صراع الحضارات - الأزمة وما حولها حتى الرسوم الدانماركية/ محمد حسنين هيكل

قبل المجازفة بإبداء بعض الملاحظات السريعة عن موضوع صراع الحضارات - أو حوارها كما يريد بعض ذوي النوايا الطيبة أو يأملون - فإني أريد الإشارة إلى تمهيد ملخصه أن تاريخ الفعل الإنساني يعرف ثلاثة مسارات رئيسية:
- مسار الفكر - الثقافة - الحضارة.
- مسار الإنتاج - التراكم - الثروة.
- مسار السيطرة - الصراع - السلاح.

ومع أن هناك وصلات ظاهرة وغير ظاهرة بين المسارات الثلاثة فإنه يمكن التمييز بينها، ويمكن التركيز ولو للحظة على أحدها بالتخصيص، وذلك ما أفعله الآن.
ومن هذا المنطق فإنني سوف أقصر ملاحظاتي هنا على المسار الأول وهو موضوع ثار الجدل حوله وطال - ولا يزال.

1- إنني قريب من مدرسة ترجح أنه ليس هناك ما يمكن أن نسميه صراع حضارات - أو حوار حضارات- والسبب أن هناك حضارة إنسانية واحدة صبت فيها شعوب وأمم وأقاليم الدنيا، على طول التاريخ أفضل ما توصلت له من رقي وتقدم.

وإذا اعتبرت - بقصد مزيد من التحديد- أن ثقافة أي مجتمع هي مجمل ما تحصل عليه - في ظروف موقعه، وعلى مسار تاريخه، من خبرات ومعارف وفنون- فإننا بنفس المقدار نستطيع القول بأن الحضارة هي أرفع وأنفع ما وضعته ثقافات الشعوب والأمم والأقاليم في المجمع العالمي للثقافات المتنوعة، والذي هو محيط الحضارة الإنسانية.

والذي حدث على طول التاريخ أن ما حققته المجتمعات المتعددة من ثقافات متنوعة انتقل بالاختيار المفتوح وبالطلب الحر - عندما بان نفعه وتأكدت قيمته - إلى الأقاليم المحيطة بموطنه وهناك تفاعل مع ما وجد، ثم راح ما تجمع في الأقاليم ينتشر - بثبوت نفعه وصلاحيته - إلى أفق أوسع وأبعد، ومرة ثانية فعل وتفاعل، ثم تحول مجمع الثقافات إلى محيط حضاري لا يحتاج إلى إلحاح أو إلى سلاح، لأن شراكة الجميع فيه، وحاجة الكل إليه، تجعله ثروة بالمشاع بينهم وادخارا لطموحاتهم عندما تحركها هممهم.

2- والمعنى أن المجتمعات الإنسانية كل منها حيث هي - أنتجت ثقافة حَوت مجمل خبراتها ومعارفها وفنونها، ثم إن ما كان صالحا، مقبولا، ونافعا من هذه الثقافة انتقل منها إلى غيرها، أي من البلدان إلى الأقاليم - ومن الأقاليم إلى الدنيا المفتوحة. وإذا حاولنا أن نبحث عن نموذج من التاريخ الطويل للإنسانية، فإن الزراعة قد تكون النموذج الأول والأوضح.

فعندما توصلت بعض المجتمعات في الشرق الأدنى إلى تجربة ومعرفة وكشف أسرار الزراعة وأساليبها، فقد تكونت في هذه المجتمعات ثقافة خصبة، وعندما عرفت مجتمعات أخرى شرقا وغربا - ورأت بالاتصال - وجربت واستوعبت - فإن ثقافة الزراعة أصبحت حضارة إنسانية مفتوحة، لا تحتاج إلى صراع ولا إقناع.
فحضارة الزراعة على طول العالم وعرضه، وعلى امتداد التاريخ وتدفقه، تعرفت على بناء البيت والمخزن، واستعملت الفأس والمحراث، واكتشفت الطنبور والساقية، وحفظت البذور وقوتها، وسمدت الأرض وأثرتها، وأتقنت هندسة شق القنوات، ومنها إلى وسائل رفع المياه وتخزينها من سد مأرب في اليمن إلى سد أسوان العالي في مصر.

