حدود الدم و الفتاوى المحسوبة !!../ *غسان يوسف

نشرت مجلة ''أرمد فورسز جورنال'' armed forces journal العسكرية الأمريكية المتخصصة خارطة جديدة للشرق الأوسط، وضعها الجنرال المتقاعد رالف بيترز، وقسّم فيها المنطقة إلى دول سنية وشيعية وكردية.

وبحسب زعم الجنرال الأمريكي فإن تقسيم المنطقة على أساس الطوائف والاثنيات من شأنه أن يجعل كل طائفة أو قومية تعيش منفصلة عن الطوائف والقوميات الأخرى في دولة سياسية مستقلة وبالتالي ينهي العنف في هذه المنطقة.

وقال الجنرال بيترز، في تقريره الذي نشره مع الخارطة في عدد المجلة العسكرية الصادرة هذا الشهر، والذي عنونه ب - حدود الدم - إن الولايات المتحدة الأمريكية أضاعت فرصة ثمينة لأنها لم تُقدم على تقسيم العراق إلى دول بعد سقوط نظام صدام حسين.

ولعل ما جاء في هذه المجلة يلتقي مع ما أصدره الشيخ عبد الله بن جبرين، أحد أكبر مراجع الفتوى في السعودية والعضو السابق في لجنة الإفتاء، الأسبوع الماضي، حيث قام هذا ( الشيخ الجليل حفظه الله ورعاه وأدامه ذخرأ لبني صهيون ) بإصدار فتوى تُحرّم كل أشكال الدعم لـ حزب الله سواء كان الدعم ماديا أم معنويا!

ولم يكتف هذا الشيخ بذلك بل طالب المسلمين( السنة ) بالتبرؤ من هؤلاء المقاومين الذين أذلوا إسرائيل في معارك عيترون ومارون الراس وبنت جبيل والسعي في خذلانهم. والسبب، كما يقول الشيخ جبرين، هو أن حزب الله يدين بالمذهب الشيعي! ولعله نسي أن حزب الله لبناني عربي وأن هذا الحزب يخوض غمار المقاومة الباسلة مع العدو الصهيوني الذي يغتصب فلسطين ويقتل أطفالها ونساءها بدم بارد، وأن أي نصر على العدو الصهيوني هو نصر للعرب كلهم ،كما قال الشيخ يوسف القرضاوي، وأن هذا العدو لم يفرق يوماً في حروبه كلها العرب على أساس طوائفهم ومذاهبهم!

ولعل التناسق والتناغم بين هذه الفتوى وبيان وزارة الخارجية السعودية، الذي وصف ما قام به حزب الله بأنه مغامرة غير محسوبة، يظهر مدى تعاضد السلطتين الدينية والسياسية في هذا البلد الذي رفعت حكومته شعار العقلانية لتغطية تقاعسها عن نصرة الأخوة في فلسطين ولبنان، في حين رفع بعض مفتيها شعار الطائفية وكأنه لا ينقص أمة العرب إلا العقلانية للتخاذل ..... والطائفية للفتنة!!

ولم يكن إسراع كل من مصر والأردن في توجيه انتقادات غير مباشرة لحزب الله من باب الصدفة، وإنما وكما قالت صحيفة، "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أنه يأتي في سياق "دعم الأنظمة العربية للحرب الإسرائيلية على لبنان والذي وصفته بأنه " دعم بلا حدود ".

وقد تكون الصورة أوضح عند أحمد الجار الله رئيس تحرير صحيفتي "عرب تايمز" والسياسية الكويتيتين الذي رأى أن الحرب الإسرائيلية على لبنان هي في صالح العرب، ووصف الدعم العربي غير المباشر لإسرائيل في عدوانها بأنه "شيء لا يُصدق".

ولعل كل تلك المواقف وكما ذكرت صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية تصب في خدمة ما يسعى إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش من بناء "مظلة من الحلفاء العرب ضد حزب الله مع إعطاء إسرائيل حرية الحركة في مهاجمة معاقل المقاومة اللبنانية وضرب البنية التحتية لهذا البلد في محاولة لخلق فتنة داخلية.

