حرب يونيو بعد أربعين عاما: ملاحظات واستنتاجات../ ماجد كيالي

مثّلت حرب الخامس من يونيو/حزيران (1967) انعطافة حادة بين زمنين سياسيين لدى كل من العرب وإسرائيل، وأيضا في مجال الصراع بينهما.

فقد شكلت الهزيمة المتحققة في هذه الحرب، صدمة هائلة وغير متوقعة في البيئة السياسية الرسمية والشعبية العربية، حيث قامت إسرائيل، وبسرعة قياسية، بتوجيه ضربة قوية لجيوش ثلاث دول عربية هي مصر والأردن وسورية، ما مكنها من احتلال باقي الأراضي الفلسطينية (الضفة والقطاع)، ومعها أجزاء من أراض مصرية (سيناء) وسورية (الجولان).

وما زاد من هول هذه الصدمة أن الهزيمة، هذه المرة، لم تكن من نصيب أنظمة رجعية أو بالية، على ما جرى التصنيف بشأن حرب 1948، والنكبة التي نجمت عنها، وإنما كانت أساسا من نصيب نظامين يمثلان حركة التحرر الوطني والقومي العربية، ولاسيما نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالذات، الذي كان يتمتع بزعامة كاريزمية تشمل جماهير الوطن العربي، التي علقت جل آمالها عليه بالتحرير والوحدة والتقدم.

على ذلك فإن هذه الحرب كشفت العطب في النظام العربي كله، على تباين توجهاته وخطاباته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأكدت بأن النظام العربي الرسمي، على اختلاف شعاراته ومقولاته وادعاءاته، إنما هو من نسيج واحد، لجهة عزل الجماهير عن المشاركة بتقرير شؤونها ومستقبلها، وإعلاء شأن السلطة على حساب الدولة ومؤسساتها، وتغليب الدولة الأمنية على دولة المواطنين، بدعوى متطلبات أو ضرورات الصراع العربي ـ الإسرائيلي؛ ما يعني التجبّر إزاء الداخل، والعجز والانكشاف إزاء الخارج.

في كل الأحوال فإن النظام العربي السائد (على تبايناته)، حاول التغطية على الهزيمة الحاصلة بالترويج إلى أن هذه الحرب لم تحقق أهدافها (!)، على أساس أن هذه الحرب كانت تتوخى إسقاط الأنظمة العربية التحررية والتقدمية، وهو ما لم يحدث.

وإضافة إلى ذلك فإن النظام العربي توافق، في تلك المرحلة، على التعويض عن الهزيمة بإطلاق العنان للعمل الفدائي الفلسطيني، من الأردن ولبنان وسورية، لتنفيس الاحتقان في الوضع العربي، والتقليل من شأن الهزيمة، التي لحقت بالواقع العربي، وبالأنظمة السائدة؛ وهكذا جاءت ولادة الحركة الوطنية الفلسطينية في لحظة تاريخية تتطلب سد الفراغ الرسمي العربي، في مجال الصراع ضد إسرائيل.

مع ذلك فإن حرب يونيو أدت فيما أدت إليه إلى حصول نقلة كبيرة في السياسة العربية، في مجال الصراع العربي ـ الإسرائيلي، حيث انتقل الحديث من مستوى الصراع على وجود إسرائيل، إلى مستوى الصراع على حدود إسرائيل، ومن مواجهة المشروع الصهيوني، إلى مواجهة العدوان الإسرائيلي.

وبكلمة واحدة فقد انتقل الفكر السياسي الرسمي العربي، من ملف 1948، إلى ملف 1967، وفي ذلك الحين برزت مقولات وشعارات إزالة أثار العدوان، وانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967.

وفي كل ذلك فقد تراجعت المقولات والشعارات المتعلقة بقومية المعركة، وبشأن اعتبار قضية فلسطين بمثابة القضية المركزية للأمة العربية، إلى الوراء، بدعوى إبراز البعد الوطني الفلسطيني، والتركيز على دعم كفاح الشعب الفلسطيني، وهي مقولات على رغم أهميتها، إلا أن الغرض الحقيقي منها كان مجرد تبرير أو حجب الانكفاء الرسمي العربي في مجال الصراع ضد إسرائيل.

على صعيد إسرائيل فقد أدت حرب يونيو إلى توحيد فلسطين أو ما يسمى "أرض إسرائيل الكاملة"، بحسب المصطلحات الإسرائيلية.

وفي هذه المرحلة بات ثمة تطابق في الوعي الإسرائيلي بين دولة إسرائيل و"أرض إسرائيل"، وفق المفهوم التوراتي (أرض الميعاد)، والمقصود هنا مناطق الضفة الغربية (أو يهودا والسامرة بالتعبير الإسرائيلي)، وحيث القدس باتت موحدة، ما نتج عنه تطور سياسي إسرائيل كبير لجهة اقتراب الصهيونية الدينية من الصهيونية القومية والصهيونية العلمانية.

