على الطريق: طائرة في سمائنا!.. باخرة في مياهنا!/ طلال سلمان

ترامى الهدير شلالاً من الموسيقى فتقافز القوم إلى الشرفات وكل يهتف بالآخرين كمن حقق اكتشافاً علمياً خارقاً: إنها طائرة! إنها طائرة مدنية هنا في سماء بيروت، وها هي تتهادى بجلال هابطة في اتجاه المطار، الذي أمكن إعادته إلى الحياة بسرعة قياسية بهمة عشاق الحياة..

اندفع الصغار يتابعون بعيونهم، التي استعادت بريق بهجتها الآن، تلك السفينة الجوية في الأفق الرمادي، ويتبارون في رسم مسارها إلى المدرج، بينما هي تتهادى بأبهة ملكية، وغمازات النور عند أطراف أجنحتها تطلق تلك الإشارات الضوئية التي تعلن نهاية الرحلة.

إنها المرة الأولى تجيء الطمأنينة مع الطائرة ولا تختفي بمجرد أن يزمجر ذلك الوحش الفولاذي المثقل بحمولته من الصواريخ قاتلة الأطفال، هادمة البيوت، مدمرة الجسور، حارقة البرتقال والزيتون والتفاح وورود الحديقة.

لكنها طائرة واحدة، تصل بإذن وتقلع بإذن، ويبقى كل لبنان رهينة السجّان الإسرائيلي الذي لو استطاع لملأ الهواء أيضاً بالقنابل العنقودية!

يأتي وزراء الدول الكبرى بإذن منه، فيعلنون تضامنهم معنا، نحن الشعب المحاصَر، ويشجبون الحصار ويصفونه أوصافاً شنيعة بينها أنه يتناقض مع "النص المقدس" للقرار 1701، وبينها أنه "غير إنساني"، وبينها أنه ظالم... لكن كلماتهم تبقى معنا رهينة ذلك الحصار الذي يكاد يُخرج لبنان من العصر!

يأتي الأمين العام للأمم المتحدة، بإذن خاص، ثم يسافر ليواجه "البطل" الذي هزمته المقاومة الباسلة ومعه وزير دفاعه الغر وقادة جيشه الذي لا تُقهر دباباته أو نخبته، ويجهر الكهل الأفريقي الطيب كوفي أنان بضرورة فك الحصار، لكن مستقبليه يبلغونه بكل صلف ما قبل حرب الثاني عشر من تموز أنهم سيواصلون حصارهم حتى...

يمكن إدراج أي شرط بعد "حتى" هذه كمثل وصول كامل القوة الآتية لتعزيز اليونيفيل، وبناء السياج البشري الحامي لإسرائيل، أو كمثل تجريد "حزب الله" من سلاحه، أو كمثل إطلاق سراح الجنديين الأسيرين، أو كمثل قطع الهواء عن دمشق أو بشكل أدق منع تسرب الهواء من دمشق..

وعلينا أن نصدق أن كل هؤلاء الوزراء الخطيرين، وكل مجلس الأمن الدولي مُنشئ القرار 1701 بما يحقق الأمن المطلق
لإسرائيل، بضمانة جيوش العالم كله ممثلة بمفارز ضمن اليونيفيل، معززة بالدبابات، وبحراسة لشواطئ لبنان تشارك فيها حاملة طائرات وبوارج ومدمرات لمنع سلاح البحر التابع ل"حزب اللهط من مداهمة شواطئ فلسطين المحتلة في غفلة من غواصات البحرية الإسرائيلية اليقظة..

علينا أن نصدق أن كل هؤلاء حاولوا فجانبهم النجاح في رفع الحصار الجوي والبحري عن لبنان المهدّم نصفه بفعل غارات الطيران الحربي الإسرائيلي، الذي تركه "العالم الحر" يمارس "حقه" في تدمير المدن والقرى وأسباب الحياة لمدة ثلاثة وثلاثين يوماً طويلة.

أي إنهم يقدرون على منحه رخصة للقتل الجماعي وتدمير العمران، لكنهم لا يقدرون على منعه من فرض الحصار على الضحايا... بل إن رئيسهم وقائدهم الأعلى جورج .و. بوش يكاد يعطي، علناً، رخصة دولية لإسرائيل بإبادة "حزب الله" ومَن معه، وهم في هذه اللحظة الأكثرية الساحقة من العرب والمسلمين وأحرار العالم، بوصفه "تنظيماً إرهابياً" يريد تدمير الكون!

أما حديث السفينة ومنظرها الممتع وهي تمخر عباب الموج في بحر بيروت في اتجاه المرفأ الذي أغار عليه الطيران الحربي مرة وثانية وثالثة حتى عطله مع الرادارات التي توجه السفن، بما في ذلك رادار المنارة، فيكاد يستوي في منزلة الشعر.
إن إسرائيل تحاول إعادة لبنان إلى ما قبل اكتشاف الفحم الحجري الذي كان أسلافنا يتخذون منه وقوداً لمحركات البواخر..

... أما أساطيل الطائرات العربية، لا سيما الخاصة منها، الملكية والأميرية والخاصة برجال الأعمال وصفقات البيزنس، فلها السماء المفتوحة.

وكم هو واهم الرئيس نبيه بري حين توجه إلى هؤلاء العضاريط الصناديد يدعوهم إلى تحدي قرار الحصار الإسرائيلي بتسيير رحلات طائراتهم إلى بيروت... ولتمت إسرائيل في غيظها!
هل نسي دولته أن ممثلي هؤلاء الحكام البواسل قد جاؤوا بيروت، حين جاؤوها مرة!! بإذن إسرائيلي واضح وصريح ومعلن؟!

وشكراً لبعض الدول الصديقة، وللأمم المتحدة، التي تقبل، بعد، أن نستعير منها طائرة أو أكثر، بين الحين والآخر، ليطير رئيس حكومتنا ليطلب النجدة من العالم الحر، فيفتح له باب الحصار بإذن خاص، ثم يغلق مع عودته..
وها نحن ننتظر طائرة أخرى لنفرح بالفرجة عليها!
أما البواخر الآتية بجند الغرب لحماية إسرائيل فكثيرة!

"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018