3- وما فعلته ثقافات - وحضارة عصر الزراعة في البلدان والأقاليم وما وراءها تكرر في مجالات أخرى أولها التجارة وبعدها التفكير الحر والتعبير الخلاق بالكلمة واللون والصوت، حتى جاء أكبر المجالات وأخطرها وهو مجال الصناعة، ومجال الاتصال والمواصلات وبه تحققت إمكانيات تكنولوجية عالمية بازغة يبرز فيها من يقدر عليها، خصوصا أولئك الذين يستطيعون الربط الخلاق بين النظرية والتطبيق. إن تلك الحركة شملت بالتوازى تنظيم الحقوق وإدارة شئون المجتمعات، حتى استقرت وترسخت فكرة وروح وحكم القانون، وتوالت عصور الانتشار الفكري من الكلمة المطبوعة إلى الصورة المرئية، ومن السماوات المفتوحة إلى المعلومات المتاحة، وكل ذلك بالتواصل والتفاعل دون حاجة إلى إلحاح يقنع أو سلاح يفرض، طالما أن المجتمعات البشرية لديها ذلك التشوق والتسابق نحو مطالب الرقي والتقدم.
وكذلك راح تدفق الثقافات المتنوعة يفيض على المجمع الحضاري يملؤه ويحركه وينشط فعله وتفاعلاته.

4- وإذا جرى تشبيه هذه الحركة الإنسانية بواقع ما جرى ويجري في الطبيعة ذاتها، فربما أمكن القول إن الثقافات كانت بمثابة ينابيع وجداول وأنهار جرت فيها المياه وتدفقت وفاضت على جوارها الإقليمي - ثم إن هذا الجوار أخذ من هذا الفيض ما كانت مجتمعاته مستعدة لاستعماله لزيادة منافعها وتحقيق أقصى الممكن من مطالبها - ثم إن هذا البحر الذي تلاقى فيه الفيض الإنساني للثقافات المحلية والإقليمية أكمل زحفه وانتشاره حتى وصل إلى المحيط المفتوح أمام كل شراع وأمام أى ملاح لديه الجسارة ومعه خريطة وبوصلة.
وأليس صحيحا أن الجغرافيا هي أم التاريخ وحاضنته ومدرسته وكتابه ومعمله؟!.

معنى ذلك أن ينابيع الثقافات الوطنية التي تدفقت في جداول وأفرع وأنهار، وتلاقت في أقاليمها، وصنعت ما يمكن تسميته ببحار أو أحواض حضارية اندفعت كما تفعل البحار حين ترتفع مناسيبها وحين تجد معابرها - إلى المحيط الأعظم الذي يحيط بالقارات كلها، وذلك فعل طبيعي - يقول للجميع بالجغرافيا إنه عالم واحد، كما يقول للجميع بالتاريخ إنها تجربة مشتركة لا يحق لطرف أن يحتكر فضاءها، كما لا يجوز لطرف أن يتنازل عن نصيبه فيها.

على أن ذلك لم يمنع بعض البحار أن تبقى مغلقة على نفسها، وقد تعطل بعضها ضحلا أو راكدا في مكانه، كما أن بعضها الآخر بإتمام انغلاقه عن غيره تحول - مثل البحر الميت- إلى بؤرة ملوحة أو مرارة، معزولة في موقعها، محكوم عليها بالانزواء والفناء.

