طناجر ورؤوس فارغة../ رشاد أبوشاور

نبدأ على بركة الله: كل عام وأنتم جميعاً بخير، يا من فعلتم الخير، ويا من تستحقّونه وتسعون في سبيله...
رحل شهر الصيام، وبعد عام لنا لقاء به، فالفقراء إلى الله يحبونه، ويكرّمونه، لا بالموائد العامرة بكّل ما لّذ وطاب، ولكن بتلاوة القرآن، وصلاة التراويح التي تروّح عن النفس المهمومة المثقلة بتكاليف الحياة، وقيام الليل سنّة رسوله الكريم...

لست واعظاً لأعظ، ولكنني مؤمن يحترم المؤمنين، وبخّاصة من يقرنون العبادة بحّب الوطن وتكريم الإنسان، ويحقدون على من يغزوهم في عقر دارهم، وينهب ممتلكاتهم، ويعيث فساداً في ديارهم، ويقلب هناءة حياتهم فيجعلها جحيماً، ويذّلهم بقوته الغاشمة وهذا ما يدفع كرام النفس ألمؤمنين بحّق الإنسان في العيش الكريم على ثرى وطنه إلى التصدّي له ومنازلته مهما بلغت قوّته، ولسان حالهم يقول: متى ولدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟! صدق سيدنا عمر بن الخطّاب العادل الديمقراطي الحازم الصلب، والذي ولد قبل قرون من ظهور أمريكا وجورج بوش، وترك فينا مبادئ وقيماً لم يسمع بها البابا الألماني بنديكت، ولا بدخول هذ الخليفة مدينة (القدس) مدينة ماشياً على قدميه بينما (خادمه) يمتطي الجمل الذي استعان به الخليفة لبلوغ القدس وتسلّم مفاتيحها، ومنحها الأمان، بكنائسهاومواطنيها المقيمين فيها منذ زمن الملك اليبوسي الكنعاني (مليكي صادق)، والذي دخلها بلا جيش، وبلا حرّاس أشداء...

رمضان شهر الطبيخ والمآدب عند المنعمين المتخمين، وشهر الكفاف و(الروح) عند ملايين المسلمين، ولا سيّما الفلسطينيين، وبخّاصة في هذا العام، عام الرمادة، وفي عام الرمادة، أي المجاعة، عفا الخليفة العادل عمر عن السارقين، فلم تقطع يد امتدت لتأخذ زاداً يقيت أود أفراد الأسرة ويحميهم من غائلة الجوع.
في فلسطين جوع، ولكن مّمن يسرق الفلسطينيون في عام الرمادة، فالحال غالباً واحد، والجوع واحد، والاحتلال واحد، والحصار واحد، ولكن وجهة النظر ليست واحدة، فثمّة فاسدون لن يألوا جهداً في دفع الجائعين إلى الانتحار، والمهم أن يراكموا هم وأولادهم وأتباعهم مال السحت الذي سرقوه من أفواه الفلسطينيين ودمهم.

في بلادنا أيّام زمان كان الفقراء يصفون عيد الأضحى بأنه عيد (اللحم)، ففيه يضحّي القادرون، ويشتري ضيّقو الحال شيئاً من اللحم، أمّا عيد رمضان فلا لحم فيه.
كان هذا في زمن الانتداب الإنكليزي الذي أرهق فلاّحي فلسطين بالضرائب، والحبوس، وتدمير الزراعة، ومصادرة الأراضي لبناء معسكرات لجيوش الاحتلال.

الآن في فلسطين لا لحم ولا طبيخ، اللهم سوى لحم الفلسطينيين أنفسهم الذين يعيشون (على لحم بطونهم) بفضل حصار أمريكي صهيوني عربي رسمي فلسطيني سلطوي...
الهدف دفع الفلسطينيين لتلحيم بعضهم، وتدمية بعضهم، ودفن قضيتهم..اللهم ارحمنا من السفهاء والضّالين، والطامحين الرعناء، والساقطين الذين خبرناهم في معارك هربوا منها - معركة لبنان عام 82 تحديداً - فتمّت ترقيتهم ومنصبتهم وتثريتهم بعد أن (عادوا) إلى وطن عادوا عليه بالمصائب، وبحكم العادة ما عادوا يحتملون فقدان سلطة البقرة الحلوب.

