية عربية، واختارت التحالف مع الاتحاد السوفييتي بعد محاولات فاشلة للتفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية. كان التحالف مع السوفييت يتيح هامشاً أكبر للمناورة بالمقارنة مع المعسكر الغربي الذي أشرف على نشوء “إسرائيل” ويحتفظ بسمعة كولونيالية سيئة للغاية لدى العرب، ناهيك عن أنه يفرض على حلفائه آليات محكمة يصعب الفكاك منها.

كان على الناصرية أن تتحرك وسط هذه الظروف فسددت ضربات قوية لبقايا النظام الإمبراطوري المتهالك خصوصاً في مصر والسودان والعراق والجزائر والمغرب العربي عموماً وجنوب اليمن والخليج وانخرطت في قواعد اللعبة الدولية في منطقتنا والتي تنطوي على سقف لا يسمح الكبار بخرقه: سلامة “إسرائيل” وعدم السماح بزوالها. سوى أن هذه القواعد ليست منزلة من السماء، وبالتالي يمكن تغييرها عبر معطيات جديدة. وفي ظني أن الناصرية كانت تعمل في هذا الاتجاه.

2- احترمت القاهرة قواعد اللعبة وأخذت تبني اقتصاداً وجيشاً يسمح بفرض وقائع جديدة في المنطقة، لكنها لم تكن قادرة دائماً على ضبط إيقاع العرب الآخرين. إذ كان عليها أن تواجه منذ مطلع الستينيات “عرب أمريكا” من جهة، وعرب البعث من جهة أخرى. الطرف الأول، اختار التحالف مع الولايات المتحدة وبريطانيا وضغط بقوة على الوضع الداخلي المصري وفي الشرق الأوسط عبر التيار الإسلامي، واختار الطرف الثاني، الضغط على القاهرة عبر السياسة الخارجية وبخاصة الصراع العربي “الإسرائيلي” مستنداً أيضاً إلى السوفييت الذين لا يقيمون وزناً يذكر للتطلع العروبي نحو الوحدة لا بل يرفضونه كما تبين من تجربة الجمهورية العربية المتحدة.

ضغط عرب البعث مرتين على الناصرية وفي المرتين كانت نتائج الضغط سلبية على مجمل الحركة القومية. في المرة الأولى كان على عبد الناصر أن ينقذ سوريا من الانضمام إلى المعسكر الشرقي أو من اجتياح تركي وشيك عبر الوحدة المصرية السورية التي انفضت من بعد بمبادرة سوريا، وفي المرة الثانية كان عليه أن يدخل الحرب مع “إسرائيل” لإنقاذ دمشق من اجتياح “إسرائيلي”.

أكبر الظن أن عبد الناصر كان يدرك استحالة تحطيم “إسرائيل” لأنه لا يملك الوسائل من جهة، ولأنه يعلم أن حلفاءه السوفييت يرفضون هذا الخيار، ولأنه يعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية، والغرب عموماً، لا يتسامح مع خطوة من هذا النوع خصوصاً.

3- عشية الحرب راهن عبد الناصر على احتواء تهديد “إسرائيل” باحتلال سوريا وتغيير نظامها عبر تصعيد التوتر واللعب على حافة الهاوية. فشل في تجميع وحدات الأمم المتحدة على الحدود فاضطر للمطالبة بسحبها. أغلق مضائق تيران أمام الملاحة “الإسرائيلية” ظناً منه أن بالإمكان استخدامها ورقة تفاوضية في مجلس الأمن فأصبح عرضة للضغط الدولي من أجل التراجع عن قراره. افترض أن تحذير القوى العظمى من الحرب ومعاقبة البادئ بها يكفي للعمل تحت سقف اللاحرب، وبالتالي حصر التصعيد في إطار التفاوض الدولي، فبدا أن أفق التفاوض شبه مسدود.

اكتشف بعد فوات الأوان أنه لم يعد قادراً على التراجع فأرسل فرقه العسكرية إلى سيناء. واكتشف أيضاً أنه غير قادر على التحكم بتوقيت الضربة الأولى عندما حذره السوفييت من البدء في الحرب. حسب أنه في حالة الحرب سيكون قادراً على الصمود تمهيداً لتحريك الوضع الدبلوماسي الدولي، وبالتالي الاعتماد على السوفييت لإيجاد مخرج مشرف وفي ذهنه ربما تجربة غزو السويس لكن أعداءه كانوا على علم بمناورته ويرغبون في دفعه أكثر فأكثر نحو الحرب.

4- أطاحت نتائج الحرب التي ظهرت في اليومين الأول والثاني بكل الحسابات السياسية لناصر والسوفييت وحررت الأمريكيين من الضغوط الدولية وجعلت “إسرائيل” في موقع من يفرض شروطه المطلقة. لقد أدت الحرب إلى انكشاف استراتيجي مريع لم تخفف منه حركة الاصطفاف العربي المصطنع قبيل الخامس من يونيو/ حزيران.

السؤال الكبير الذي طرحته الهزيمة لا يزال مطروحاً مع الأسف حتى اليوم: هل ما أصابنا نكسة أم كارثة تضعنا على حدود نهاية المطاف؟ جاء رد الناصرية على السؤال سريعاً وربما بعد أيام من الهزيمة عبر القول: ما حصل نكسة يمكن تجاوزها. كل الشعوب تهزم لكنها تهيئ نفسها لمعركة أخرى يمكن من خلالها محو آثار الهزيمة، وبالتالي الانتصار مجدداً بيد أن أعداء الناصرية داخل مصر وخارجها جعلوا الهزيمة أبدية.

ما من شك أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” لم تكونا تحلمان بأن تعتبر مصر وبعض العرب أن ما حصل في يونيو/ حزيران هو نهاية المطاف وأن دور الهزيمة في العقل العربي فاق التوقعات. فكان أن دفع أنور السادات بإبعاد مصر عن حلبة الصراع العربي “الإسرائيلي” ولعل الحاصل من بعد يصب في الاتجاه نفسه.

ما يؤسف له، أنه على الرغم من هزيمة “إسرائيل” في حرب أكتوبر/ تشرين الأول ،1973 وفي جنوب لبنان لا يزال بعض العرب يروج للهزيمة الحزيرانية وكأنه يريدها أبدية. لذا ربما يتوجب طي صفحة الخامس من يونيو/ حزيران وفتح صفحة الهزائم “الإسرائيلية” في لبنان ومصر فلسطين هذا إذا أردنا صون كرامتنا واستعادة ثقة العالم بنا كأمة عريقة تهزم وتنتصر لكنها لا تستسلم أبداً.


* "الخليج"

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية