شارون والخيار الأردني/مهند مصطفى

ينطلق هذا المقال من ادعاء مركزي أن الخيار الأردني والذي كان شارون أحد المنظرين السياسيين له، لا يزال قائما وركنا أساسيا في الاستراتيجية السياسية لهذا الرجل. وان خطة فك الارتباط الشارونية والتي أسميناها "توثيق الارتباط" لا تتناقض مع التصور الاستراتيجي العام في هذا الصدد.

الخيار الأردني لا يزال قائما بالنسبة للرجل ولكنه لا يشبه الخيار الأردني القديم، شارون الكلاسيكي أراد أن تسيطر المنظمة على الأردن وتقيم الدولة الفلسطينية هناك، أي في الضفة الشرقية وحدها. شارون اليوم لا يزال يؤمن في قرارة نفسه بالخيار الأردني ولكن من خلال حل فدرالي بين السلطة السياسية الفلسطينية على 45% من الأرض لا تتوفر لها مقومات الدولة وبين المملكة الأردنية.

في مقال نشره شارون بتاريخ 26/2/1988 في يديعوت احرونوت يقول فيه:" أنا شخصياً أؤمن ببرنامج الاوتونوميا كجسر سلام بيننا وبين الدولة الفلسطينية القائمة في الأردن. في المستقبل الأبعد سوف تقود الاوتونوميا إلى فدرالية أو كونفدرالية إسرائيلية فلسطينية على ضفتي الأردن". ويقصد أن الأردن هي دولة فلسطينية وليس الدولة الفلسطينية،. بمعنى أنها يمكن أن تكون وطنا للفلسطينيين كذلك*.

يتضح اكثر واكثر أن الشخص الوحيد الذي يملك إستراتيجية سياسية واضحة في الشرق الأوسط هو شارون، الرجل ليس تكتيكيا فقط (كما يعتقد البعض!!) بل هو رجل استراتيجي من الدرجة الأولى. كيف تندرج خطة فك الارتباط أو الفصل في رؤية الرجل للخيار الأردني.

يعتبر شارون من جيل المؤسسين للدولة ويتميز هذا الجيل باستيعابه الكبير لتطور مشاكل الأمن والمجتمع والسياسة في إسرائيل، ذلك أن هذا الجيل نمى مع تراكم المشاكل والقضايا في إسرائيل. واستطاع هضم هذه المشاكل وتطورها منذ بدايتها، لهذا فهم يتمتعون بوعي شامل لكل القضايا الاجتماعية والسياسية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية التي تواجه الدولة.

وصل شارون إلى الليكود بالخطأ ("حيروت" تاريخياً)، فشارون ينتمي بأفكاره وتجربته وتطوره إلى حزب "ماباي" التاريخي. ربما وصل شارون إلى حزب الليكود لاستيعابه أن هذا الحزب سيقود دولة إسرائيل في السنين القادمة، بعد أن بدأت علامات الضعف تصيب حزب "مباي".

إن عقلية شارون هي عقلية استيطانية، والبولدوزر (لقبه الجديد بعد ملك إسرائيل الذي الصق به بعد حرب 1973) من رموز الاستيطان ولهذا فهو لم يتخل عن فكره الاستيطاني في الضفة الغربية، ومشروعه الأساسي كان هناك بالأصل، على الرغم من فك الارتباط وسيكون المشروع الاستيطاني القادم له كالتالي، أولا: تقوية الكتل الاستيطانية الست القائمة، ثانيا: دولة فلسطينية على 45% من الضفة الغربية، ثالثا: التزام دولي وأمريكي بضم الكتل الاستيطانية إلى إسرائيل في أي تسوية نهائية.

علّمته التجربة التي مر فيها التكتيك الجيد، فهو تكتيكي من الدرجة الأولى ولكن ما يميز تكتيكه أنه يكون ضمن رؤية استراتيجية شاملة صيغت بدوافع إيديولوجية، فشارون أيديولوجي. ولم تجعله خطة فك الارتباط من يحيد عن خطه الأيديولوجي.

عندما طرح الملك حسين في 15/3/1972 مشروع الفدرالية اعتبر شارون ذلك عاملا أساسيا في الطريق لحل القضية الفلسطينية ولكن بدون الضفة الغربية. على فكرة، عارضت الحكومة الإسرائيلية مشروع الفدرالية الأردني كما عرضه الملك في خطابه.

عندما أعلنت الأردن عن فك الارتباط الإداري عن الضفة الغربية في العام 1988، اعتبر شارون ذلك ضربة لمشروع الخيار الأردني،( وكذلك لأنها تقوي المنظمة سياسيا، ولحق ذلك إعلان الدولة الفلسطينية في الجزائر ضاربة عرض الحائط الخيار الأردني الكلاسيكي) كانت عملية فك الارتباط الأردني عن الضفة بداية تحول في مشروع الخيار الأردني شكليا ولكن ليس في جوهر الموضوع.

بعد فك الارتباط تبنى شارون بشكل عملي مشروع "ألون"، وطالب بضم مناطق إلى إسرائيل بشكل أحادى الجانب (لاحظ نفس الفلسفة التي وجهت شارون في فك الارتباط)، ولاحظ أن شارون اليوم يقترح على الفلسطينيين عمليا 45% من مناطق الضفة الغربية، وهو التصور "النهائي المرحلي" لشارون، لماذا مرحلي لان الخيار النهائي الأبدي بالنسبة له هو الخيار الأردني.

