على هامش زيارة ميركل إلى إسرائيل../ عوض عبد الفتاح

تُعيد زيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وتصريحاتها ومواقفها الداعمة بشكل مطلق لإسرائيل، والمستخفة بآلام الفلسطينيين المستمرة، على الفلسطينيين، وبشكل خاص الرسميين منهم، طرحَ سؤال غياب الموضوعية في المواقف الغربية من الصراع، وبالتحديد إزاء جرائم إسرائيل، والأهم: سؤال غياب الفعل الفلسطيني. لقد أثارت هذه المواقف والتصرفات استغراب حتى بعض الإسرائيليين مثل المؤرخ والصحافي توم سيغف في مقال تحليلي في هآرتس 19/3/2008 بعنوان "ميركل تدين إطلاق القسّام ولكنها تتجاهل تصرفات إسرائيل السيئة". ويقول في التحليل: "إنّ ميركل أطلقت تصريحاتها هذه في القدس وفي الوقت الذي يعيش جزء من أهالي هذه المدينة (أي العرب الفلسطينيين) في ظروف سيئة تحت الإحتلال".

إنها مواقف وسلوكيات وممارسات تثير غضب ليس الفلسطينيين والعرب (الشعوب) فحسب، بل كل المتعاطفين من قوى شعبية وديمقراطية في الغرب مع القضية الفلسطينية من المتمسكين بقيم العدالة والأخلاق. وهذا ما دفع مؤخرًا قوى وأحزابًا وشخصيات في العالم -وفي الغرب خصوصًا- إلى تصعيد حملة المقاطعة لإسرائيل، والتي جُوبهت بردّ فعل هستيريّ، ولكنه مبرمج، من إسرائيل وأدواتها الإعلامية ووكلائها، من دون أن تلقى هذه الحملة أيّ اهتمام أو اكتراث من النظام الرسمي الفلسطيني لتورّطه بمفاوضات عبثية، بل وصل الأمر بأستاذ جامعي فلسطيني من القدس، سري نسيبة، بأن يقف موقفاً معادياً علنياً لحملة المقاطعة الأكاديمية التي انطلقت من بريطانيا والتي لها أصداء ووجود في أمريكا وكندا وجنوب أفريقيا وغيرها من الدول. نعم، إنّ العجز والتواطؤ يشجّعان هذا التمادي الغربي الرسمي في إحتضان إسرائيل العنصرية والكولونيالية.

ما هي العوامل التي تقف وراء هذه الإزدواجية، أو الأدق، الإنحياز الغربي الرسمي إلى جانب إسرائيل، وما الذي يعوّق تعزيز الحصار الشعبي لحكومات الغرب وإضعاف إنحيازها؟

طبعاً الكل يعرف أنّ أسباباً تاريخية وأيديولوجية واستعمارية تقف وراء هذه العلاقة بين الحركة الصهيونية وتجسيدها إسرائيل ودول الغرب. ولا شكّ أنّ قوة الغرب الإستعماري ومصالحه كانت وراء زرع إسرائيل في الوطن العربي ولا تزال، وقد استطاعت إسرائيل فيما بعد أن تسوّق نفسها لهذا الغرب باعتبارها دولة ديمقراطية.

وظلّ العالم الغربي يُمجّد إسرائيل على مدار 20 عامًا بعد إقامتها كدولة "التنوّر والديمقراطية" في "غابة البربرية الشرقية"، في حين كان يخضع مئات الآلاف من المواطنين العرب تحت حكم عسكري قاس (1948-1966) سُلبت منهم معظم أراضيهم وتم عزلهم والقضاء على معظم مقوّمات الحياة المادية والثقافية. وهرع المتطوعون من الغربيين ليخدموا في الكيبوتسات باعتبارها النموذج الإشتراكي، متجاهلين أو غير مدركين أنّ هذه الكيبوتسات، التي شكلت رأس الحربة في المشروع الصهيوني، أقيمت على أراضٍ عربية وكانت العضوية فيها مقتصرة على اليهود، الأمر الذي يُخالف قيم الديمقراطية الليبرالية وقيم الأخوّة والمساواة بين البشر المُتجسّدة في الإشتراكية التي تبنتها حركة العمل الصهيونية.

