ضعف أوروبا نتيجة انحيازها للموقف الأميركي../ جميل مطر*

هل أضاف نيكولا ساركوزي شيئاً إلى مكانة أوروبا بتنقلاته المثيرة للجدل أحياناً والسخرية أحياناً أخرى، وبأساليب أدائه وكثير منها غير تقليدي؟ الإجابة عن هذا السؤال متوفرة في أكثر من شكل ومن أكثر من مصدر، وتلخصها حقيقة أساسية وهي أن الغرب كله، وليس فقط فرنسا وأوروبا، ينحدر نفوذاً وتأثيراً. بمعنى آخر، لا ساركوزي بما يفعله الآن وحلوله بأساليبه غير التقليدية محل توني بلير، يستطيع وقف هذا الانحدار، ولا بلير نفسه بمناوراته وحركته الدائبة في أواخر أيامه استطاع وقفه. وكل ما تفعله السيدة انغيلا ميركل مستشارة ألمانيا والسنيور رومانو برودي رئيس وزراء ايطاليا لا يخرج عن كونه جهوداً متناثرة لتقليل الخسائر العائدة على بلديهما بسبب السلبية الأوروبية والفشل المتلاحق للسياسات الخارجية الأميركية.

لم يعد يوجد كثيرون ينكرون حالة الضعف المتصاعدة في الغرب. وليس من قبيل المبالغة تشبيه حالة ضعف قوة الغرب وانحداره بحالة ضعف قوة العرب وانحدارهم. ولا من قبيل المبالغة تشبيه رؤية الغرب للعرب برؤية العرب للغرب. إذ يبدو الغرب لمعظم العرب قاهراً وعنصرياً وآمراً ناهياً. في الوقت نفسه يبدو العرب، والمسلمون كذلك، لمعظم أهل الغرب خطيرين زاحفين بمعاول الهدم قاصدين تدمير حضارة الغرب وثقافته.

وفي رأيي أن عاملين أساسيين يقفان وراء انحدار الغرب وضعفه أحدهما أن أميركا، الدولة الرائدة في الغرب والقوة الأعظم، فشلت في العراق فشلاً أكبر بكثير مما يتداوله الإعلام ويتحدث فيه السياسيون علانية، فتأذت سمعتها وفقدت صدقيتها، وثانيهما أن أوروبا ما زالت تمارس السياسات التي أفقدتها أرصدة ومميزات وإيجابيات.

هذه السياسات التي تسببت في تراجع مكانة أوروبا أغلبها سياسات نابعة من وضع تبعية أوروبا لأميركا أو سياسات تنتهجها أوروبا بهدف الاختباء بها وراء أميركا. وهناك أيضاً سياسات تعكس رغبة حكومات في أوروبا في التخلص من عبء نصيبها في المسؤولية عن الأمن والاستقرار وتحميل أميركا هذا العبء مقابل التسليم لها بالقيادة الدولية. وأفرزت هذه التوجهات في السياسة الخارجية الأوروبية أياً كانت ظروفها ودوافعها مواقف اتسمت بالانحياز الأعمى أحياناً والانحياز الانتهازي في أحيان أخرى.

انحازت أوروبا في فلسطين وانحازت في العراق وانحازت في إيران وانحازت في لبنـان. ويعترف محللون أوروبيون أن أوروبا فقدت الكثير من قوتها المعنوية وقدرتها على التأثير في الأحداث المتعلقة بكل من هذه المواقع الحساسة لأنها مشت وراء أميركا فلم تجد إلا الانحياز خياراً أوحد. لقد توحدت مع أميركا في نظر الرأي العام العربي والإسلامي حين انحازت الى مواقف أميركا وحين امتنعت عن الدفاع عن منظومة القيم الغربية عندما تعرضت هذه المنظومة للتحريف والتوحش على أيدي المحافظين الجدد في أميركا. وتوحدت مع أميركا حين انتقلت السياسات الأوروبية من موقف الالتزام بأمن إسرائيل وحمايتها إلى سياسة الموافقة العمياء المسبقة على السياسات والقرارات الإسرائيلية، وهي السياسة التي عبر عنها أفضل تعبير الموقف الأوروبي من الإبادة المنظمة للفلسطينيين في قطاع غزة عن طريق تجويعهم وترهيبهم واغتيال شبابهم، والموقف من سياسات تهجير اللاجئين الفلسطينيين من العراق إلى أميركا الجنوبية وليس إلى الأراضي الفلسطينية موطنهم الأصلي وحقهم المشروع. تجلت هذه السياسة أيضاً في الموقف الأوروبي من الغارة الإسرائيلية التي شنت على شمال سورية عبر الأجواء القبرصية والتركية.