5- وإذا أردنا دليلا على شراكة الحضارة في مجال آخر لا يحتمل كثرة الظنون فأمامنا مجال العلم، فالعلم سياق واحد ملأته ينابيع وموارد ومصادر متعددة- خطوة موصولة بخطوة موصولة - دون علم وطني يرتفع أو جواز سفر يسمح أو يحجز - بمعنى أنه ليست هناك مثلا فيزياء أو كيمياء أو فلك أو رياضيات أوروبية صرف- أو صينية صرف - أو هندية صرف - أو عربية إسلامية صرف، وإنما هناك علم واحد صب فيه الجميع من كل نبع ومن كل نهر ومن كل بحر حتى وصل الفيض إلى المحيط المشترك الأكبر، وهناك حافظت على عالميته وفتحتها لكل من يرغب ويستطيع - أدوات للاقتراب والتناول تنظمها شروط متعالية على كل الأجناس وفوق كل الأقاليم.

-أليس لافتا للنظر أن ما جرى في حضارة الزراعة - وحضارة العلوم - وحضارة الصناعة من تأثيرات تحولت بسرعة إلى أساليب حياة كل يوم وحتى إلى مذاقها.

فعندما وضع كبير خدم اللورد ساندويتش الاسكتلندي شريحة لحم بين طبقتين من الخبز اختصارا لوقت سيده أثناء رحلة مفاجئة - عرف العالم كله وجبة الساندويتش، ولم يتبق للتاريخ من النبيل الاسكتلندي وكبير خدمه سوى اسمه واصلا إلى العصور الحديثة، حتى دون معرفة بأصل الحكاية.

وعندما عثر الرحالة الإيطالي ماركو بولو على عجائن المكرونة وعاد بها إلى إيطاليا، تحولت بسرعة إلى فن إيطالي ثم إلى مطبخ عالمي.

ثم تكرر نفس الشيء مع الوجبات الأمريكية المشهورة التي هي الآن أشهر طعام في العصر الأمريكي-.

6- وإذا اعتمدنا هذه الصور فنحن أمام حضارة إنسانية واحدة شاركت في صنعها وفي فيضها وفي حركتها ثقافات متعددة المنابع والموارد والمصادر، فكلها أعطت وزودت، وكلها أضافت وزادت، وكلها أغنت وأثرت، وبالتالي فإنها من العمق إلى السطح شراكة إنسانية حقيقية وكاملة.

لكن المحاولات الإمبراطورية للاستيلاء على الحضارة الإنسانية ونسبتها إلى قوة بعينها - ظاهرة معروفة وليست جديدة، فمن قبل ادعت إمبراطوريات أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أنها تقوم باستعمار آسيا وأفريقيا تحملا لعبء الرجل الأبيض The white manصs burden.

فهذا الرجل الأبيض - على حد ادعاء كيبلنج- مكلف برسالة اقتياد للشعوب السوداء والسمراء ولو بالقيود والسلاسل من صحاري وغابات التخلف إلى شواطئ المحيط الحضاري الإنساني الجامع.

وكان القول في زمانه ادعاءً تبشيريا يتفق مع مناخ عصره.
لكن الإمبراطورية الأمريكية عندما جاء عصرها بالغت وتجاوزت بكثير خصوصا بعد أن تحولت إلى قوة فائقة Hyper Power غداة نشوة النصر المشهود في الحرب الباردة.

وقد خطر لها في هذا السياق أن مطالب السيطرة والصراع والسلاح تسمح لها بادعاء ملكية الحضارة ووراثتها على نحو قطعي - ونهائي.

وليس مصادفة - دون أن يكون بالضرورة مؤامرة - أن حكاية صراع الحضارات - وحكاية نهاية التاريخ - توافق ظهورها مع الغلبة الإمبراطورية في الحرب الباردة، دون تنبه كاف -عندهم كثيرا- وعند غيرهم أحيانا - إلى أن وهم القوة لا يعطي أصحابه احتكارا، ولا يسلب غيرهم حقا، في الشراكة الإنسانية الأوسع، لأن هذه الشراكة في الحضارة أقوى من السلاح ومن الإلحاح، حتى إذا اجتمعا معا في مشروع إمبراطوري يملك أكبر ترسانة نووية جنبا إلى جنب مع أوسع شبكة للمعلومات الإنترنت.

