صناعة "تجميل الجريمة" والوجوه المشوهة.. / محمد ميعاري

الاحداث الاخيرة وما تناقلته عنها وسائل الاعلام المحلية منها والدولية، بالخبر والصوت والصورة حول الجرائم البشعة والمذابح المروعة، التي ترتكبها اسرائيل ضد ابناء الشعب الفلسطيني رجالاً ونساء واطفالاً وما ترتكبه منها امريكا، في العراق وافغانستان وداخل سجونها السرية واقبية التعذيب الرهيبة الممتدة من جوانتانامو الى ابو غريب الى حديثه، وعلى اراضي العديد من الدول الاوروبية والعربية المتحالفة معها، كان من شأنها احداث صعقة مدوية لدى الضمير العالمي وصدمة للمشاعر الانسانية، ضد مثل هذه الجرائم وضد مرتكبيها على الصعيدين التخطيطي والتنفيذي. والحقيقة ان ارتكاب مثل هذه الجرائم وهذه المذابح على ايدي اسرائيل وامريكا ليس بالامر الجديد، حيث انه بالنسبة لهما كان وما يزال نتيجة لنهج مبرمج وممأسس، نابع من عقلية شيطانية مجرمة، تصل الى حد ارتكاب جريمة ابادة شعب (جينوسايد) الامر الذي يُحتم تقديم المسؤولين عنه واصحاب القرار فيه، من سياسيين وعسكريين في هاتين الدولتين الخارجتين على القانون الى محكمة الجنايات الدولية، كمجرمي حرب وايقاع اقسى العقوبات عليهم التي تفرضها بنود ومواد القانون الدولي العام والانساني.

اما الجديد بالامر ، فهو انهما لم تعودا قادرتين على اخفاء هذه الجرائم والتنصل من المسؤولية عنها، رغم ما اعتمدتاه طوال المدة السابقة من اساليب الخداع المضلل والكذب المفضوح والحجج الساقطة مثل "الدفاع عن النفس" هنا و"محاربة الارهاب" هناك.

ان الصرخات الصاعقة، الهستيرية والطفولية والفطرية، التي اطلقتها الطفلة الفلسطينية بنت العاشرة هدى غالية منقولة بالصوت والصورة امام جثة والدها المغدور، وبين اشلاء ذويها السبعة الممزقة والمنتشرة على رمال شاطيء غزة، بفعل القصف المدفعي الاسرائيلي، وما تلاه من توجيه اربعة صواريخ على شارع مكتظ بمواطنين مدنيين، وعربة اسعاف تحاول نقل الضحايا والجرحى والذي تسبب بسقوط اكثر من عشر ضحايا (شهداء) وعشرات الجرحى، هذه الجريمة التي تزامنت مع تدمير عدة منازل على رؤوس اصحابها في العراق وافغانستان، بقصف امريكي مشابه والاعلان عن استشهاد ثلاثة معتقلين عرب في سجن جوانتانامو الرهيب، ويمكننا هنا اضافة اكتشاف الشبكة المجرمة التي يديرها الموساد وعملاؤه في لبنان والتي تسببت باغتيال العديد من الشخصيات الفلسطينية واللبنانية، اخيرًا وعلى مدى السنوات الماضية وما سيتبعها من تداعيات..

كل هذه الاكتشافات المتلاحقة وضمن فترة زمنية واحدة، ادت الى سقوط جميع الاقنعة عن وجه القتلة المجرمين وحشرتهم في زاوية لا يمكن الهروب منها او التنصل من المسؤولية عنها واخفاؤها على طريقتهم القديمة.

وازاء هذه الادلة الدامغة والفضائح المكشوفة امام سمع العالم وبصره، يسارع المجرمان المتحالفان في امريكا واسرائيل الى تصعيد حملة الخداع والكذب والافتراء في محاولة مستميتة لتشويه الحقائق وصناعة آلية جديدة لتجميل الجريمة، وامتصاص النقمة العارمة والتخفيف من وقع الادانة التي اصبحت واضحة وعلى رؤوس الاشهاد.

ففي امريكا مثلاً تدعي آلة الكذب والخديعة الصادرين عن البيت الابيض وقادة جيش احتلاله في العراق وافغانستان ان البيوت تنهار لوحدها وتقتل ساكنيها!.. او ان اصحابها هم الذين يقومون بهدمها لتقتل عائلاتهم نكاية واحراجًا للقوات الامريكية!! اما من قتلوا واستشهدوا في سجن غوانتانامو، فانما هم الذين قاموا بقتل انفسهم بالاضراب او الانتحار الذاتي بهدف تشويه سمعة امريكا، هذه السمعة "الاخلاقية الطاهرة" الساعية الى نشر "الديمقراطية".

وفي اسرائيل كم كان مثيرًا للسخرية والاحتقار، التصريح الذي ادلى به ايهود اولمرت رئيس وزراء اسرائيل، حين قال ان الجيش الاسرائيلي يتمتع بارفع القيم الاخلاقية بين جيوش العالم!! يا سلام!!

واما وزير الحرب الاسرائيلي عمير بيرتس "اليساري" فقد غامر في افتتاح مؤتمره الصحفي بالتعبير عن اسفه لسقوط الضحايا المدنيين بالصواريخ الاربعة في الشارع الرئيسي بغزة مع تأييده لهذا الاطلاق وذلك قبل ان يتابع حديثه المتهدل، بوجهه الرصاصي الممتقع ودون ان يرف له جفن او شارب ليعلن عدم مسؤولية الجيش الاسرائيلي عن مذبحة شاطيء غزة اعتمادًا على اقاويل وتكهنات مفبركة على لسان رئيس لجنة تحقيق من الجيش الاسرائيلي نفسه، ليعلن نتيجة التحقيق الذي لا يزال في مراحله الاولى وقبل الانتهاء منه ان التفجير والمذبحة على شاطيء غزة، انما تمت بايدي الفلسطينيين انفسهم!!

هذه النتيجة المسبقة التي نفاها نفيًا قاطعًا الناطق باسم لجنة مراقبة حقوق الانسان الدولية، والتي تتناقض مع كل الادلة والبراهين الثابتة وحتى ما جاء على لسان محقق الجيش الاسرائيلي الذي قال واعترف:"نحن لم ننجح بتحديد الشيء الذي تسبب بسقوط الضحايا، ونحن مستمرون بالبحث حول هذا الامر، ونأمل ان نتوصل قريبًا لتقييم كهذا، ومن الممكن القول ان شيئًا ما قد وضعه شخص ما لمنع اعمال قواتنا"!!.. فاذا كان التحقيق مستمرًا ولم ينته بعد وان كان الكلام عن شيء ما وعن شخص ما فمن اين جاءت هذه النتيجة التي تنفي مسؤولية الجيش الاســـرائيلي عنها؟

وهكذا تكون المسألة محاولة جديدة بالتعاون بين اسرائيل وامريكا لاجراء عملية تجميل لوجه الجريمة ولوجوههم المشوهة وعقليتهم الاجرامية..


عن صحيفة "فصل المقال"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018