حرب إسرائيل ووعود الشرق الأوسط الجديد!/ ماجد كيالي

فيما تقوم إسرائيل بشنّ حرب مدمّرة، ضد اللبنانيين والفلسطينيين، طلعت علينا كوندوليسا رايس (وزيرة الخارجية الأميركية) بوعد أميركي قديم / جديد، بشأن قيام "شرق أوسط جديد"، في هذه المنطقة! الواقع أن وعد رايس هذا كان جدّ غريباً ومفاجئاً وخارجاً عن السياق، لأسباب عدة، أهمها:

أولاً، أنه جاء في خضم العدوان الإسرائيلي الوحشي، على الفلسطينيين واللبنانيين، كما قدمنا.
ففي الحرب الأولى، تقوم إسرائيل، بواسطة آلتها العسكرية، بالقضاء على ما تبقى من عملية التسوية، على هذه الجبهة، بإضعافها السلطة الفلسطينية، وبمحاولاتها إقصاء الحكومة المنتخبة ديمقراطيا بشهادة العالم، وبمحاولاتها فرض إملاءاتها، بالقوة الغاشمة على الفلسطينيين بعد عزلهم وحصارهم وتدمير مقوماتهم وتجويعهم. أما في الحرب الثانية، فإن إسرائيل فضّلت استخدم قوتها العمياء، لشنّ حرب شاملة ضد لبنان، يخشى أن تتوسّع، وأن يزداد أوارها، على الوسائل السياسية لحل المشاكل العالقة مع لبنان. وفي هذه الحرب تعمّدت إسرائيل استخدام قوتها التدميرية العاتية، لإلحاق الأذى بلبنان، وتخريب بناه التحتية (المطارات والموانئ والطرق والجسور وشبكات الكهرباء)، هذا فضلا عن قتل المئات من اللبنانيين، وإصابة الألوف منهم، وتخريب منازلهم، وتشريد أكثر من ثمانمئة ألف من بيوتهم وأراضيهم وأملاكهم.
ثانياً، ثمة نوع من الصعوبة في فهم عن ماذا تتحدث رايس، كما في إدراك الحيثيات أو المعطيات التي دعتها للتفاؤل بإمكان قيام الشرق الأوسط الجديد هذا، في وقت ما زالت فيه ترتيبات الولايات المتحدة الأميركية، في المنطقة، تواجه الكثير من التخبطات والتعثرات، خصوصا في العراق، حيث أنها وبعد أكثر من ثلاثة أعوام من تواجدها العسكري والمباشر فيه، لم تنجح في فرض الآمان ولا الاستقرار، لا في النواحي الأمنية ولا في النواحي السياسية أو الاقتصادية.
ثالثاُ، إن الولايات المتحدة مازالت بسياساتها إزاء المنطقة العربية، المتّسمة بالعنجهية والانفلاش والانحياز لإسرائيل، والتي تخلق المزيد من التناقضات والمشكلات في هذه المنطقة، تفاقم من نزعة العداء لها في المجتمعات العربية. هكذا فإن الحرب الأميركية الشعواء على الإرهاب، بأساليبها الفجة ما زالت تخلق التربة الخصبة لنمو جماعات التطرف والإرهاب، خصوصا أن الإدارة الأميركية تتعمّد عدم التمييز بين حركات التحرر الوطني ضد الاحتلال (وضمنها حركة التحرر الفلسطينية)، وبين الحركات الإرهابية المتطرفة، مثلما أنها تتقصّد عدم التمييز بين الحركات السياسية الإسلامية، وبين الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي تنتهج الأعمال الإرهابية. والأنكى أن الولايات المتحدة فوق كل ذلك، وفيما هي تدعي محاربة إرهاب الأفراد والجماعات غير النظامية، تبدو وكأنها منحازة أو متفهمة لإرهاب الدولة المنظم، الفتاك والمدمر، الذي تمارسه إسرائيل، من دون حساب، ضد الفلسطينيين واللبنانيين. أما سعي الإدارة الأميركية لنشر الديمقراطية، فهو بات مثار تندر، أو سخرية، ذلك أن الإدارة الأميركية وقفت ضد نتائج الانتخابات الحرة والنزيهة التي جرت في فلسطين، بل إنها وقفت إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الشعب الفلسطيني، في محاولة منها لمعاقبته بدون رحمة على خياراته الديمقراطية. وكانت السياسات الأميركية الحمقاء في العراق (بعد احتلاله 2003)، أدت إلى نتيجة عكسية وكارثية، بسبب انتهاج الإدارة الأميركية فيه سياسة غطرسة القوة، والتي ضمنها تقويض بنية الدولة وتفكيك الجيش وإثارة العصبيات الإثنية، بحيث باتت سياسة الولايات المتحدة في العراق في مأزق يصعب الخروج منه أو البقاء فيه، فضلا عن الخراب وسيادة الفوضى في الواقع العراقي، على مستوى الدولة والمجتمع والاقتصاد والأمن والسياسة! وهذا الأمر يتكرر مجدداً مع حكومة لبنان!