والواقع أنه عندما خرجت الإمبراطورية الأمريكية غالبة في صراع الحرب الباردة - وكان ذلك قبل مفاجأة 11 سبتمبر 2001 بكثير، فإنها رسمت لاستراتيجية زمانها الجديد عدة خطوط - فهي:
- تريد أن تحتفظ بتقدمها وتمنع ظهور منافس خطر عليها كما حدث مع كل الإمبراطوريات وذلك بالاستيلاء على الحضارة الإنسانية نهاية التاريخ.

- وتريد أن تخفف من مسؤوليتها تجاه الأقاليم التي تعثر فيضها وجفت منابعها، فهذه بالتخلف أصبحت عبئا على المحيط الحضاري، تريد أن تأخذ منه إلى الأبد بينما عطاؤها توقف من زمن صراع الحضارات.

- ثم إن الإمبراطورية تريد أن تؤكد سطوتها الأبدية بإظهار تفوقها وخصوصا السلاح، وهكذا وقعت استعراضات التفرد الأمريكي في كل الميادين ابتداءً من استثناء كل أمريكي من أي مساءلة دولية مهما فعل - وإلى تميز التجارة الأمريكية في كل الأسواق بصرف النظر عن حرية السوق - وإلى استئثار بحقوق الملكية العلمية والفنية في كثير مما كان متاحا في مجمع الحضارة الأكبر قبل أن تظهر الدولة الأمريكية من الأصل - ثم إنها لا تقبل أن تردع نفسها عن تلويث البيئة تملصا من قيود تفرض على غيرها حرصا على كوكب الأرض نفسه - كما أنها تطلب احتكار موارد الطاقة وليس مجرد النهم في استهلاكها - ثم زاد أن الإمبراطورية الأمريكية تريد الآن أن تستولي بوضع اليد على الحضارة الإنسانية بأسرها لتختم طابعها على المحيط بأسره تأكيدا نهائيا وتقنينا شرعيا لتفوق أبدي خطط المحافظين الجدد.

- وضمن هذه المحاولة لجأت الإمبراطورية إلى حروب رخيصة تستغل بطش الصدمة والرعب Shock &Awe في مناطق ضعيفة ورخوة بأقل التكاليف، كي تظهر هول الجحيم الذي أعدته لمن يعصى، وكذلك تحولت أفغانستان وتحول العراق إلى ساحات دم ولهب - مأساتها أنها لا تعرف في معظم الأحيان هدفا واضحا أو خطة إستراتيجية مدروسة، وعلى أي حال فقد جاءت النتائج الواقعة مغايرة للمطامع والغزوات.

7- وإذا عُدت الآن إلى مقولة صراع الحضارات أو حوارها، فربما تكون النقطة الجوهرية أنه يتحتم التفرقة باستمرار بين شراكة الحضارة وبين صراعات القوة، فالقوة ميدان تصويب وضرب نار، والحضارة شراكة ومحيط أنوار.

وهنا فإن حقائق الحضارة تمنع الاستيلاء عليها لحساب أي طرف، كما ترفض التنازل عن الحق فيها تحت أي وصف.

8- يترتب على التمسك بالحق الحضاري ورفض أي استدراج إلى الإزاحة أو العزل بمقولات الصراع أو الحوار - لابد أن يصاحبه إدراك وتصميم يصون هذا الحق عن التورط في صدام أعمى أو في جدل عقيم - وذلك وضع يشبه إلى حد ما وضع من يتمسك بحقه في أرضه.