من ناحية أخرى فقد ثبّتت حرب يونيو دولة إسرائيل، بمكانة دولة إقليمية قوية ورادعة، وحليفة للغرب، في نظر مواطنيها اليهود، وبالنسبة ليهود العالم، كما في عموم المنطقة، وعلى مستوى العالم. وبديهي أن نتائج هذه الحرب حسّنت من وضع إسرائيل الاقتصادي، بحيازة أراض جديدة ذات مناطق زراعية، وبتمكين إسرائيل من السيطرة على المصادر المائية (في الضفة والجولان)، واستخدام اليد العاملة الرخيصة من الضفة والقطاع، وتحويل هذه المناطق إلى سوق استهلاكية للبضائع الإسرائيلية.

طبعا لم تكن كل النتائج ايجابية، بالنسبة لإسرائيل، فثمة لكل شيء نتيجة مناقضة. هكذا فإن احتلال الضفة والقطاع أدى إلى توحيد الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني، حيث التقى فلسطينيو 48 مع إخوانهم في الضفة والقطاع، ما عزز من انتمائهم لأمتهم العربية، ومن مسار هويتهم الوطنية (الفلسطينية).

وكان من نتائج ذلك أيضا الإخلال بالأكثرية اليهودية، وظهور ما بات يعرف ب "القنبلة الديمغرافية"، التي باتت تهدد الطابع اليهودي لدولة إسرائيل.

في كل الأحوال فإن إسرائيل لم تستطع ضم الضفة والقطاع، ولم تستطع أيضا لفظهما، بسبب ممانعة الفلسطينيين للاحتلال، ومقاومتهم له، وبسبب تخوف الإسرائيليين من التحول إلى أقلية، وتحول دولتهم إلى دولة ثنائية القومية.

وبنتيجة هذه الحرب فقد باتت إسرائيل تعرف كدولة استعمارية، كونها احتلت أراضي بالقوة، وكونها تسيطر على شعب أخر بوسائل القوة والقهر والقسر. كما باتت علامات الشك تطرح بشأن صدقية الديمقراطية الإسرائيلية، التي بدت بمثابة ديمقراطية لليهود وحدهم، في حين يجري التمييز بين السكان من غير اليهود، ما أثار شبهة العنصرية بالنظام الإسرائيلي، الذي بات نظاما استعماريا وعنصريا في آن معا.

وكما هو معلوم فإن غياب الحسم في إسرائيل بشأن مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة والقطاع)، خلق انشقاقات سياسية وفكرية عديدة في المجتمع الإسرائيلي، بين اليمين واليسار، وبين مؤيدي التسوية أو الانسحاب من الأراضي المحتلة، وضمنهم أصحاب نظرية وحدانية شعب إسرائيل، من جهة، والقوميين المتطرفين، وضمنهم المستوطنين وأصحاب نظرية أرض إسرائيل الكاملة.

ولعل ذلك يفسر عقد اتفاق أوسلو (1993) للتسوية مع الفلسطينيين، من جهة، وعدم استكماله من جهة أخرى، كما يفسر ذلك تحول إسرائيل في عهد شارون، نحو الانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة، الذي يقطن فيه حوالي مليون وربع من الفلسطينيين في مساحة ضيقة مقدارها 360 كلم2.

في كل الأحوال فإن كل الحروب التي خاضتها إسرائيل، فيما بعد حرب يونيو (1967)، جاءت لتؤكد على نتائج هذه الحرب، ذلك أن إسرائيل التي هزمت العرب حينها، لم تستطع أن تحول ذلك إلى انتصار ناجز، من النواحي السياسية.

الحاصل فإن العرب لم يذعنوا لنتائج هذه الحرب تماما، برغم ضعف وتشتت أحوالهم. وبالنسبة لليهود فإن إسرائيل لم تتحول إلى ملاذ آمن لهم، بقدر ما باتت تعرف بأنها المكان الذي يقتل فيه اليهود لكونهم يهودا، بسبب سياساتها، التي باتت عبئا سياسيا وأخلاقيا على يهود العالم أيضا. أما على الصعيد العالمي فباتت إسرائيل تعرف بأنها أخر ظاهرة استعمارية من القرن العشرين، وبدأت علامات الشك تطرح علانية بشأن صدقية ديمقراطيتها، كما باتت الشبهات تثار حولها بشأن تحولها لنظام عنصري (أبارثهايد).

هكذا وبرغم حرب يونيو وكل الحروب بعدها، ظلت إسرائيل مجرد دولة مصطنعة ودخيلة وغريبة في المنطقة، وباتت هذه الدولة مصدر قلاقل وعدم استقرار في المنطقة، وباتت بمثابة عبء سياسي وأمني وأخلاقي على الغرب، ولاسيما على حليفتها الاستراتيجية الولايات المتحدة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018