شاهد من هناك/د. حسن مدن

في غمرة النقاش المحتدم داخل المجتمع “الإسرائيلي” حول العدوان الأخير الذي شنه الجنرالات والساسة الصهاينة على لبنان، الذي يشمل فكرة الحرب ذاتها، والأهداف الكامنة وراءها، وكذلك طريقة إدارتها، استوقفتني شهادة كتبها أستاذ مشارك في جامعة تل أبيب، اسمه رونين شامير، يعترف فيها بأنه يعبر عن رأي أقلية في “إسرائيل”، ولكن بوسعنا أن نرى في هذه الشهادة تعبيراً عن مأزق عميق يندفع نحوه الكيان الصهيوني، الذي سيظل مرعوباً إزاء محيطه العربي، من دون أن يقوى قادته على ولوج الطريق الجريء الذي لامناص منه بالتسليم بالحقوق الشرعية للفلسطينيين والعرب، والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، لأن إسقاط الطابع العدواني للدولة العبرية يطرح على بساط البحث مبرر وجود هذا الكيان العنصري القائم على أصولية يهودية بالية، تقصي الآخر وتمقته، لأنها نتاج كانتونات مغلقة هاجر ويهاجر منها من يشكلون اليوم التركيبة السكانية للكيان، لم تعتد أن تتعايش مع الآخر، وتتفاعل مع الثقافات والأديان الأخرى، والتي يظل المنتسبون إليها مسكونين بعقدة أن لا تاريخ خاصا بهم يمكن أن يكون نداً للثقافة العربية الإسلامية التي يجدون أنفسهم مهددين بالغرق في محيطها، رغم كل ما يمتلكونه من آلة حرب وعدوان مدججة بأسلحة القتل والتدمير، التي وجدنا نتائج بعض فعلها في ما جرى خلال الأسابيع المنصرمة في لبنان.

نذهب الآن إلى شهادة الأستاذ في جامعة تل أبيب لنقرأه يقول :
“إنه مأزق يبعث على الإرباك، فالطريقة التي أديرت بها الحرب تجعلنا نشعر بقوة أن قرار الدخول في الحرب كان خطأ. في البداية، أعلنت الحكومة “الإسرائيلية” أن الهدف من الحرب هو الإفراج عن الجنديين المحتجزين. ولكنها الآن أعلنت عن استعدادها للتفاوض من أجل إطلاق سراحهما علما أنه كان باستطاعتها القيام بذلك منذ البداية. وكذلك، فإن هدف سحق حزب الله لم يتحقق بكل تأكيد. “إسرائيل” فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية. وحزب الله لن يتنازل عن أهدافه ويرفع الراية البيضاء. طيلة شهر كامل، تم قتل أشخاص كثيرين. كما حل الدمار بمناطق واسعة. إنها حرب لم يكن لها داع وكان بالإمكان تجنبها. يمكنني أن أؤكد أن لا أحد يحتفل بتحقيق النصر في الحرب. ستكون هناك بعض المناوشات. إنها قصة حياتنا: لا سلام، لا حدود، الجدار العازل. صارت حياتنا تدور في حلقة مفرغة. أعتقد أن “إسرائيل” مقبلة على زلزال سياسي، ف “الإسرائيليون” سيتساءلون: هل القدرات العسكرية التي بحوزة قوات الدفاع تكفي للدفاع عن “إسرائيل”؟ عظيم أن يطرحوا هذا التساؤل؟ أعلم أني أمثل أقلية ضئيلة للغاية من الرأي العام “الإسرائيلي”. أنا أنتمي إلى فلسفة ما بعد الصهيونية. وأعتقد أن الصهيونية في وضعها الحالي عليها أن تصحح النتائج الكارثية التي آل إليها مشروعها مثلما هو الشأن بالنسبة إلى المشكلة الفلسطينية. علينا أن نتقاسم هذه الأرض بشكل كامل مع الفلسطينيين وليس إعطاءهم الفتات. وحتى يتحقق ذلك، فسنظل في حالة حرب. لا يحتاج المرء أن يكون نبياً ليرى ذلك”.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018