- إذا أراد سندا لهذا الحق بوسائل الصراع، فلابد له من القدرة تعزز الحق.
- وإذا أراد سندا لهذا الحق ببلاغة الإقناع، فإن سحر الكلمة لا يغني عن كفاءة الفعل، والقدرة على الفعل هنا ليست السلاح، بل لعل السلاح آخر وسائلها، وإنما وسائل القدرة هي بذاتها وسائل العصر.

وقد يكون السياق في هذا الموضع مناسبا لإشارة نحو ما تستطيع القدرة أن تحققه حتى في مواجهة التحيزات الصارخة، وفيها ما نسميه ازدواجية المعايير في السياسة الدولية.

-قبل سنوات وحين كان لهذا الإقليم العربي الإسلامي بعض القدرة - فإنه تمكن من استصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة يعتبر الصهيونية نوعا من أنواع العنصرية - لكنه بعد سنوات وعندما حل العجز محل القدرة سقط ذلك القرار، وكان العرب المسلمون بين الذين صوتوا لإسقاطه، ثم صدر بدلا منه قرار يعتبر مناقشة المحرقة اليهودية سواء في وقائعها أو في أعداد ضحاياها جريمة إنسانية تستوجب العقاب.

ولم يكن القرار الأول مجرد ازدواجية معايير لصالح طرف، ولا كان القرار الثاني مجرد ازدواجية معايير لصالح الطرف الآخر، لكنه في الحالتين كان حركة موازين ترجح أو تخف وفق ما يسندها من إرادة الفعل - وقدرة الفعل!-.

ويستلفت النظر أن الثقافات الصينية والهندوكية لم تهدر وقتا غاليا في حكاية صراع أو حوار الحضارات، ففي هذه الثقافات الآسيوية كانوا على يقين من أنهم شركاء بثقافاتهم في المحيط الواسع، وبهذا اليقين أدركوا أن وسيلتهم الرئيسية لتحقيق أهليتهم في حق الشراكة - أن يبنوا من وسائل القدرة على الفعل ما يمنع مهانة الظلم، أو استعلاء الاحتكار، أو الاجتراء على نفي شراكة الآخرين.

ومن المدهش أن ثقافات الصين والهند والتي كانت الأبعد بالمسافات عن البحار المركزية الأولى للتدفق الثقافي إلى المنبع وإلى البحر وإلى المحيط - أظهرت تمسكا وثيقا بحقها، بينما تخبطت ووهنت ثقافات الشرق الأدنى وهي الأقرب والأكثر إسهاما في الكل الحضاري المشترك، فهي التي أعطته الأديان السماوية كلها - وبالذات المسيحية - التي نسمع منهم الآن أنها الدعوى الحضارية الأولى لمراكز الغلبة الراهنة.

-أليس لافتا للنظر مرة ثانية أن مذاق طعام حوض الحضارة الصيني وجد طريقه ليصبح انتشارا عالميا واسعا، وأخرج تنويعات مختلفة على مذاقه الأصلي يابانية وتايلاندية وفيتنامية.

كما أخرج حوض الحضارة الهندي بدوره مذاقه ولكن بأسلوب آخر - فإذا كانت إنجلترا قد احتلت الهند بجيوشها قرنين من الزمان، فإن المذاق الهندي يحتل بريطانيا إلى آخر الزمان بمشروب الشاي ومسحوق الكاري-.

9- ومن سوء الحظ أن الثقافة العربية - الإسلامية المعاصرة بتأثير ما ترسب فيها من شوائب وعوالق، وما أصابها من ضعف ووهن، وما لحق أصحابها من عقد بسبب طول مقاساة غلبة الفاتحين وسيطرة المستبدين - كانت مهيأة على نحو ما لمحاولة الإقصاء والاستبعاد من شراكة الحضارة.

