سؤال الدولة من أصحاب الدولة!../ سليمان تقي الدين

لم تتردد كلمة في الخطاب السياسي اللبناني خلال هذا الأسبوع بمقدار ما ترددت كلمة "دولة"، خاصة على ألسنة أقطاب السياسة وأركان النظام. علينا ان نبحث إذاً عن الصلة القوية التي تربط فكرة الدولة بنتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان، لأنها الحدث الوحيد الذي يستحق الوقوف عنده واستجلاء تداعياته. فالمناسبة التي أيقظت الاهتمام هي بالضرورة على علاقة ما بـ"حزب الله" والمقاومة الإسلامية. ولن نُسيء الظن ونذهب الى الزعم انها استجابة لمطلب الرئيس الأميركي جورج بوش علناً بتفكيك "دولة حزب الله".

موضوعيا كشفت الحرب على لبنان ضحالة الدولة "اللبنانية" إزاء الحضور الطاغي للتنظيم السياسي والعسكري والاجتماعي للمقاومة الإسلامية، في حين فشلت الدولة حتى في التعبير عن وجودها كهيئة إغاثة عليا.

لقد بدا واضحا لكل ذي بصيرة ان القصر الحكومي في مكان والسلطة الفعلية في مكان آخر، وربما تحديدا في غرفة عمليات المقاومة. من الطبيعي إذاً ان يشكو أصحاب الدولة من ضعفها او من هامشيتها في واقع البلاد السياسي الذي كان يتقرر مصيرها فيه، او ما سماه البعض قرار الحرب وقرار السلم.

فجأة وقف أصحاب الدولة والقابضون على أختامها والمفاتيح في السراي والمكاتب والدواوين ورفعوا الصوت مطالبين بالدولة وفي عُرفهم السلطة الفعلية التي تتعلق بمسائل السيادة، والتي لا يمكن التعبير عنها من خلال الشؤون والقرارات اليومية العادية. أين كان أصحاب الدولة هؤلاء طيلة السنوات التي اعقبت الحرب الأهلية واتفاق الطائف، ولماذا هم لم يبنوا الدولة، أوَلم يقبضوا عليها بقوة، ولماذا سمحوا بأن يفلت قرار السيادة من أيديهم؟ تلك أسئلة تطرح عليهم قبل ان تطرح بوجه أناس جعلوا من تلك السنوات عملا دؤوبا مثابرا جبارا لبناء قوة دفاعية عن لبنان بوجه إسرائيل. لقد اكتشف اصحاب الدولة حقيقتين تفوقان تخيلهم وقدرتهم على الاحتمال:

الأولى هي أن الدفاع عن لبنان بوجه أعتى قوة عسكرية في المنطقة هو بيد فريق سياسي منظم لا يخضع لتوجهاتهم السياسية.

والثانية هي أن هذا الفريق هو أيضا قادر على الاستغناء عن خدماتهم وقراراتهم الإدارية وشؤونهم البلدية والمحلية جدا بما في ذلك أعمال الإغاثة وإعادة الإعمار.
إنه لأمر يثير القلق الشديد، وأقل ما يقال فيه عند ذاك "إنه الدولة في الدولة".

صحيح ان أصحاب الدولة انتبهوا لقوة "حزب الله" قبل الحرب الأخيرة ومن خلال القرار ,1559 لكنهم عرفوا انهم لا يملكون ان يحتجزوا سلاح الحزب لأنهم لم يُعدوا جيشا لمهمة دفاع جدية ولم يفكروا أصلا بسياسات دفاعية وخارجية إلا بعد الفراغ الذي أحدثه خروج السوريين بجيشهم وإدارتهم السياسية. وبسبب هذا الغياب للسياسة بمفهومها الوطني تهالكوا على التعويض عن ذلك بنصائح ومشورة السفراء والرهان على الدعم الدولي للبنان أما اليوم فقد "دقت ساعة الحقيقة" كما يقولون، بعد أن واجه لبنان حرباً كادت تطيح بجميع مقوماته لولا قوة المقاومة.

وها هم أمام تحد حقيقي، فلا يستطيعون التسليم للمقاومة بأن تظل صاحبة القرار السيادي كما لا يستطيعون الإفلات من مشروع الدولة. فلن يكون ممكنا الحديث عن احتواء هذه القوة ما لم تنهض الدولة بأعباء الدفاع عن لبنان فضلا عن الأعباء السياسية والاجتماعية، وهذه فرصة حقيقية للبنان، فرصة الاضطرار لا الاختيار.

لكن السؤال الذي يبقى أي دولة؟ فهل المقصود انضواء هذه القوة الجماهيرية المنظمة تحت "سلطة الحكومة" ام ان الأمر يتعلق فعلا ببناء دولة قوية قادرة عادلة كما اشار الأمين العام لـ"حزب الله"؟ ولحسن الحظ فإن "حزب الله" يحمل مشروعا محددا للدولة هو الذي يكاد ينحصر في سياستها الدفاعية ولا يتعدى ذلك الى فرض تصوره الايديولوجي السياسي والثقافي، ويقبل بالصيغة التعددية وبالنظام الديموقراطي. ولعل هذه هي الفرصة المتاحة لأن تقبل الطبقة السياسية البحث الجدي في مشروع الدولة انطلاقا من مهامها الأساسية ولا سيما الأمن والدفاع الوطني.

ولأن الأمور باتت جدية انطلاقا من تعملق الدويلات الطائفية على حساب الدولة ولو بمظاهر وبمسميات وظروف مختلفة، نصدق ان مشروع الدولة هو الآن قيد التفكير الفعلي، لأن البديل الوحيد منه الفوضى العابثة بوحدة البلد. ومن البديهي القول ان مشروعا كهذا يبدأ من حكومة وحدة وطنية تمثل مكونات الشعب اللبناني المختلفة ومن ثم اعادة تكوين السلطة بالوسائل الديموقراطية المتاحة. فلا يمكن المطالبة بالدولة الواحدة والتمسك بمنطق الاستئثار السياسي بالسلطة.

حكومة الوحدة الوطنية الشاملة هي شرط من شروط الدخول في مشروع الدولة. وليس صحيحا ان هذا هو مطلب انقلابي على الأكثرية النيابية، فلا يمكن تهميش فئات لبنانية واسعة عن المشاركة او الاستئثار بسلطة القرار تحت ذرائع مختلفة والحديث بجدية عن مشروع الدولة، وإلا جاز السؤال فعلا: أي دولة نريد؟.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018