حسن نصر الله يكتب عن الحريري: خسرناه جميعاً.. مَن حالفه ومَن خالفه

مضى عامان على الزلزال الذي هز لبنان بعنف وكاد يقطّع أوصاله، وما زالت تداعيات هذا الحدث الخطير حاضرة بقوة في ساحة الأحداث المتلاحقة، وهذا بحد ذاته شاهد إضافي على أهمية وحجم الرئيس الشهيد رفيق الحريري (رحمه الله).

في السنة الأخيرة من حياته أتيحت لي فرصة التواصل الدائم معه. وعلى مدى أشهر كانت لقاءاتنا الأسبوعية تُعقَد بعيداً عن العيون والآذان، وكانت الساعات من كل لقاء تحوّل المتحاورين سياسياً إلى أصدقاء وأحباء. نعم، كنا على خلاف عميق وطويل، لكن الإرادة الصادقة أعانتنا على أن نتصارح ونقيّم بصدق كل المرحلة السابقة، لنقول ما لنا وما علينا، وليقول الرئيس الشهيد ما له وما عليه. والصراحة الصادقة هنا كانت السبيل الصحيح لتأسيس قاعدة متينة وصلبة لعلاقة وطنية واضحة، كان يُقدَّر لها ـ لو استمرت ـ أن تُحدث تحولاً كبيراً على كل الصعد الوطنية في لبنان. بل كان يمكن أن ترقى إلى مستوى التأثير الإقليمي من موقع الصداقات والعلاقات التي يقيمها كل منا.

نعم، لقد خسرناه جميعاً: مَن حالفه، لأنه فقد برحيله الحليف القوي؛ ومن خالفه، لأنه فقد برحيله المحاور العاقل والصبور الذي كان يتسع صدره وقلبه حتى لمن يعارضه بقوة ويعانده بشدة.

نعم، خسرناه جميعاً، لأنه في مرحلة الانقسام السياسي الذي بدأ يشهده لبنان آنذاك، كان وحده القادر على أن يكون الجسر بين طرفي الصراع محلياً، والجسر بين لبنان وسوريا، ومركز التواصل الذي يملك قدرة فائقة على جمع المشتركات، والتأسيس عليها لأي تفاهم يحفظ لبنان ومصالحه الوطنية.

وكما كان الرئيس الشهيد في حياته السياسية، وخصوصاً منذ حضوره المباشر في الساحة السياسية اللبنانية، محوراً للكثير من الأحداث والتطورات، كانت شهادته كذلك.

لقد أجمع اللبنانيون على إدانة الجريمة، وعلى وجوب كشف الحقيقة، وعلى لزوم معاقبة القتلة، وعلى الإحساس بالفجيعة، وعلى القلق ـ بل الهلع ـ من أن ينهار بلدهم بفعل الزلزال الذي ضربه.

أصبحت الحقيقة مطلباً وطنياً جامعاً، وتولّدت، مع الأيام، مخاوف كثيرة من أن يضيع دم هذا الشهيد الكبير.
مَن منا لا يريد الحقيقة؟ ولكن كيف نصل إلى الحقيقة من دون سواها؟ إن أسوأ ما قد يُقْدم عليه بعضنا هو أن يسلك طريقاً يؤدي إلى تعمية الحقائق، وتضييع هوية القتلة، بل خدمة أهداف القتلة.

أيها الشهيد الكبير...
في يوم شهادتك نؤكد لك أنك حاضر في كل وجدان، وفي كل قلب وعقل. ونعتذر إليك إن غبنا عن إحياء ذكراك مع المحتشدين في ساحة الشهداء في العام الماضي، وفي هذا العام، لأن ذنبنا الوحيد أننا رَفضنا أن نَتهِم بلا دليل، وأبينا أن نُدين بلا حجة، أو أن نحوّل دمك الزاكي إلى سلاح للثأر بلا بيّنة. ولأنك كنت نموذجاً للإنسان الذي يحرّكه عقله ـ لا حقده ـ أصررنا على أن نحكّم العقل، في محنة تتحكّم فيها أحقاد وأغراض وثارات واتهامات مسبقة وأحكام مبرمة، وينصِّب فيها بعضُ الناس نفسَه مدعياً ومتهِماً ومنادياً بالويل والثبور.

وللبنانيين جميعاً أقول، وبالأخص لمحبي الرئيس الشهيد ومريديه: إن الوفاء لهذا الشهيد الكبير في يوم شهادته هو أن نعاهده على إنجاز الهدف الذي كان يتطلع إليه على مستوى الوطن. كلنا يعرف أن الرئيس رفيق الحريري كان يدافع عن وحدة لبنان، أرضاً وشعباً ومؤسسات. والوفاء له أن نَحذَر ونُحذّر من مشاريع التقسيم والكانتونات ودعوات الفدرالية، تحت أي اعتبار، وهذا هو جوهر مشروع الشرق الأوسط الجديد الأميركي.

كلنا يعرف أن الرئيس الحريري كان يتطلع بقوة إلى دولة قانون ومؤسسات حقيقية، وإلى دولة سيادة واستقلال حقيقيين.
كلنا يعرف أن الرئيس الحريري كان حريصاً، كل الحرص، على هوية لبنان وموقعه من الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وكلنا يعرف موقفه من المقاومة وجهوده الجبارة، عربياً ودولياً، لدفع العدوان، وحماية المقاومة واستمرارها.

في ذكرى شهادته... يبقى المعيار الصحيح للاقتراب منه ـ أو الابتعاد عنه ـ هو الوفاء لما آمن به، وليس التنافس في إطرائه ومدحه ـ وإن كان أهلاً لذلك ـ أو تحويل ذكراه إلى دعوات للثأر من متهَمين مفترَضين، من دون انتظار لتحقيق أو محكمة.
أسأل الله تعالى أن يحفظ لبنان، الذي استُشهد الرئيس الحريري من أجله، وأن يكشف الحقيقة كما هي ناصعة واضحة، فيعاقب الجناة، وتسقط الفتنة، وأن يلهم الله تعالى عائلته المفجوعة الصبر على قضائه والتسليم لمشيئته، وأن يُعين هذه العائلة الكريمة على حفظ نهجه وإرثه السياسي والإنساني الكبير.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018