كالعادة نقرأ نصائح في الصحف العربيّة موجّهة إلى الصائمين، بضرورة أن يترفّقوا بمعدهم بعد انقضاء شهر الصيام، فيبتعدوا عن صنوف الطعام الدسم حتّى لا يتلبّك جهازهم الهضمي.
في فلسطين لا ضرورة لتوجيه النصائح الطبيّة، فالمتخمون لا يصومون، ليس لأنهم علمانيون ولكن لأنهم حراميّة وزنادقة، نعرفهم من مسيرة حياتهم غير المشرّفة...
شعبنا أرهق سمعه من موسيقى التصريحات النشاز على الفضائيات، وملّ من رؤية وجوه المصرحاتيّة الذين لا شغل لهم سوى التحريض، والإلحاح على العودة إلى ما خبره شعبنا من خسارات ومصائب...

لقد (طبختم) رؤوسنا بدلاً من أن تطبخوا في طناجرنا، طناجرنا الأكثر وطنيّةً من بعضكم، طناجرنا التي فكّت الحصار عن الرئيس عرفات عندما دهمت الجرّافات المقاطعة، فأبهرت العالم، وها هي ذي اليوم فارغة حزينة، لا إدام فيها ولا تقليّةً ولا أرّز ولا لحم ولا خضار، بل حصى في زمن طبخة سلامكم العجيب...

إنها طناجر لا تنتظر منكم أن تكونوا كسيّدنا عمر الذي سمع شكوى المرأة الفقيرة التي كانت تطبخ الحصى لأطفالها، فحمل على ظهره الطحين والإدام، ثمّ ساعد المرأة في إعداد الطعام، ولم يغادر بيتها حتى اطمأنّ على إشباع البطون الجائعة..أأنتم ديمقراطيون حقّاً، وقلبكم على شعبكم المجوّع؟! فمن أين لكم القصور والفلل والممتلكات التي تترفهون بها في الوطن وفي العواصم العربيّة؟ أأنتم علمانيون وتقدميون؟! فلماذا تفوح روائح الطبيخ في بيوتكم، ويفيض الطعام فتدلقونه في أكياس المهملات؟ أهكذا كان جيفارا، وماوتسي تونغ، وعبد الناصر، وعز الدين القسّام، و..عبد القادر الحسيني، وفرحان السعدي، وبطل فياتنام الأسطوري المتواضع هوشي منّه؟!

من آخر منجزات علماء أمريكيين أنه قد يكون سّر التلذّذ بالطعام في الرأس وليس في المعدة، وذلك اعتماداً على تجارب فئرانيّة، بحيث ثبت أن هرمون الشهيّة (جريلين) يعمل بناءً على مستقبلات اللذة الموجودة في المخ.
ياما سمعنا هذا التعبير: مخّك مليان طبيخ، وهذا نوع من الهجاء كناية عن أن رأسه خال من التفكير بغير الطبيخ. ألا ينطبق هذا على (جماعتنا) الذين ليس في رؤوسهم سوى طبخة العودة لتسلّم سلطة، طبق سلطة أحسن وأنفع منها، أو التشبّث بوهم السلطة، رئاسة وحكومة؟!

في العراق الطبخة الأمريكيّة البوشيّة أفسدها أبطال المقاومة، وفي فلسطين يراد دفن المقاومة وشعبها العريق..فالحذر يا شعب فلسطين، أخرج بالطناجر إلى الشوارع واطرد المغامرين والمقامرين ورافعي البنادق على بعضهم،فليس فدائيّاً ولا مقاوماً من يرفع بندقيته في وجه أخيه، وليسأل كل واحد نفسه: من الذين يرسلون المسلحين إلى الشوارع ليقتتلوا، ويخطفوا، ويحرقوا، ويغتالوا؟ وهل يرسل أولئك السفلة أبناءهم مقامرين بهم، أم يدخرونهم ليرثوا القصور والأموال والمطابخ المتخمة بطناجر ما لذّ وطاب؟!...

اقرعوا طناجركم واطردوا الجهلة المضللين جميعاً من الشوارع، فبهذا ستشيط الطبخة في رؤوس محرّكي الفتنة الفيّاضة بالتصريحات التافهة، والمواقف المحبطة، رؤوس الوجاهات التي مللنا تناسلها وتكررها بطبعات رديئة منفّرة.
يوم عيد الفطر عيّد علينا أولمرت، بعد أن بعث بتهنئة لرئيس السلطة أبو مازن، فذبح وجرح العشرات في بيت حانون...
طناجرنا فارغة، ولحمنا ودمنا في الشوارع..وأنتم معنيون فقط بالاعتراف ب(إسرائيل)، لا بحكومة وحدة وطنيّة - المقاومة غير واردة - ماذا أنتم؟!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018