ضربة موجعة ضد العنصرية للساحة الاكاديمية في إسرائيل / محمد ميعاري

وهكذا تثبت الايام من جديد المرّة تلو المرّة صحة وصواب المقولة المشهورة، ان اية فئة عنصرية او مارقة او فاسدة مفسدة، ومهما ادعت الذكاء والاساليب المضللة، ان باستطاعتها ان تخدع فئة من الناس لكل الوقت، او ان تخدع العالم كله لبعض الوقت ولكنها لا تستطيع ان تخدع كل العالم ولكل الوقت.

هذه المقولة الحكيمة اثبتها من جديد القرار الحكيم الذي اتخذته الهيئة العامة لأكبر تنظيم لمحاضري الجامعات في بريطانيا natfhe والذي يضم حوالي سبعين الف محاضر جامعي، والذي يقضي بتشجيع اعضائه ومن هم خارجه على مقاطعة المحاضرين الجامعيين والمؤسسات والاكاديمية والجامعات في اسرائيل، الذين لا يعبرون عن موقفهم المعلن والصريح ضد التمييز العنصري (الابارتهايد) وسياسة التمييز في مجال التعليم، وان المقصود عينيًا في هذا القرار هو اسرائيل والاكاديميا الاسرائيلية..

وما لا شك فيه، ان هذا القرار الصائب والحكيم والانساني الذي يدين ويشجب العنصرية المتفشية في المجتمع الاسرائيلي ومؤسساته الرسمية، الحكومية والقضائية والاكاديمية، انما جاء بعد ان سقط القناع عن هذه العنصرية الاسرائيلية امام اعين الاكثرية داخل هذا التنظيم الاكاديمي البريطاني، وان دوافعه انما تستند الى قيم ثقافية واخلاقية، وعلى اسس سلوكية وآداب متعارف عليها، تفرض نفسها بالطبيعة والمنطق على كل محاضر جامعي وعلى كل مؤسسة اكاديمية، تحترم نفسها، لكي تصبح جزءًا من هذا العالم الخاص، ولكي تستطيع ان تتعامل معه، وترتبط واياه بعلاقات عمل وصلات متبادلة كخدمة التعليم والثقافة الانسانية بوجه عام.

وتقرر الحقيقة انه على مدى اعوام طويلة، قد ثبت سقوط معظم المحاضرين في الجامعات الاسرائيلية والجامعات نفسها في هذا الامتحان.

ان مواقف الاكاديميا الاسرائيلية بأسرها، عدا بعض الافراد المعروفين، كانت وما زالت تتسم بطابع العنصرية، ان كان عن طريق تأييد الاحتلال وعدم الاحتجاج بل الموافقة على الجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني خصوصًا بالمناطق المحتلة، وضد الجامعات والمحاضرين والطلاب في الجامعات الفلسطينية، وحتى ضد الطلاب العرب في الجامعات الاسرائيلية الى حد تجنيد هذه المؤسسات ومراكز الابحاث في خدمة اجهزة المخابرات الاسرائيلية، التي تمارس ضد ابناء الشعب الفلسطيني ومؤسساته التعليمية والجامعية، وضد محاضريه وطلابه افظع اساليب القهر والقتل والتنكيل والاذلال على الحواجز والاسر والاعتقال.

وبناءً عليه جاء قرار المقاطعة هذا بمثابة ضربة موجعة وفي مكانها وزمانها الصحيحين على رأس هذه الاكاديمية التي تفتقد لكل المبادئ والأسس والاخلاقيات والاداب السلوكية المتعارف عليها جزاءً وفاقا.

ومما يعطي هذا القرار بالمقاطعة ابعادًا مهمة واصداء مدوية، ان المؤسسة الاسرائيلية مع المؤسسة الصهيونية العالمية، ومع منظمات الضغط اليهودي في اسرائيل وامريكا واوروبا، كانت على علم مسبق بالامر، وقد اتخذت جميع الاجراءات المتوفرة لديها للتصدي للقرار واسقاطه ومنع اتخاذه مستعملة اساليب الضغط والترهيب والتهم المعدة سلفًا، حيث وصلت الى مقر التنظيم البريطاني آلاف الرسائل حسب حملة موجهة ومئات البيانات وعشرات التصريحات المحرضة والمنبهة والمتوعدة، ولكن مردودها كان ضئيلاً ومخيبًا لآمال اصحابها.

وقد نشرت جريدة الغارديان، ان نتيجة التصويت جاءت باكثرية اصوات اعضاء الهيئة العامة للتنظيم، حيث ايدها 53 بالمئة من المصوتين وعارضها 38 بالمئة، وامتنع الباقي عن التصويت، وقد جاء تعليق صحيفة "هآرتس" مملوءًا بالخيبة والفشل، حيث قالت ان هذا القرار قد اتُخذ بالرغم من الحملة المشددة والمركزة، واسعة الاطراف التي نظمتها مؤسسات ومنظمات اسرائيلية ويهودية في بريطانيا وفي امريكا.

لقد حاولت اسرائيل ومن ورائها منظمات يهودية وصهيونية التستر وراء الادعاء الباطل، بانه يجب الفصل بين السياسة والعلم، هذه المنظمات التي طالما ربطت بين كل حدث صغير او كبير، يتعرض له يهودي في اي مكان بالعالم بالسياسة، وتهمة اللاسامية، تتباكى اليوم وتنتقد ربط العنصرية التي ليست هي سياسة فقط بل جريمة ضد الانسانية، بموقف اخلاقي وانساني حيث لا علم بلا اخلاق، ولا عمل اكاديميًا مع العنصرية.

والحقيقة انها ليست المرة الاولى التي يتخذ بها مثل هذا القرار، حيث سبق اتخاذ قرار مماثل من قبل تنظيم اكاديمي صغير لمحاضرين، ايضًا في بريطانيا قبل سنة ولكن تم ابطاله "لاسباب فنية" ونذكر ان اكاديميًا عربيًا فلسطينيًا من القدس كان له دور في الدفع لابطال القرار المذكور، ويا للاسف.

انني اتوجه بنداء الى كل الاكاديميين العرب في الجامعات الاسرائيلية على قلتهم، وكل التقدميين والى الاخوة الفلسطينيين والعرب في كل مكان، لتبني هذا القرار واتخاذه رافعة في محاولة لرفع ما يعانيه محاضرونا وطلابنا الجامعيون من ظلم واجحاف بحقهم وبحق جامعاتهم ومن عنصرية انتشرت رائحتها في جميع انحاء العالم.

ورغم كل اسباب التفاؤل والامل، فانني اكثر ما اخشاه ان ينبري من بين ظهرانينا ممن يواظبون على زيارة الجامعات الاسرائيلية، لرفض هذا القرار تحت الشعار المزيف لحرية العلم والتبادل الثقافي وفي هذه الفترة بالذات، كما يفعل بعض القادة الفلسطينيين والعرب في مجال السياسة...

كل التحية للمحاضرين المقاطعين من تنظيم natfhe وكل العار للعنصرية والعنصريين.


"فصل المقال"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018