حرب لبنان تستحضر نظرية ديان في "القلب المزروع"...!/ نواف الزرو

ربما تكون اسئلة الوجود والبقاء والاستمرار بالنسبة للمجتمع الاسرائيلي هي الاخطر والاشد تفاعلا والحاحية على كل الاجندات الحياتية الاسرائيلية ...وربما تكون هذه المرحلة التي اعقبت الحرب الاسرائيلية على لبنان هي الاكثر حضورا على هذا الصعيد ...فهذه الحرب ...وهذه الهزيمة حصرا التي منيت بها "اسرائيل العظمى" هي التي تستحضر لديهم في هذه الايام كل الاسئلة المتعلقة بوجود الدولة العبرية والمشروع الصهيوني... فتحطيم مرتكزات أساطير عقيدتهم العسكرية / الحربية وتدمير روايتهم الردعية المعنوية النفسية ليست مسالة هامشية يمرون عليها هكذا بلا حسابات استراتيجية ...

عمليا لم تتوقف المؤسسة الصهيونية بكافة عناوينها على مدى العقود الماضية عن الادعاء بأن حروب "اسرائيل" مع العرب هي حروب وجود وبقاء... على الرغم من ان "اسرائيل" في كل حروبها كانت هي المبادرة والمعتدية.. ولكنها كانت تزعم على الدوام انها انما تشن حرب "دفاع عن النفس" او حرب"حياة او موت في مواجهة الارهاب" او "حرب استمرار لحرب الاستقلال"...وغير ذلك الكثير من الادعاءات...!

في أعقاب نتائج الحرب والهزيمة الإسرائيلية... وفي هذه المضامين الحروبية الوجودية تحديدا استحضرت مجلة "بماحنيه"العسكرية الاسرائيلية ما كان جنرالهم الأسبق موشيه ديان قد نظر له في الرابع من حزيران /1968 وبمناسبة مرور عام على حرب حزيران /1967 قائلا:"اننا/اي اسرائيل/ قلب مزروع في هذه المنطقة غير ان الاعضاء الاخرى /ويقصد العرب/ هناك ترفض قبول هذا القلب المزروع.. ولذلك لا خيار امامنا سوى حقن هذا القلب بالمزيد والمزيد من الحقن المنشطة من اجل التغلب على هذا الرفض... "عن مجلة بماحنيه العسكرية الناطقة بلسان الجيش الإسرائيلي".

ويثبت ديان حقيقة كبيرة مؤكدا:" لقد زرعنا انفسنا هنا عن وعي.. وفعلنا ذلك مع علمنا بان محيطنا لا يرغب بنا.. ولكن الأمر بالنسبة لنا حتمية حياتية... لأن هذا القلب لا يمكنه ان يعيش في اي مكان آخر..."."

وفي هذه النظرية الديانية ايضا كتب الصحفي الاسرائيلي المعروف اوري افنيري... كتب على موقع "المشهد الاسرائيلي يعزز نظرية الجنرال ديان فيقول : "هناك /ويقصد لدى العرب/ يشبّه المشروع الصهيوني برمته بعضو غريب تم زرعه في جسد إنسان. وجهاز المناعة الطبيعي يقاوم العضو المزروع، والجسم يجند كل ما أوتي من قوة لرفضه. يستخدم الأطباء جرعة كبيرة من الأدوية للتغلب على الرفض. يمكن لذلك أن يستمر إلى وقت طويل، وفي بعض الأحيان، يمكن أن يؤدي إلى موت الجسد ذاته، والعضو المزروع معه... ويضيف : من المؤكد أن علينا أن نتطرق إلى هذا المثال كما نتطرق إلى أي مثال آخر، كمحدود الضمان. يمكن للمثل أن يساعدنا على فهم قالب عام، وليس أكثر من ذلك".
ويمضي افنيري في عمق المسالة قائلا :" سيقول الغبي: مقاومة الرفض بمساعدة جرعة أكبر من الأدوية، التي تمنحنا إياها أميركا والعالم. وسيقول الأكثر غباء: لا يوجد حل. إنه وضع مفروض، سيستمر إلى ما لا نهاية. لا يوجد ما يمكن فعله سوى الدفاع عن أنفسنا بحرب، وحرب أخرى وحرب أخرى. ها هي الحرب القادمة لتوّها على الأبواب.

وسيقول الحكيم: هدفنا هو أن ندع الجسم يقبل العضو المزروع كسائر أعضائه. أن لا يعتبرنا جهاز المناعة فينا عدوا يجب التخلص منه بأي ثمن. وإذا كان هذا هو الهدف، فيجب أن يتحوّل إلى المحور الرئيسي الذي تنصب جهودنا من حوله. بما معناه: يجب أن يُنظر إليه وفق هذا المعيار البسيط: هل هذا يدفع الهدف إلى الأمام أم يقهقره إلى الخلف؟
ويستخلص:" إذا توخينا هذا المعيار في القياس، فإن حرب لبنان كانت بمثابة كارثة".

