طمس الحروف العربية../ نزار السهلي*

كتب الشاعر الراحل نزار قباني في العام 1982 مقالةً بعنوان "الاغتصاب"، بعد احتلال مدينة بيروت ودخول الجيش الإسرائيلي لثاني عاصمة عربية بعد القدس. وجاء فيها "بعد بيروت وبعد ما حدث في بيروت يجب على العرب أن يتنحوا عن الأسماء التي تصفهم بالرجولة والشجاعة والشدة مثل صخر و ذبّاح وطعّان، وأن يتخذوا اسماءً مثل سيسي وفيفي وكيكي لأنها أكثر ملائمة لحالة الميوعة والذلة التي يتصفون بها".

واليوم لن يختلف عن أمسه القريب، ونحن لم نزل نشهد اغتصاب الأرض العربية في فلسطين وسرقة كل ما يتصل بأصحابها التاريخيين من تاريخ وتراث و نهب ما فوق الأرض وتحتها وصولا حتى إلى أسماء مدنها وشوارعها وشجرها لتهويد حتى الأسماء العربية لسكانها، ليصبح اسم ماجد واحمد ومحمود، فيما بعد، ديفيد وإسحاق وبنيامين بديلا عن أي شعور لانتماء عربي فوق الأرض في فلسطين التاريخية.

الإجراءات العنصرية التي تمارسها إسرائيل ضد السكان الأصليين في فلسطين داخل حدود 48 هي استكمال لما بدأته الحركة الصهيونية العنصرية ضد الشعب الفلسطيني على مدار قرن من الزمن دون توقف في ممارسة الإرهاب والعدوان على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة التي تحاول جاهدةً أن تقاوم إجراءات العدوان وعنصريته التي ترمي إلى طرد وتهجير من بقي شوكة في حلق المحتل بعد 61 عاما على نكبة الشعب الفلسطيني، ومحاولات إسرائيل محو تاريخ أصحاب الأرض من خلال حملات التهويد الضخمة لكل ما له صلة بتاريخ الشعب الفلسطيني في أرضه، وبتفاصيل انتمائه القوية التي حافظ عليها ضد بربرية ووحشية العنصرية الصهيونية، وعقيدتها المتمثلة في نسف وسحق سكان البلاد التاريخيين وتزوير واستحضار تاريخ كاره للأغيار.

وبالتوازي مع أجواء "التفاؤل" المزيفة التي يتم التسويق لها إقليمياً وعربيا ودوليا عن ضرورة "وجود النيات الحسنة " لإعادة مسارات التفاوض السلمية إلى سكتها يجري العمل في إسرائيل بوتيرة متسارعة لخلق واقع أكثر تهويدا وعنصرية لم تعرفها البشرية من قبل بشطب حتى الأسماء العربية لشوارع ومدن فلسطين التي عرفت بها قبل وجودها بمئات السنين قبل الصليبيين والمغول والتتار.

وهذا الفعل يدل على النيات التي نحكم عليها بالأفعال لا بالنيات الطيبة التي ارتضى البعض إطلاقها من حين إلى آخر متوهما أن مجرد لقاء تحت سقف من المفاوضات سيرغم الاحتلال وعقيدته الصهيونية أن تبدل مسارها العدواني بآخر تصالحي ينسجم مع حالة الميوعة العربية والفلسطينية العاجزة عن لجم وبتر يد الاحتلال والاستعداد لبدء منح إسرائيل الامتيازات العربية المستحقة من جراء قبولها بوقف جزئي "للنشاط الاستيطاني" وتخفيف جزئي للحواجز "الأمنية" في مدن الضفة الفلسطينية مقابل خطوات التطبيع العربية معها بشكل واسع.

عن أية فلسطين الدولة يجري الحديث؟ وعن أي مفاوضات تحاول بعض الأطراف العودة إليها ليعاد الحديث من جديد عن تعثر وتقدم في المفاوضات، ونحن لم نزل نجهل تلك العقلية الواضحة في ممارساتها العدوانية كلما أشرقت وغابت شمس فلسطين وتلمع تحتها حراب إسرائيل المشهرة في وجه وصدر الدولة الممزقة أشلاء تزيد إسرائيل بعثرتها.

وللمتحاورين الفلسطينيين تحت الاحتلال وخارج حدود الاحتلال في القاهرة أو دمشق لبحث إنهاء الانقسام يكفي قراءة ما يسجله الاحتلال فوق الأرض الفلسطينية من إجراءات عدوانية تصيب طرفي الحوار، ولا تعفي أحداً من القيادة الفلسطينية ومعها القيادات العربية من مسؤولياتها التاريخية أمام شعوبها، لتدرك بعد القراءة البسيطة التي لا تحتاج إلى تلعثم البعض في ما تقوم إسرائيل بتهجئة العدوان لنا حرفاً حرفاً كي نحفظه عن ظهر قلب، وأن لا نبقى ننتظر قدرنا المخفي خلف عباءة السنيين ونحن نجلس نراقب إسرائيل وهي تمحو من ذاكرتنا وتطمس الأسماء العربية للمدن والشوارع والهضاب والجبال. فمن يعيد إلينا أسمائنا العربية ويمسح الحروف العبرية من الشوارع العربية.