وبالعودة إلى مواقف الشعوب العربية نرى أنه يتناقض تماما مع مواقف الحكام العرب، "فغالبية العرب أصبحوا يرون في السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله البطل العربي الذي مرغ رؤوس قادة إسرائيل بالوحل وقهقر جيشهم الذي لا يقهر!

ما دعا الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله إلى توجيه رسالةً إلى أفراد الأمة طالبهم فيها بتحمل مسؤولياتهم أمام الصلف الصهيوني الذي فاق الحدود، وقال إنه إذا قٌدِّرَ للعدو الصهيوني إلحاق الهزيمة بالمقاومة فإن العالم العربي والإسلامي سيغرق في ذلٍّ أبديٍّ، وسوف يزداد علو الصهاينة والأمريكان، وبالتالي سوف يكبر ويتعاظم النهب لثرواتنا وتفتيت ما تبقى من وحدتنا.

وأضاف: نحن أمام فرصةٍ تاريخيةٍ لإنجاز انتصارٍ تاريخيٍّ كبيرٍ على العدو الصهيوني، ونحاول أن نقدِّم نموذجًا في الصبر والتصدِّي لإلحاق الهزيمة بالعدوِّ، مشددًا على أن المقاومة لا تخوض معركةَ الحزب ولا معركةَ لبنان، ولكنها تخوض معركة الأمة.

وبالعودة إلى فتوى الشيخ عبد الله بن جبرين، فأعتقد أن من أسباب تأخر الأمة الإسلامية في مختلف أقطارها هو هذه الفتاوى التي تصدر بلا ضابط ولا رادع.

وأنه بدلأ من إصدار الفتاوى وإثارة الفتن الطائفية والنعرات المذهبية، العمل على وحدة الأمة وتجاوز خلافاتها والاهتمام بالعلم والتكنولوجيا وبناء منظومة دفاعيه قوية تكون قادرة على صد العدوان كما فعل حزب الله هذا الحزب القليل بعدده الكبير في فعله وكأنه يحقق قول سبحانه وتعالى " وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة " .

فماذا لو اجتمع العرب كلهم وتركوا خلافاتهم وراء ظهرهم وحاربوا عدوهم وتعبدوا الله كل على مذهبه. والسؤال هل اليهود موحدين كعقيدة ؟ الجواب. . .لا. وهل أوروبا تدين بمذهب واحد ؟ الجواب أيضأ لا . وهل أمريكا تدين بمذهب واحد ؟ الجواب أيضأ. . . لا . والسؤال الأخطر ماذا لو فعلت الأمم المتحضرة مثلنا وبدأت بمحاسبة علمائها وقادتها وحراس حدودها على مذاهبهم هل كانت ستصل إلى ما وصلت عليه من رقي وحضارة وقوة ....أبدأ .

إذن المطلوب العلم أولا. . والعمل ثانياً . . . والحرية ثالثاً . . . وترك المحاسبة لله تعالى ألسنا كلنا نؤمن بيوم الحساب إذن لنترك الحساب ليوم الحساب، ونحارب عدونا الذي يتربص بنا ويقتل أبناءنا ويدمر بيوتنا ويقول لنا لا تخافوا أنتم الآن في مرحلة المخاض " مخاض شرق أوسط جديد " تعصف فيه الفتن الطائفية والخلافات المذهبية، هدفه الأول والأخير أن تسود إسرائيل في هذه المنطقة مدعومة من الولايات المتحدة، تتربع بيننا كالإمبراطور ونجلس نحن في خدمتها نطلب رضاها وننفذ أوامرها نقتل بعضنا بالنيابة عنها كما يحدث في العراق والسودان والصومال وأفغانستان، ويصبح الأخ هو العدو وإسرائيل هي الحامي والحكم، وإذا قام أحدنا برفض طاعتها وحاول التفلّت من طغيانها وجبروتها قلنا له " أنت مغامر جسور ادفع الثمن لوحدك نحن ليس لنا علاقة فمغامراتك غير محسوبة وقوة إسرائيل لا تجابه لأنها قدر والإيمان بالقدر واجب !!


* صحافي سوري

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018