للأسف، فإنّ سياسة إسرائيل تجاه عرب الداخل لم تستخدم في السابق ولا تستخدم اليوم بصورة كافية من الإعلاميين الرسميين الفلسطينيين في الخارج باعتبارها مسألة أكثر إحراجاً لإسرائيل، ربما من مسألة الإحتلال، ذلك أنّ إسرائيل تعرض نفسها في الخارج كدولة ديمقراطية. وهنا يجدر التمييز بين جهل الشعوب الغربية وبين موقف الحكومات والشرائح الإجتماعية المرتبطة مصالحها بهذه الحكومات وبقائها. فإذا كان ميزان القوى الذي كان دائمًا لصالح إسرائيل بسبب هذا الدعم العسكري والمادي والسياسي الغربي، من أسباب استمرار هذا الإنحياز المطلق لإسرائيل بتكوينها وبنيتها والعنصرية وطابعها الكولونيالي، فإنّ العجز العربي الرسمي والجهل في كيفية مخاطبة الرأي العام الغربي- كانت ولا تزال سبباً رئيسًا في تأخّر حصول تحوّل حقيقي. بطبيعة الحال لا يملك أيّ نظام عربي بتركيبته غير الديمقراطية المصداقية لتعرية الطابع غير الديمقراطي لإسرائيل كدولة يهودية-صهيونية، ولذلك كان التركيز العربي على احتلالها وعدوانها للأراضي الفلسطينية والعربية، وهذا الأمر كان ولا يزال يقتضي العمل على قلب ميزان القوى لصالح العرب، لأنه من دون ذلك لا يتحرك العالم وبالتحديد، القوى الممسكة بالقرار والمساندة لإسرائيل تلقائياً وطوعياً لإجبار إسرائيل لتنفيذ القرارات الدولية وإنهاء احتلالها.

أما السّبب الآخر الذي يعيّق أو يؤخّر حصول تحوّل نوعيّ في الرأي العام الغربي، والذي كان يجب أن يحصل منذ انفجار الإنتفاضة الثانية فيعود إلى ظروف الإنقسام الراهن التي تمرّ فيها السّاحة الفلسطينية، وقبل ذلك فساد سلطة أوسلو وعجزها عن إنتاج نظام يتّسم بالشفافية والعدالة، وأيضًا إلى غياب الإستراتيجية الكفاحية المُوحّدة العقلانية والخطاب السياسي القابل للنفاذ إلى الرأي العام العالمي وإلى بعض أوساط الرأي العام الإسرائيلي.

لقد استطاعت القوى التحرّرية الديمقراطية في جنوب أفريقيا أن تحسم المعركة مع نظام الأبرتهايد عبر تبني استراتيجية تحرّرية ديمقراطية مدروسة. صحيح أنّ الصراع العربي-الإسرائيلي أكثر تعقيدًا والأبرتهايد الإسرائيلي أسوأ من جنوب أفريقيا، لكنّ القضية الفلسطينية قضية عادلة ومن أعدل القضايا في العالم. وبالإمكان تحقيق جبهة داخلية وعالمية لإسقاط الإحتلال ونظام الأبرتهايد الصهيوني في فلسطين فيما لو اتخذ قرارًا فلسطينيًا رسميًا بهذا الشأن.

ويبقى السؤال: هل بالإمكان تطوير النضال الوطني والديمقراطي في ظلّ الإنقسام المأساوي داخل الحركة الوطنية الفلسطينية؟ وفي ظلّ التمسك بشعار الدولتين، في غياب إستراتيجية كفاحية لدحر الإحتلال، لا شكّ أنّ هذا الواقع يُثقل على المبادرين والراغبين في التحرّك في هذا الإتجاه ولكن الإستسلام أمام هذا الواقع هو كارثة أخرى. ولذلك هناك مبادرات فلسطينية وأجنبية شعبية في الخارج باتجاه تعرية الوجه الحقيقي لإسرائيل وكشف نواياها تضايق وتُقلق إسرائيل. وهذه المبادرات تحتاج إلى دعم وسند حقيقي.
"فصل المقال"