يمكن فهم دوافع السياسات الأميركية والإسرائيلية ضد العرب والمسلميـن عامـة، ولكن العسير هو فهم دوافع دول أوروبا في التوحد مع هاتين السياستين، وبخاصة بعد أن صار واضحاً وغير قابل للتشكيك أن الكراهية المتصاعدة لأميركا ناتجة عن توحد السياستين الأميركية والإسرائيلية وأن أوروبا بتوحدها مع هاتين السياستين تدفع الثمن مضاعفاً. ففي لبنان على سبيل المثال تدهورت مكانة فرنسا خاصة، وأوروبا بشكل عام، بعد أن ثبت لدى مختلف الأطراف أن أوروبا تنازلت لأميركا عن رصيدها في لبنان. وثبت أيضاً، أو هكذا بدا، أن أوروبا غير مدركة لخطورة هذا التنازل وذلك التوحد على سلامة جنودها الواقفين على خطوط النار، وكلها خطوط جاهزة للالتهاب لو تدهورت الأحوال اللبنانية نتيجة الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها السياسة الخارجية الأميركية في لبنـان أو هي ترتكب بعضاً منها بالفعل. ومع ذلك يبدو أن أوروبا تدرك العواقب التي ستجنيها في حال قررت أميركا منفردة تدمير إيران بطائرات أو صواريخ إسرائيلية أو إسرائيلية وأميركية أو أميركية فقط.

كذلك تبدو أوروبا غير مدركة عواقب توحدها مع أميركا على سياسات أغلبها حقق فشلاً ذريعاً، ولا يوجد ما يشير إلى أن ما سيأتي من سياسات سيكون أحسن حظاً. إن غزو إيران مثلاً، أياً كانت دوافعه الأميركية وبعضها إسرائيلي كالحال قبل غزو العراق، قد يكلف أوروبا تضحيات بشرية جسيمة بين جنودها المنتشرين بكثرة في أفغانستان وفي لبنان وبين من تبقى منهم في العراق. وقد يكلفها أكثر إذا امتدت نيران الانتقام الإسلامي والقومي إلى عواصم ومدن أوروبية.

في أوروبا سياسيون يعتقدون أن النظام الدولي ما زال نظاماً أحادي القطبية، تقوده وتتحكم بتفاعلاته الولايات المتحدة منفردة. بينما يقول الواقع كما يراه علماء سياسة ومحللون كبار شيئاً مختلفاً. إذ يرى تيموثي غارتون آش مثلاً أن العالم أصبح متعدد الأقطاب، بما يعني أن أوروبا قطب بين أقطاب، وليست تابعة لقطب أوحد.

الآخرون يؤكدون أن أوروبا قطب بين أقطاب، بينما ترفض أوروبا هذا الشرف. هؤلاء يستندون إلى أن أوروبا تنتج ما يعادل ربع الناتج العالمي، وأن الاتحاد الاوروبي بدوله السبعة والعشرين هو نموذج لإمكانية العيش بسلام والاندماج في ظل تنوع وتعدد خلاق. ثم أن أوروبا هي الآن المانحة الأكبر للمعونات في العالم، وما زالت في نظر شعوب ودول أخرى مصدر إشعاع حضاري معاصر لا يعادله في انتشار مبادئه وذيوعها مصدر آخر. هكذا يرى العالم أوروبا، وليس هكذا ترى أوروبا نفسها. لقد استفادت السلبية الأوروبية أقصى استفادة من سقطات الرئيس بوش وسياساته الفاشلة، إذ أنه كلما ووجهت أوروبا بتهمة التقصير وسوء الأداء سارع حكامها بإلقاء اللوم على أخطاء حكومة بوش وهزال سياساتها الخارجية.

تستطيع أوروبا من الآن الاستعداد لمرحلة جديدة تمارس فيها من السياسات ما يتلاءم مع مكانتها. تستطيع أن تنسق بين سياساتها الخارجية، ولا نقول توحيد هذه السياسات. وتستطيع أن تنشئ قوة دفاع لها صدقية، إذ لا يمكن، كما جاء في تقرير ثلاثة من الأعضاء في المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية الحديث النشـأة، هم يوشكا فيشر ومارفي أهتيساري ومابيل فون أورانجي، أن يتصور ساركوزي أو غيره أن أحداً خارج أوروبا يفكر في الاعتماد عليها في الوقت الذي تواصل فيه دول في الاتحاد الأوروبي استئجار طائرات نقل جنود من أوكرانيا كلما احتاج الأمر إلى إرسال قوات إلى أفغانستان أو البلقان أو غيرهما، وطالما ظلت أوروبا مستهلكة للأمن وليست منتجة له. وعندما يتحقق لأوروبا إنشاء قوة دفاع مستقلة وتنسيق سياساتها الخارجيـة سيكون ممكناً أن تقـول لا لبنـاء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية وإلا منعت شركاتها من تزويد إسرائيل باحتياجات حيوية، وتستطيع أن تتدخل لمنع وقوع صدامات تستعد لها أطراف كثيرة بين الفلسطينيين بعضهم البعض أو بين الفلسطينيين وجيران لهم من العرب، وتستطيع أن تكون نموذجاً له مصداقية أمام شعوب البحر المتوسط المتعطشة إلى علاقة تعايش متحضر مع الحكومات الاوروبية.
"الحياة"