رايس رأس روس! إسرائيل لن تكسب وحزب الله لن يخسر!/ زهير اندراوس

لا يختلف اثنان بان المشروع الامبريالي الأمريكي في العراق قد فشل فشلاً سريعاً وذريعاً، فبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على سقوط هذا البلد العربي بأيدي غزاة القرن الـ21، بات واضحاً أن قوات الاحتلال تتخبط وتتكبد الخسائر البشرية والمادية والمعنوية بفعل بسالة وبطولة المقاومة العراقية، التي أثبتت قولاً وفعلاً انه يمكن التغلب على جيش الاحتلال وعملائه ووكلائه على الرغم من عدم التكافؤ في القوة بين الطرفين، ولكن التاريخ علمنا انه مهما يكن المستعمر قويا فان المقاومين، الذين يؤمنون بعدالة قضيتهم، يستطيعون تلقينه درساً.

الإدارة الأمريكية غاصت في الوحل العراقي، شعبية الرئيس جورج بوش وإدارته في الحضيض، من هنا نميل إلى الترجيح بان افتعال الأزمة في لبنان، أي شن العدوان الإسرائيلي الهمجي على لبنان، خطط في واشنطن ونفذ من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية، التي تعمل كمقاول ثانوي لصناع القرار في واشنطن.

بكلمات أخرى، أمريكا العظمى بحاجة ماسة إلى لاعب آخر في منطقة الشرق الأوسط لتخفيف الضغط الممارس عليها في العراق، وصرف الأنظار عن إخفاقات الامبريالية الشرسة في بلاد الرافدين، خصوصاً وان الرأي العام الأمريكي بدأ يسأل عن جدوى احتلال العراق وبقاء القوات الأمريكية فيه وتعرض أفرادها إلى القتل من قبل المقاومة الوطنية والإسلامية.

من هذا المنطلق لا يمكننا أن نفهم رد الفعل الإسرائيلي على قيام حزب الله بأسر جنديين في عملية نوعية. بموازاة ذلك يمكننا أن نتفهم هذا الرد العدواني الذي يتمثل بتدمير لبنان وتشريد مئات الآلاف من شعبه، إذا أخذنا بعين الاعتبار تقاطع المصالح الأمريكية-الإسرائيلية، أي قيام جيش الاحتلال بعدوانه السافر على لبنان لمساعدة الأمريكيين في العراق، والضوء الأخضر الذي حصلت عليه تل أبيب من واشنطن لم يأت من فراغ، ولا يدور في فراغ: فإدارة بوش تريد أن تخفف من سهام النقد اللاذعة ضد سياساتها في العراق، وإسرائيل ترغب في الثأر من حزب الله الذي كنسها من الجنوب اللبناني المحتل في أيار (مايو) من العام 2000.

علاوة على ذلك فان الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا وعدداً من الدول العربية المتواطئة مع المشروع الجديد وجدت في العدوان الإسرائيلي فرصة ذهبية لتصفية الحسابات مع المقاومة الإسلامية في لبنان، التي باتت تقض مضاجعهم، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، تسجيل حزب الله عددا من الانتصارات التكتيكية في حربه مع إسرائيل سيشجع بطبيعة الحال الإخوان المسلمين في مصر وسيضع النظام المصري في ورطة وسيؤثر مستقبلاً على ثباته وإحكام سيطرته على الشعب المصري المقموع والمصادرة حرياته، هذا الشعب الذي نحترمه ونقدر تضحياته من اجل نصرة قضية فلسطين.

في خضم هذه الظروف يمكننا القول إن زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية الى المنطقة جاءت لتأجيج العدوان الإسرائيلي على لبنان، والعمل بمساعدة أنظمة عربية فاسدة وديكتاتورية على إشعال الفتنة الداخلية في هذا البلد. فقد نفشت السيدة كوندي ريشها كالطاووس في القدس وبيروت واتفقت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي على مواصلة العدوان على لبنان، وهذه المرة الأولى في التاريخ التي نسمع فيها عن راع لعملية السلام يقوم بمنح الجلاد فترة زمنية غير محددة لمواصلة ضرب الضحية.

علاوة على ذلك نؤكد بشكل قاطع بان المقاومات الثلاث، في العراق ولبنان وفلسطين هي التي ستلعب الدور الأكبر في تحديد هوية المنطقة في الأشهر أو الأعوام المقبلة، فالأولى أفشلت مشروع الاحتلال الأمريكي، والثانية أكدت نهاية زمن الحروب الإسرائيلية السهلة، والثالثة فضحت زيف التسويات المنقوصة والمفروضة وفق الشروط الإسرائيلية.

حزب الله، وباختصار شديد، غيّر قواعد اللعبة وكل المعادلات في المنطقة، وهناك سباق حاليا بينه، ومن يدعمه، وخاصة الأغلبية الساحقة من العرب والمسلمين، وبين الولايات المتحدة لرسم ملامح المنطقة وحدودها.

من ناحية أخرى هناك عدد من المتآمرين اللبنانيين الذين يعولون على دعم واشنطن لهم لتمرير مشروع الشرق الأوسط الكبير أيضاً في لبنان. هذه القوى التي سمت نفسها بقوى الرابع عشر من آذار (مارس) تضم الزعيم المسيحي أمين الجميل، وهو نسخة حميد كرازاي من العام 1982، الزعيم السني سعد الحريري، المدعوم من النظام السعودي المتعفن ومن قبل اليمين المسيحي المحافظ في واشنطن، والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي لا يترك منصة إلا ويهاجم النظام السوري وحزب الله وإيران ويتهمهم بتدمير لبنان.

هؤلاء وغيرهم الذين اتهموا حزب الله بتدمير لبنان وقالوا فيما قالوا انه لا ينسق تصرفاته مع الدولة اللبنانية، قاموا يوم الاثنين من هذا الأسبوع بشد الرحال إلى السفارة الأمريكية في بيروت للاجتماع بوزيرة الخارجية السيدة كوندي. لا يمكننا عدم التطرق إلى هذه الفعلة المشينة، فهؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالزعماء لم يحترموا الرئيس اللبناني العماد إميل لحود، الذي رفضت هذه الوزيرة الاجتماع إليه لأنه مصنف إسرائيليا وأمريكيا بأنه "موال لسورية"، والزعماء الذين لا يحترمون رئيسهم الشرعي هم جماعة من المأجورين الذين يذكروننا بالعميل العراقي احمد الجلبي ومن على شاكلته، الذي وصل إلى العراق بعد سقوطه بواسطة طائرة أمريكية، وقام الاحتلال بالتنازل عنه بعد أن أنهى مهمته، وهكذا سيكون مصير هؤلاء الزعماء المتأمركين والمتواطئين مع اكبر عدوة للأمتين العربية والإسلامية، الولايات المتحدة الأمريكية.

إسرائيل لن تكسب حربها في لبنان، وحزب الله لن يخسرها، وما لا يدركه مخططو السياسة الإسرائيلية والأمريكية هو أن المقاومة العربية باتت مثل التنين الأسطوري كلما قطعت احد رؤوسه نبتت له عدة رؤوس أخرى أكثر قوة..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018