واضح من ذلك أن صانعي القرار في البيت الأبيض لا يدركون طبيعة ردّة فعل المجتمعات العربية، على التحديات الخارجية، كونها تأتي من خارج دائرة المفاهيم والسلوكيات والقيم السائدة في الولايات المتحدة. فالمنظور الثقافي ـ السياسي العربي السائد للصراع في المنطقة العربية وعليها ينتمي إلى مصطلحات الصراع على الوجود: نكون أو لا نكون، نحن أو هم. وفي صراع كهذا يتم استدعاء الموروث الثقافي والديني والنفسي والتاريخي (لا سيما بفعل مداخلات التجربة ضد الاستعمار وضد إسرائيل). وفي هذا الإطار يكتسب الصراع على الأرض مكانة قدسية؛ فالوطن يأتي أولاً، أما مسائل التنمية والازدهار فهي تأتي بعد ذلك.
وعودة إلى موضوعنا، فمن دعوة وزيرة الخارجية رايس، بشأن قيام الشرق الأوسط الجديد، يمكن الاستنتاج بأن أولويات أو سياسات الولايات المتحدة في المنطقة تبدّلت، فبدلا من التركيز على أولويات السلام والازدهار والتنمية الاقتصادية، بات التركيز يتمحور على انتهاج سياسة الحرب الوقائية، ومحاربة الإرهاب، والسعي لإعادة صوغ النظم السياسية بدون أية مراعاة لخيارات الشعب المعني، ولا درجة تطوره السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
يذكر أن إدارة الرئيس بوش (الأب) كانت دعت إلى قيام شرق أوسط جديد، في مطلع التسعينيات، بعد أن باتت الولايات المتحدة تهيمن كقطب أوحد على النظام الدولي، إثر انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق)، وبعد حرب الخليج الثانية (1991). وفي حينه فإن هذه الدعوة، والتي تبنتها أيضا إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون (1992ـ 2000)، اقترنت بوعود أو بآمال كثيرة تشمل تحقيق السلام والديمقراطية والازدهار في المنطقة.
على هذا الأساس دعا الرئيسان بوش (الأب) وكلينتون إلى التزامن بين عملية التسوية (على كل الجبهات)، وبين عملية إقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، يسوده الاستقرار والسلام والوئام، بدلا من الاضطراب والحروب؛ وعلى هذا الأساس تم تنظيم مؤتمر دولي للسلام في مدريد (أواخر العام 1991)، بحضور مختلف الأطراف المعنية، إلى جانب الدول الكبرى، كما قامت الإدارة الأميركية برعاية عملية التسوية والمفاوضات العربية ـ الإسرائيلية، عن كثب. لكن هذه الجهود لم تصل إلى نتيجة، بسبب الاختلال في موازين القوى، والتملّصات الإسرائيلية، وأيضا بسبب عدم حزم إدارة كلينتون لأمرها، لجهة الضغط على إسرائيل للدرجة المناسبة.
كذلك فقد ساند الرئيسان بوش (الأب) وكلينتون الجهود الدولية لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الشرق أوسطية، وتنمية اقتصاداتها، وتطوير بناها التحتية المشتركة، وإنشاء صناديق تمويل دولية لها، وتمت إقامة آليات أو مؤسسات شرق أوسطية/ دولية لهذا الغرض، من مثل المفاوضات المتعددة الأطراف، ومؤتمرات القمة الشرق أوسطية، انطلاقا من قناعة مفادها، أن السلام يحتاج إلى بني وحوافز وتشجيعات اقتصادية، وأن الاقتصاد يدعم علاقات التعاون والسلام، ويجلب الازدهار. وعلى الرغم من كل ذلك فإن هذه الجهود لم تؤت النتيجة المرجوّة، ذلك أن إسرائيل، حاولت أن تحصل على جوائز من علاقات التعاون الإقليمي، من دون أن تقدم من طرفها الاستحقاقات المطلوبة منها لعملية السلام، وبالخصوص لجهة الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة العام 1967، وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة في الضفة والقطاع. وكما هو معلوم فإن إسرائيل لم تكتف بذلك فحسب بل إنها حاولت، وبنوع من الغطرسة، فرض هيمنتها على فرضيات وأولويات التعاون الشرق أوسطي، مستغلة في ذلك تفوقها الاقتصادية والتكنولوجي، وعلاقاتها المتميزة مع الولايات المتحدة الأميركية.
يستنتج من ذلك أن إسرائيل، التي عملت بكل جهدها لإفشال عملية التسوية، وتسييد منطق القوة والإكراه والإملاء فيها، هي التي تقف وراء إخفاق مشروع الشرق الأوسط الجديد، ظنا منها أنها تستطيع أن تستغني عن علاقاتها بالمنطقة، بفضل شبكة العلاقات التي تربطها بالغرب، وخصوصا بالولايات المتحدة الأميركية من جميع النواحي، وظنا منها أنها تستطيع أن تهيمن على المنطقة وأن تفرض شكل التسوية والنظام الإقليمي الجديد، بحسب رؤاها وأولوياتها ومصالحها.
واضح أن الإدارة الأميركية الحالية جسرت الفجوة، أو غطت على التمايزات بين سياستها وأولوياتها، وبين سياسات وأولويات إسرائيل، لصالح هذه الأخيرة، إن بموافقتها على فرض التسوية الأحادية بالقوة على الفلسطينيين، أو بتغطيتها لعدوان إسرائيل على لبنان، أو بسعيها فرض الشرق الأوسط الكبير، ليس عبر وسائل الحوار والإقناع، وإنما على صهوات الدبابات ووسط أزيز الطائرات ودوي القذائف الصاروخية، أي في خضم كل هذا الدمار المريع، الذي بات يحيق بالعالم العربي! فأي وعود هذه، وأي شرق أوسط جديد، هذا القادم المعجون بالدماء؟!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018