صدمة أننا لم نخدع/سامر أبو هوّاش*

بعد كل تحوّل في يوميات المعركة، كأن تقصف إحدى المدن الإسرائيلية، أو يتكبّد <جيش الدفاع> خسائر فادحة، مثلما حدث في مارون الراس وبنت جبيل، يتم طرح السؤال الآتي: <هل أحدث ذلك تبدّلاً في الرأي العام الإسرائيلي وما حجم هذا التبدّل؟>. لا نتعب من هذا السؤال ومن رصد ملامح الإجابة عليه، وما زلنا نصطدم غالباً بالجواب نفسه: الرأي العام الإسرائيلي ملتف حول جيشه ومقتنع بجدوى هذه الحرب. ننتظر تحولاً ما في الشارع الإسرائيلي؛ وهو أسطورة أخرى تقف جنباً إلى جنب أسطورة الجيش الإسرائيلي وتشكل وجهه الآخر، ربما لأننا لا نثق، أو لا نعبأ، أو لا نجد جدوى في الرأي العام عندنا، ربما لأننا نحسب أنه لا رأي عاماً عندنا، أو أنه في حال وجوده أصلاً، فهو بغير قيمة أو وزن، تماماً مثلما نعتبر أنه لا قيمة أو وزن لجيوشنا وقوانا المسلحة، على نحو ما ثبت في كل حروبنا السابقة مع إسرائيل. لقد نشأنا على هاتين القناعتين الراسختين: لا صوت لنا ولا قوة، بينما عدوّنا يملك الصوت والقوة، وعلينا دائماً أن نمشي منكّسي الرؤوس أمام هاتين القناعتين.

حسناً، مجريات ما حدث منذ 12 تموز وحتى الآن، هدوء المقاومة ومصداقيتها وحرفيتها وفعاليتها مقابل جنون الآلة العسكرية الإسرائيلية ووحشيتها، مروراً بمحطة بنت جبيل التاريخية، تدفعنا إلى إعادة طرح السؤال، سؤال الصوت (الرأي العام) والقوة (المقاومة)، على أنفسنا. لا يتوقع المرء أن تصمت الأصوات المنادية بـ<محاسبة> المقاومة، أو المندّدة بـ<مغامرتها>، ولا أن يلتف الجميع حول المقاومة صفاً واحداً، مؤيداً وداعماً ومهللاً، فهذه من توازنات السياسة وألعابها ودائرتها المتسعة أبعد من ساحة الصراع المباشرة، إلى ساحات أخرى، إقليمية وعالمية. الصوت العربي المربك والمحرج هذه الأيام أمام صمود المقاومة وفعاليتها لا يجد حجة ضدّها سوى حجم الدمار الذي أحدثه الإسرائيليون في لبنان، والقول بعدم التكافؤ وبالتالي عدم الجدوى. هذا الصوت يعتمد على الصورة السابقة للحروب العربية، حين كنا نصفع ونضرب ونقتل، ولا نستطيع رداً سوى البكاء والعويل. هذا الصوت يقول إننا هلّلنا لجيوشنا لحظة إعلان الحرب لنفاجأ بالهزيمة صباح اليوم التالي. هذا ليس ما يحدث اليوم في الجنوب. إنها المرة الأولى في تاريخنا التي نستطيع القول فيها إننا لم نخدع في هذه الحرب. لم تكن خطب رنانة ووعود فارغة تليها تبريرات أكثر فراغاً بعد الهزيمة. وأحسب أن هذه هي الصدمة التي نقف جميعاً أمامها اليوم مذهولين مربكين: ليست صدمة أننا <ننتصر>، فالمقاومة نفسها لا تتوقع نصراً بالمعنى التقليدي للكلمة، لكن صدمة أننا هذه المرة لم نخدع، وأن تغيير المعادلة التاريخية مع إسرائيل ممكن وواقعي ويتحقق بالفعل. ألا يستحق منا هذا التحوّل التاريخي، بعض التأمل على الأقل، بعض المراجعة، وبعض الإنصاف تجاه أولئك الذين يخوضون المعركة حقاً، حرباً وصموداً، أولئك الذين يضحّون بأرواحهم حقاً؟ أليس نفاقاً في الحدّ الأقصى، واستهتاراً واستخفافاً بالحد الأدنى، تلك الإدانة المستمرة للمقاومة، والقول في الوقت نفسه بوحشية العدو، والتفجع على ضحايانا من المدنيين، من دون قول كلمة واحدة عن <ضحايانا> من المقاتلين والمقاومين على الجبهات؟ ألا يستحق هؤلاء المقاومون منا، وهم المقاتلون الفعليون على الجبهة، ومعهم أهلهم وعائلاتهم ومحبوهم على حد سواء، بعض الاحترام والتقدير منا؟

لقد نشأ جيلنا على الفكرة القائلة: لا تستفزوا ذلك الثور الإسرائيلي الهائج لأنكم أضعف بما لا يقاس منه ولا تستطيعون تحمّل ردة فعله، وبالتالي لا تتوهموا أي احتمال مواجهة جدية معه؟ هذا كان الإحساس حتى خلال مواجهة ,1993 و1996 وحتى لحظة <التحرير> عام 2000. كان الإحساس في تحرير الجنوب مثلاً، أنه كان في جزء كبير منه خياراً إسرائيلياً لا أمراً فرضته المقاومة حقاً. ولا أخفي أنني لحظة إطلاق السيد حسن نصر الله معادلة <حيفا وما بعد حيفا>، خشيت من تكرار ما حدث خلال حرب الخليج الأولى مع صواريخ صدام حسين التي انتهت إلى خيبة وهزيمة كبرى وتضخم أكبر لقوة إسرائيل وجبروتها. وأيضاً لحظة قول قائد المقاومة بأننا ننتظر المواجهة البرية، خشيت أيضاً من أن يكون هذا مجرد كلام دعائي وبلاغي لن يجد صداه على أرض الواقع. حدث العكس تماماً. وتجسّدت الأقوال أفعالاً. وعلينا، احتراماً لأنفسنا قبل المقاومة، أن نعترف بذلك. علينا أن نبدأ بالتفكير في التخلص من أثقال إحساسنا بالهزيمة، لا لنستبدله بالضرورة بمفهوم النصر، أو بأسطورة النصر، لكن على الأقل بمفهوم القدرة على المواجهة، وهذا كفيل بأن يحدث تحولاً نوعياً في وعينا التاريخي المهزوم والمأزوم.
_______________________________

* شاعر فلسطيني مقيم في لبنان.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018