عرش “صاحبة الجلالة” الوهمي../ فيصل جلول


“باتريك بوافر دارفور” هو الصحافي الأشهر في فرنسا. إنه نجم القناة الأولى الخاصة منذ أكثر من عشرين عاماً. وتفيد تقديرات المختصين بأن نشرة الأخبار المسائية التي يقدمها بانتظام تحظى بمعدل متوسط من المشاهدين يخمن بحوالي عشرة ملايين شخص، وهو الرقم الأعلى بين النشرات المسائية الفرنسية. ولأنه الاكثر شهرة واحترافاً فقد اعتمدته محطة خاصة بالمشتركين (قنال بلوس) مذيعاً في نشرة كرتونية يومية تقدمها مجموعة من الدمى يتقمصون صور المشاهير ويتناولون الاخبار الفرنسية والعالمية بطريقة ساخرة. ويقدم “دارفور” فضلاً عن ذلك حلقة ثقافية أسبوعية تتناول بالعرض والنقد والتحليل اهم الاصدارات الفرنسية.

ويؤكد خبراء الاعلام أن الرجل يجلب ثروة لمحطته تماماً كلاعبي كرة القدم المشهورين بالنسبة لفرقهم وبالتالي من الصعب التفريط به في ظروف عادية. بيد أن المحطة فاجأت الوسط الاعلامي باعلان نيتها التخلي عنه من دون أن تبرر ذلك بطريقة مقنعة، الأمر الذي أدى إلى فتح الأبواب على تكهنات عديدة تدور حول جملة تلفظ بها المذيع أثناء مقابلة مع رئيس الجمهورية نيكولا ساركوزي إذ خاطبه “لقد كنت أثناء القمة مع رؤساء آخرين كصبي يلعب في ملعب الكبار” فأجابه ساكوزي بالقول “انه لا يعتبر نفسه شاباً في سن الثانية والخمسين وإن الذين في سنه يتقاعدون في عدد كبير من الدول الأوروبية”.

لم يكن “دارفور” يظن أن هذه الجملة ستطيح به، معتبراً أنها قيلت على سبيل المجاملة وليس من باب التشهير، كما لم يكن أحد يتوقع أن تخلفه في منصبه “لورانس فيراري” وهي صحافية متوسطة الشهرة، ما زاد من الوقع السلبي لهذا الاجراء. فلو كان الأمر طبيعياً لاستبدل بمذيع أكثر شهرة أو من مستوى شهرته على الأقل، ما يعني أن رائحة الانتقام تفوح بقوة من هذه القضية، خصوصاً أن رجل الباطون والصناعي العالمي الشهير “مارتان بويك” هو مالك المحطة وصديق رئيس الجمهورية ولا يمكن أن يرد رغبة الاليزيه في هذا الصدد حتى لو كان الموضوع يتصل بالمذيع الذي صنع شهرة المحطة وحمل إليها شعبية غير مسبوقة.

والحال ان قضية “دارفور” ليست الأولى من نوعها في تاريخ القناة الفرنسية الأولى التي سبق لها وأن طردت بطريقة مهينة في أواسط الثمانينات الصحافي الشهير “ميشال بولاك” الذي كان يدير حلقة وافرة الشعبية بعنوان “حق الرد” والتي أصبحت من بعد حلقة إعلامية جديرة بالدراسة والبحث. حينذاك قرر “بويغ” الاب وضع حد لخدمات “بولاك” في ليلة واحدة، لأنه تجرأ على انتقاد مجمع بويغ الصناعي بجملة قصيرة يبدو أنها كانت كافية لازاحته من منصبه، ومن ثم احاطته بجدار من الصمت الحاجب والمميت بالنسبة لمشاهير ال”شو” في فرنسا.

لقد تلقى “بوافر دارفور” عشرة آلاف رسالة استنكار من المشاهدين و200 رسالة من زملائه في العمل، وهذا ليس دليلاً على نفوذ لا يقهر للصحافة والصحافيين في فرنسا، إنه ببساطة انعكاس لسلطة اعلامية باتت تحتاج لعرائض الاحتجاج والتظلم والتعاطف في حين أنها مكلفة بين اشياء كثيرة بحماية الرأي العام الذي تصنعه من انحراف السلطات الأخرى.

ويعكس طرد الصحافي الاشهر في فرنسا من عمله لأنه “انتقد الرئيس” انتصاراً ساحقاً للسلطة الاولى على السلطة الرابعة، في حين كانت الصحافة الغربية قادرة في القرن الماضي على اسقاط رئيس القوة الاعظم في العالم وليس انتقاده فحسب، كما تفيدنا وقائع فضيحة ووترغيت التي اكتشفها في حينه الصحافي المغمور بوب وودوارد وانتهت بسقوط الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون.

وبما أننا نعيش في ظل نظام دولي شبه إمبراطوري وهرمي في تدرج السلطة والنفوذ فمن الطبيعي ان تصلنا ارتدادات ما يدور في رأس الهرم سلباً وايجاباً وأن ينعكس وقعها على أدائنا وأداء غيرنا، وعليه عندما كانت الصحافة الامريكية “سلطة رابعة” قولاً وفعلاً كانت الصحافة الفرنسية قادرة على المساهمة في حمل رئيس جمهورية اشتراكي إلى قصر الاليزيه في باريس للمرة الأولى منذ عقود طويلة، وعندما صارت الصحافة في أمريكا امتداداً بهذا القدر أو ذاك للسلطات الاخرى بتنا نرى روبير مينار رئيس منظمة “صحافيون بلا حدود” الفرنسية يبارك الاحتلال الامريكي لبغداد في التاسع من إبريل/نيسان عام ،2003 ويلوح بعلامة النصر من بين انقاض عاصمة الرشيد ويختصر الاحتلال بما سماه ب”بزوغ عصر حرية الرأي” في بلاد الرافدين.

لا يخشى كاتب هذه السطور على مصير “بوافر دارفور” الشخصي فهو “نجم ساطع” في عالم ال”شو” الفرنسي، وقد أصاب من نجوميته شروط عيش باهرة لما تبقى من حياته، ولعل الاشارة إليه تفيد في تبديد الأوهام التي تحيط بمهنتنا في العالم العربي. فعندنا أيضاً لا أثر حقيقياً ل”السلطة الرابعة” وما الصحافة عندنا الا وسيلة من وسائل السلطات الأخرى وامتداد لها وما دمنا في “الهم شرق” نحن وهم فلا حاجة بنا لمواعظهم ولثنائهم ولدروسهم وفي الطليعة منهم “صحافيون بلا حدود” التي لم ترفع اصبعا للدفاع عن صحافي القناة الاولى فيما تنوح عندنا على مصير “السلطة الرابعة” وتتحفنا سنوياً بجدول مدرسي يحوي مراتب البلدان الجديرة وغير الجديرة بالصعود إلى عرش “صاحبة الجلالة” الوهمي.
"الخليج"