وحين قلنا بصراع الحضارات - فقد اعترفنا بالعزلة.
وحين دعينا - أو دعونا للحوار- فقد ذهبنا لما يشبه طلب إذن باللجوء من متظلم إلى متحكم، ولم ندرك أن الحقوق ملكية أصحابها إذا استطاعوا إثبات جدارتهم بها، وليس تواضع الآخرين للسماح لهم ببعضها، ثم إن كل حوار على الحوار بينهم وبين غيرهم لا نهاية له، خصوصا إذا وقع - وهو يوشك أن يقع الآن - وانزلقت العلاقات بين الأطراف إلى صراعات سياسية تتحول بسرعة إلى حروب هويات دينية وعرقية، فعند هذه الدرجة أي كلام يكون بين غرباء أو بين أعداء، عداوة لا تحتمل غير انتصار طرف وهزيمة آخر!- وهنا يموت الحوار أو ينتحر مهما قلنا ومهما قالوا.
-أليس لافتا للنظر مرة ثالثة أن الحوض الحضاري لثقافات الشرق الأدنى لم يستطع أن ينشر مذاقا مميزا له خارج إقليمه، ولعل ما عنده تعرض لتلبك غذائي، كما تعطلت صلته بالحضارة بسبب نوع آخر من التلبك الناشئ من تخمة التيارات المتضاربة التى أصابت المنطقة ولوثتها!-.

10- والغريب أننا حين قبلنا فكرة صراع الحضارات أو حتى حوار الحضارات بالمنطق الذي قُدم لنا - فإننا سلمنا بالقسمة، أي أننا تنازلنا عن الشراكة من أول لحظة. ودخلنا في حوزة الآخرين وعلى جدول أعمالهم.

ربما كان الأولى أن نبدأ حوارا مع النفس نعرف فيه بالضبط من نحن؟ - وأين نحن؟ - وماذا نريد؟
وكان مثل ذلك الحوار مع النفس كفيلا بتأكيد عدة مسائل:

- أولها: الوعى بالحق في شراكة الحضارة دون إقصاء أو استبعاد.

- وثانيها: الجدارة بهذا الحق عن طريق دعمه بقيم العصر وأولها روح الحرية والعلم والقانون، دون العودة إلى الماضي والبحث في كهوف التراث المهجورة وليس في حدائقه الزاهرة عن سبب للتقوقع بعيدا عن قيم العصر بدعوى الخصوصية، وهو نوع من الهرب مقصود إذ ليس هناك تصادم بين التنوع المحلي للثقافات وبين المشترك في الحضارة الإنسانية - بل هناك تفاعل وتدفق مساير بالطبيعة لحركة التاريخ.

- وثالثها: أننا في حاجة إلى فهم ودرس واستيعاب وحوار متواصل مع الدنيا كلها - ولكن في قضايا ومعضلات الرقي والتقدم، فهناك طلبنا وهو أولي من تحرير عريضة لطلب عضوية في نادٍ لابد أن يقبل بنا مجلس إدارته وعن طريق قبول التماسنا أو التحفظ عليه بكرات بيضاء أو كرات سوداء، فنحن هناك في ذلك النادي الحضاري من لحظة تأسيسه وضمن أوائل المؤسسين، لكنها عضوية غير عاملة - خاملة إذا جاز التعبير.

- ورابعها: تجنب فخاخ الاستدراج والاستنزاف بسبب ما يفعله آخرون من أصحاب الغرض في الإقصاء والاستبعاد، هؤلاء الذين تنبهوا بسرعة إلى ما لحق بالعقلية العربية الإسلامية جراء عصور القهر والظلام، فإذا هم يحاولون تثبيت الانكسار وتعميقه في العقل وفي الإرادة لدى العرب والمسلمين، والسبيل إلى ذلك استثارتهم بين الحين والآخر بما يدفعهم أكثر وأكثر إلى عزلة البحر الميت وملوحة مياهه ومرارتها.

لقد اكتشفوا أنه يكفيهم أن يلمسوا الثقافة العربية الإسلامية في عزيز عليها، فإذا هي تستثار وتغضب- ثم تتراجع وتتباعد بحيث تعزل نفسها وتتنازل أكثر وأكثر عن نصيبها في شراكة الحضارة.