بعد عملية فك الارتباط الأردني عام 1988 اقترح شارون في حينه بشكل عملي أيضا ضم مناطق إلى إسرائيل وابقاء ما مساحته 42% من الضفة الغربية للفلسطينيين. (لاحظ الرجل لم يتغير!!). في مجلة "نتيف" وهي مجلة تصدر عن معهد "ارييل" اليميني للدراسات السياسية نشرت في العام 2004 مقالا لشارون كان قد نشره في العام 1982 تحت عنوان "الخيار الأردني". قال فيه: :" لم اقل انه يجب تحويل الأردن إلى دولة فلسطينية، وانما أن الأردن هو دولة فلسطينية".

حاول المركز اليميني أن يقول لشارون انك تخليت عن الخيار الأردني من خلال فك الارتباط كما نشرته ووضعت تصوراته في العام 1982. في محاولة لإحراجه أيديولوجيا وسياسيا. هل هذا صحيح كما نشرت هذه المجلة؟

عملية فك الارتباط هي خطوة إلى الخيار الأردني ولكن في ظل تفهم للمتغيرات الدولية والإقليمية، وهي التي تحدث عنها (أي المتغيرات) شارون صراحة في خطابه عشية فك الارتباط.

ستعمق خطة فك الارتباط من الاستيطان في الضفة الغربية، وستكرس واقع الكتل الاستيطانية كورقة سياسية للتفاوض حول الحل النهائي، على كل حال لا يؤمن شارون بتسويات تؤدي إلى الحل النهائي، ويحبذ إدارة الصراع من خلال تسويات مرحلية على نمط خطة الفصل التي تمنحه مكانة إقليمية ودولية سياسية للتفاوض، وإدارة الصراع الداخلي والخارجي.

حسنت عملية الانفصال من المكانة الدولية لإسرائيل ولشارون، وهذا الأمر نابع من غياب الدبلوماسية العربية والفلسطينية التي لم تتحرك لتفكيك هذه الخطة وتشرحها والوقوف على ابعادها السياسية والاستيطانية أولا، ولكونه (أي شارون) اللاعب الوحيد الذي يملك خيارات سياسية في المنطقة ثانيا.

فك الارتباط هي مبادرة إسرائيلية، وهي تكتيك سياسي يدل على حنكة سياسية لرجل قضى ثلاثين سنة في الجيش ومثلها تقريبا في السياسية، رجل خبر المعارك التكتيكية والمعارك الاستراتيجية، ولا أظنه بإعلانه انه لن تكون خطة انفصال ثانية أي تناقض من خارطة الطريق التي تبناها وصادقت عليها الحكومة الإسرائيلية، لن تكون خطة انفصال ثانية بدون اتفاق.

خطة فك الارتباط الأحادية كانت مقابل تعهد وضمان أمريكي بضم ست كتل استيطانية إلى إسرائيل. وهو إن كان مفهوماً ضمنا إسرائيليا فيحتاج إلى شرعية دولية وأمريكية لذلك.

شارون يعلم جيدا أن مقومات الدولة الفلسطينية التي يقترحها على الفلسطينيين، وسيقوم على تنفيذها بخطوات أحادية أو غير أحادية، لن تكون لها قائمة بدون الأردن، دولة بلا سيادة ولا مقومات وجود ومقطوعة الأوصال إقليميا. لن تعيش دولة مثل تلك إلا من خلال الرئة الأردنية، شارون يدفع إلى إحياء مشروع الفدرالية الأردني من العام 1972 (طبعا آخذا بعين الاعتبار التحولات المستجدة) من خلال مشروع سياسي يبدأ بفك الارتباط وينتهي بالخيار الأردني.

انه مشروع فك الارتباط الإسرائيلي عن فك الارتباط الأردني. لا يريد شارون دولة فلسطينية في الأردن كما اقترحها سابقا في الضفة الشرقية فقط. بل يريد شكل من إشكال الفدرالية او الكونفدرالية بين السلطة الفلسطينية والمملكة الأردنية على أكبر قدر من المستوى، الخلافات الداخلية الفلسطينية والتي قد تؤدي إلى شكل صراعات على الحكم وغيره هي جزء من استراتيجية شارون للتأكيد على عدم قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم السياسية، إن التأكيد الإسرائيلي الدائم على ضرورة ان يثبت الفلسطينيين قدرتهم على ادارة شؤونهم الداخلية ومحاربة "الإرهاب" تأتي ضمن الرؤية السياسية الشارونية لاثبات عدم مقدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم لوحدهم.



للتوسع اكثر حول مسيرة الرجل السياسية يمكن مراجعة:
مذكرات ارييل شارون. ترجمة دار الجليل. 1993.

عزمي بشارة(2005). من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديموقراطية اليهودية. رام الله: مواطن. الفصل الثالث والرابع.

محمد حمزة غنايم(2001). طريق شارون. رام الله: مركز مدار.

غادي بلوم ونير حيفتس(2005). الراعي السيرة الذاتية لشارون. منشورات "يديعوت احرونوت". (بالعبرية).

عوزي بنزامين(1985). لا يتوقف بالأحمر: السيرة الذاتية لارييل شارون. منشورات ادم.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018