عمرو موسى والدور المأزوم../ زياد سعيد*

لا يملك الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى من القول إلا لمامه. فالرجل كما جامعته في حال بطالة سياسية مديدة، تقطعها بين الحين والآخر مهمات بسيطة ومحددة تهدف إلى تغيير «الجو» أو اختراع ما يبرّر طول المقام في المنصب الرفيع، المنصب المعلّقة سلطاته، أو الموقوفة على هذا أو ذاك من الأنظمة. على أن واجب الإنصاف يقتضي القول إن البطالة التي يعيشها موسى قسرية، والأرجح أن لا يد له فيها. وهي في حقيقتها تعبير طبيعي وصادق عن تردّي الحال العربية وسوئها، ورفض دول عربية ودولية مؤثرة لأي من أشكال العمل العربي المشترك، ولو في حدوده الشكلية، التي تمثلها منظمة «جامعة الدول العربية».

من هنا، فإن تعليق موسى الجديد ـ القديم على الوضع اللبناني، وحديثه عن احتمالات الحلحلة إنما يندرج في باب التمنيات «الصادقة» وليس لها أي مفعول، سوى مفعول الإقرار المتجدد بالعجز عن الإتيان بأي جديد، أو تأكيد ما هو مؤكد، لجهة الاعتراف بدقة الوضع اللبناني والحاجة إلى الإسعاف السريع.

على أن الموضوعية توجب أيضاً القول إن حال البطالة والشلل الذي تعانيه المؤسسة العربية الأم هو سابق على موسى. وهو نتاج سياسات رسمية مديدة، قادتها المملكة الوهابية. من خلال أشكال عمل مختلفة، كان الأبرز فيها إقامة التكتلات الإقليمية المتنوعة مثل مجلس التعاون الخليجي، أو من خلال الخروج الدائم على القرارات التي صدرت عن القمم العربية، وانتهاج سبل التفافية قوّضت تلك القرارات، وبالأخص منها تلك المتعلقة بالموضوع الفلسطيني.

يتصرف البعض لدى الحديث عن الغياب التام الذي يسم عمل هذه المؤسسة، بوصفه واقعاً طبيعياً وبديهياً. إلا أن الموضوعية توجب القول إن ثمة في الواقع من هو مسؤول عن حال الشرذمة السياسية التي تخيم على الواقع العربي، وهي الحال التي تجعلنا مكشوفين على أنواع مبتكرة من التدخلات التي تسعى إلى تأبيد واقع التجزئة والتفتت القائمين. إن المشهد العراقي الدامي ما كان له أن يكون كذلك لو ان في الأنظمة القائمة من لم يقف على النقيض من مصالح أمته. كذلك هي الحال في فلسطين التي تعيش تخلياً يندى له الجبين.

ثمة من يردّ الأزمة، أزمة الجامعة، الى طبيعة النظام السياسي العربي، وفشله في إقامة الدولة، أو حتى بلوغ مفاهيمها الجنينية. وثمة من يرد الأمر الى طبيعة ومستوى الوعي السياسي المحكوم بآليات استبداد خاصة معوقة لأي فهم ولأي تقدم. وهناك كم إضافي من التنظير والبلاغة، الذي يهدف حصراً الى التعمية عن الأسباب والمسبّبات. إن الجواب الصحيح يلزمه سؤال صحيح.

ربما كان المدخل الموصل الى وقف التدهور المتفاقم في الوضع العربي يحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية لأصل المفهوم الذي استدعى قيام الجامعة.

الأكيد أن ثمة دوراً مفيداً يمكن أن يلعبه السيد موسى. أقلّ الأدوار أو فاتحتها يكون في الكفّ عن التصاريح الدبلوماسية والتوجه نحو رفع الصوت في وجه من يزعجه استعادة الدور الأصلي الذي حكم قيام هذه المؤسسة، الضرورية للرد على الأحلاف والمحاور، التي تستهدف المنطقة، وخصوصاً أن ما يدبّر لها من مشاريع تمزيقية وتفتيتية باتت معلنة وتستند الى خطط رسمية.

تصل كوندوليزا رايس الى المنطقة في لحظة أميركية دقيقة بعض الشيء. إذ يتوقف على نجاح مسعاها، لجهة العمل على رص صفوف اتباعها من «المعتدلين العرب»، في اتجاه أكثر صرامة، وفي إجهاض اتفاق «مكة»، وغيرها من قضايا متصلة. قسط وازن من المشروع الأمبراطوري الخاص بجورج بوش، وخصوصا أن الوقت الأميركي المتاح لتحقيق المهمة في طريقه الى النفاد. فالأصوات «الديموقراطية» وبعض «الجمهورية» المطالبة بتغييرات عراقية تراجعية تزداد ارتفاعاً، وقد ترتفع أكثر.
تجديد التصويت ولو غير الملزم الرافض لخطة بوش إشارة إضافية على حقيقة يمكن لها أن تتحول إلى واقع يهدد مجمل البنيان السياسي للإدارة الأميركية الأشد هجومية في التاريخ الأميركي.

سباق الوقت هو ما يلاحق بوش. وليس أمام المنطقة من سبيل لرد ما ينتظرها من مصائر جحيمية إلا المواجهة، مع التأكيد على أن ضمان تحقيق الغلبة يستلزم مشروعاً عربياً يعيد الاعتبار إلى أولوية الديموقراطية كقيمة أساسية وضرورية. إن تغييب هذه القيمة الجوهرية يضعف المواجهة ويجعلها بلا أفق، بل وعلى قدر من المجانية، مماثلة للمواجهات العربية السابقة، مع ضرورة تحييد مواجهة «حزب الله»، ذات الخصوصية التي تحتاج إلى تناول خاص.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018