وليس ذلك فحسب.. فقد حرقت هذه الحرب الوعي والذاكرة والثقافة الحربية الوجودية الاسرائيلية بصورة لم تأت في كل حساباتهم، ولذلك أعلن عجوزهم شمعون بيرز" بأن حرب لبنان الأخيرة هي حرب حياة أو موت".. مما استحضر أيضا هنا ما كان بن غوريون قد اكده عند تأسيس الدولة اليهودية بأن" إسرائيل ممكن أن تهزم العرب مئة مرة، ولكن أن هُزمت مرة واحدة فيعني ذلك نهايتها/هذا الاقتباس الاخير من دراسة د.ابو عامر".

ورغم أن كل هذه مقولات قديمة كامنة ومغروسة عميقاً في اللاشعور لدى كل يهودي صهيوني /اسرائيلي مستوطن في فلسطين الا انها تتجدد لديهم كلما قرعت طبول الحرب وكلما تدهورت الاوضاع الامنية... وكلما أرادوا تمرير خطط شيطانية تحت الذريعة الوجودية....

في هذا السياق كذلك كتب دان بن دافيد في "هآرتس" أيضا "أن الخطر الذي يواجه الهيكل الثالث يكمن في الداخل والخارج على حد سواء. ..فالدولة التي يتعذر عليها وقف الصواريخ الموجودة بأيدي من يريدون تدميرها لا تحتاج إلى خيال واسع لفهم ما سيحدث لها عندما تتحول صواريخ القسام إلى كاتيوشا، وعندما تتطور الرؤوس الحربية من 20 إلى 600 كيلوغرام ومن 600 كيلوغرام إلى رؤوس حربية كيميائية وبيولوجية، وعلى ما يعمل على إنتاجه بجهد كبير الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد. والخطر الداخلي يتأتى من الفقر والفجوات الاجتماعية التي تتعاظم بشكل دؤوب طوال عقود والتي بلغت ذرى في الغرب، وفي أوضاع تتزايد فيها أعداد المحتاجين بوتيرة أسرع وتعداد السكان الذين يمولونهم. وفي المجالين الداخلي والخارجي، صار العنوان على الجدار، إذا لم نفق الآن / هآرتس".

وكتب المحلل الاسرائيلي يائير شيلغ في "هآرتس" أيضا:" أن مستوى الخطر هذا يضع أمام اسرائيل تحديا لا يقل في خطورته عن التحدي الذي واجه يهود أوروبا في الثلاثينيات من القرن الماضي. الأمر الذي يوجب إجراء حوار علني، إضافة إلى الحوار المهني المستتر للجهات المختصة بالأمن والسياسة الخارجية، يضع هذا الخطر الوجودي على رأس الأولويات، حتى لو على حساب القضايا التي تحتل في الأمور العادية اهتماما مركزيا/ هآرتس".

وربما يكون المحلل والمعلق العسكري الاسرائيلي المعروف "رون بن يشاي" خير من يشرح هذا المضمون في تحليل له في يديعوت عندما كتب قائلا:" إن الحرب الدائرة في لبنان انما هي جزء فقط من الحرب/ التي يشنها العرب/ لمحو اسرائيل عن الخارطة.. وفي المرحلة القادمة ستنضم سوريا وغيرها للحرب تحت مظلة نووية إيرانية...".

وكان المحلل السياسي الاسرائيلي يوسي وولتر قد عقب على خطاب اولمرت امام الكنيست الاسرائيلي الذي هدد فيه بمحو كل بنية ارهابية في كل مكان شارحا:" لقد أخذوا يطلقون علي هذه الحرب.. حرب السلام الاضافي../اي الحرب من اجل بقاء اسرائيل التي لم تستكمل عام 48/ /هآرتس".

كل ذلك في الحقيقة غيض من فيض هائل من الوثائق والتصريحات والاعترافات الاسرائيلية واليهودية العالمية حول الهواجس والمخاوف المتزايدة التي اخذت تنتشر قبل هذه الحرب الاخيرة وبعدها على نطاق أوسع حول "اسرائيل"...!
كما اخذت الاسئلة والتساؤلات المتفجرة حول وجود الدولة العبرية تحتل الى حد كبير ليس فقط الوعي والذاكرة والحياة الاسرائيلية /الصهيونية / اليهودية وانما اخذت تحتل الاجندات السياسية/ العسكرية /الحربية /الاكاديمية والاعلامية في "اسرائيل" وكذلك المؤسسات الصهيونية اليهودية في العالم...

ما يعزز ويعمق تلك العقدة الوجودية التاريخية لديهم التي تحدث عنها كبار مفكريهم وباحثيهم ..والتي كثفها الجنرال ديان باستعارة "القلب المزروع" كما ورد أعلاه ....؟!!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018