والمحزن أن هناك من اعتدى على المقدسات العربية عملا - وليس لمسا- حين سيطر على المسجد الأقصى في القدس. وفي نفس الاتجاه فإن ذات الطرف رسم خنزيرا وكتب عليه اسم الرسول الأعز الأكرم.

وهناك - غيره - قام بتوظيف الدين الإسلامي - قديمه وجديده - في حرب باردة عليه - ساخنة على شباب عربي ومسلم في أفغانستان - ثم أمسك في النهاية بمن حاربوا لحسابه ووضعهم وراء القضبان في جوانتانامو، ثم داس بالأقدام على كتابهم الكريم ومزق صفحاته ورماها في المرحاض أمام عيون الجميع في المعسكرات وخارجها.
وفي هذا كله لم يغضب أحد - بل تستر كثيرون.

ولكننا مع ذلك رحنا - نحن الذين لم نغضب من الفعل - نثور باللمس كأننا كنا نبحث عن أهداف سهلة رخيصة.
حدث ذلك سابقا في تجربة قريبة - هي رواية آيات شيطانية.
نتيجة الثورة والغضب - زادت شهرة كاتبها.
وتكرر على نطاق أوسع في تجربة أخيرة - هي الرسوم الدنماركية.
نتيجة الثورة والغضب - تكرار نشر الرسوم في عدد من عواصم الدنيا، وكذلك سمع الناس عن رساميها وناشريها لأول مرة في حياتهم.

كأن كاتبا - حتى لو كان اسمه سلمان رشدى - يستطيع أن يعتدي على الإسلام، أو كأن رسام خطوط لا يكاد الناس يعرفون اسمه في صحيفة مجهولة يستطيع إهانة الرسول الأعز والأكرم - أو كأن وزيرا إيطاليا شديد الحمق يستطيع أن يشتم الإسلام لأنه ارتدى قميصا عليه رسوم بالغة الانحطاط عديمة القيمة!
لكنهم اكتشفوا وجربوا كيف يحركون من ردود الفعل ما يستثيره الضعف ولا تأبه به القوة.

وفي المحصلة فإننا نجد أنفسنا بالواقع وبسهولة شديدة - محزنة في نفس الوقت - نساعد على تحويل صراعات سياسية إلى حروب هويات حضارية تخرج غاضبة منسحبة من شراكة التقدم الإنساني الجامع والشامل مع أي استفزاز - يتحول بالإثارة إلى فتنة، ويتحول بالفتنة إلى حرب، ويتحول بالحرب إلى قطيعة، ويتحول بالقطيعة إلى حصار للذات، ومن سوء الحظ أن حكومات عربية إسلامية - بوعي أو بغير وعي - تصرفت حيال الفتنة بقدر كبير من قصر النظر في إدارة الأزمات إن لم يكن بقدر كبير من سوء النية بمحاولة استغلال الفتنة للإلهاء والتغييب.

وقد أضيف لاستكمال الرؤية والرأي - أن رغبة الاستغلال لم تقتصر على الحكومات، وإنما تعدتها إلى مؤسسات وأفراد، بادعاء أن الترياق الشافي من الفتن يتحقق بالوفود تذهب والوفود تجيء، وبالمؤتمرات تعقد والمؤتمرات تنفض، وبالأوراق تُقرأ ثم بالأوراق تُنسى لكي يجرى تدويرها وتعود إلى إنتاج نفسها من جديد.

تلك كلها باختصار وساوس تجمح بأصحابها إلى حيث لا يريدون ولا يقصدون، فإذا هي عودة من شواطئ المحيط الإنساني الواسع وحيويته الخلاقة إلى دروب وعرة موحلة تؤدي إلى البحر الميت وموجه الراكد وأملاحه الزائدة!!


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018