صورة من المحكمة.. / عوض عبد الفتاح

لم أعرف بالضبط ماذا كان يدور في خلد المعتقلين السبعة من مدينة شفاعمرو في قاعة المحكمة عندما كانوا يسمعون مرة تلو المرة تهمة مشاركتهم في عملية قتل.

هم ليسوا قتلة وليسوا مجرمين، هذا ما يعرفه جميع أهالي المدينة. وإلا لما هبت المدينة عن بكرة أبيها لتندد بالإعتقال وترفع لهم أسمى آيات التقدير. وهم، أي أهل المدينة، رأوا بهذا الإعتقال موجهاً ضدهم جميعاً بل الى جميع العرب.

بدأت مداولات المحكمة في الساعة السادسة مساءً وإستمرت حتى منتصف الليل. كان كل معتقل منهم يجلس وراء حجرة صغيرة مغلقة بحاجز حديدي وسط مجموعة من العساكر.

كانت عينا الواحد منهم مفتوحتين على وسعيهما نحو قاعة المحكمة، وذهنه مشدودا الى ما يدور من تبادل للحجج والحجج المضادة بين الدفاع والنيابة. وكانت سمات وجوه المعتقلين تؤشر على الجمع بين الغضب والتحدي. ولم تخفف إطراءات القاضي للمحامين العرب لتميّز مرافعاتهم من وقع القضية عليهم وعلينا.

اعتقلوا من بيوتهم في ساعات الفجر، وانتزعوا من بين أحضان عائلاتهم. بالتأكيد كانوا يحتاجون الى ساعتي نوم إضافيتين ليرتاح الجسم، ربما من يوم عمل طويل في اليوم السابق. لم يكن يخطر ببالهم أن يصبحوا في يوم من الأيام مذنبين (بعرف القانون الإسرائيلي) على أثر اعتداء مستوطن سفاح على أهالي بلدتهم..

السؤال الذي ربما طرحوه على أنفسهم، ويطرحه كل مواطن عربي وخاصة من حضر الجلسة وتابع المرافعة، كيف يعقل أن يتحول المواطن الذي هرع الى مكان الإعتداء الى ضحية..!!

إرهابي يعتدي على مدينة عربية وينفذ مذبحة بحق أربعة من بناتها وأبنائها، ويحاول أن يذبح المزيد منهم، وعندما يندفع أهالي المدينة، بغريزة الدفاع عن الحياة، تاركين بيوتهم، مكاتبهم، محالهم التجارية، لينقذوا آخرين من المجزرة، يصبحون متهمين بجريمة قتل مستوطن ارهابي مات أثناء عملية التصدي الجماهيري..

يؤكد بعض المواطنين أن بعض المعتقلين لم يكونوا أصلاً في مكان الحادث!

إن ما تقوم به الشرطة ومن يقف وراءها في المؤسسة الرسمية الإسرائيلية، هو عمل في غاية الوقاحة. هو إستفزاز لا يُحتمل لمشاعر المواطنين العرب. إنه نفس النهج الرسمي وغير الرسمي الذي ذاق، وما زال، مرارته وعسفه ابن هذا الوطن منذ عرفهم كغازين وكمحتلين وكأصحاب دولة فيها الكثير من سمات العصابة.

ليس واضحاً الى أين ستؤول اليه الإجراءات التعسفية بما فيها المحاكمات بمعتقلي شفاعمرو، ولكن ستضاف هذه القضية الى مجمل القضايا والممارسات العنصرية والإضطهادية التي يكتوي بها عرب الداخل، وبالتالي ستظل على جدول همومنا ونضالاتنا حتى يُطلق سراح المعتقلين.

يجب أن تصب هذه النضالات وتصوّب رماحها نحو جذور العنصرية، جذور العداء المستشري في الشارع الإسرائيلي وفي المؤسسة الرسمية. والى المجرمين الكبار.

ليست المسألة قضائية أو قانونية كما يدعون. ففي حالات قتل سافرة ارتكبها اسرائيليون رسميون ومواطنون عاديون بحق فلسطينيين بعدما وقعوا في الأسر لم تجرِ محاكمة لهؤلاء، وإن جرت لبعضهم فقد كانت صورية أو أقل ما يقال عنها أنها مهزلة ينضح منها الإستخفاف والحقد والكراهية والنظرة الدونية لأبناء البلاد الأصليين.

كما أن التعامل مع قضية شهداء هبة القدس والأقصى - الـ 13 - وغيرهم من المواطنين الذين قتلوا لاحقاً هي مثال ساطع على ما نقوله.

وعليه فإن للنضال الجماهيري الدور الأساس في الدفاع عن وجودنا وحقنا في الحياة وفي تحقيق أهدافنا الوطنية. وليست أصوات المتظاهرين العرب التي صدحت في الخارج طوال ساعات المحكمة الطويلة إلا دليلاً على يقظة وتصميم الشعب والوطنيين المثابرين فيه.

"فصل المقال"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018